الافتتاحية: مقتل البغدادي وتصريحات ترامب الفارغة

عشية ليلة الأحد 27 من أكتوبر المنصرم غرّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قائلا: “شيء كبير للغاية حدث للتو”، وبعد تغريدته بدأت التسريبات تخرج إلى وسائل الإعلام الأمريكية تفيد بمقتل زعيم تنظيم “داعش” أبي بكر البغدادي في عملية أمريكية، وأطلقت حملة إعلامية لخطاب “ترامب” صباح يوم الأحد حول مقتل البغدادي.

وفي صباح يوم الأحد بتوقيت واشنطن خرج “ترامب” في زهو الأبطال وخيلاء الشجعان معلناً بكل صلف وتبجح مقتل زعيم داعش أبي بكر البغدادي وأردف قائلا: “يجب أن نتذكر عمليات قتل وقطع الرؤوس وطريقة قتل الطيار الأردني، ونأمل ألا نرى مستقبلا شيئا مماثلا”.

ممتناً على العالم أجمع، وكأنه أنجى المسلمين وأخلص أهل الأرض أجمعين من جرائم داعش وفظائعه.

تعالوا لنقف مليّا عند الحادث وتصريحات الرئيس الأمريكي “ترامب” ليتضح لنا فراغ تبجحاته وتصريحاته.

إن تصريحات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” وتبجحاته حول مقتل زعيم داعش جزء من الحرب الفكرية والنفسية التي شنها الغرب بقيادة أمريكا ضد العالم الإسلامي.

لا يخفى على عاقل أن أمريكا سخرت إمكانياتها الإعلامية لصالح تنظيم “داعش” فبالغت في تضخيمه وتفخيمه وأفسحت له المجال في دول المسلمين المختلفة ليعيث في الأرض ظلما وفسادا، كما قدمت له الدعم اللوجستي والعسكري والفكري في كثير من بلاد المسلمين، فأمريكا هي من غذت فكره وغلوّه وآوته وحمته من ضربات المجاهدين؛ لأنه فرصتهم الوحيدة لـتدمير الشعوب المسلمة وتهديد دول العالم.

كما لا يخفى أن المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي قدموا تضحيات جسيمة في سبيل محاربة داعش واستئصال شأفته، ودفعوا الثمن الغالي في سبيل احتواء فتنته.

غباوة الفكر الداعشي أو الاختراق وزرع الجواسيس داخله، أيا كان الأمر فقد قدم تنظيم داعش خدمات جليلة لأعداء الإسلام والمسلمين، واستغلت أمريكا حماقة الدواعش وغلوّهم أسوأ استغلال؛ فتدخلت في كثير من البلدان الإسلامية بذريعة مكافحة الإرهاب ومحاربة داعش، ونجحت في إشعال نيران حروب طائفية وعرقية داخلية بين المسلمين.

كما نجحت أمريكا في زرع هذه الفتنة ونقلها إلى كثير من بلاد المسلمين، ووفّرت البيئة المناسبة لتبييضها وتفريخها.

والآن يعلم القاصي والداني أن داعش ورقة ضغط بيد أمريكا في أفغانستان؛ تستخدمها ضد المجاهدين وشعوب المنطقة، فتناصرها إعلاميا وعسكريا وتسعى لإنقاذها من ضربات الإمارة الإسلامية كما حدث عدة مرات في ولاية جوزجان وكونر ونانجرهار، حيث وصلت المروحيات إلى نجدتهم لما أطبق المجاهدون عليهم الخناق وكادوا أن يقضوا عليهم.

كانت داعش ولا زالت أداة في يد أمريكا لترويع الآمنين؛ فإذن أمريكا شريكة مباشرة في الجرائم التي اقترفتها وتقترفها، ولا يمكن لأمريكا التملص من المسؤولية والتهرب من الواقع وإلقاء اللوم على الآخرين تحت ذريعة حرب الإرهاب.

فلا يحق للأمريكيين أن يتباهوا بمقتل البغدادي ومخابراتهم ساهمت وتساهم في انتشار أتباعه ودعمهم إعلاميا وعسكريا واقتصاديا.

ولا نريد أن ندافع عن البغدادي فإنه ولا شك كان ظالما ومجرما بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولا شك أنه كان مستراحا منه؛ استراح منه العبادُ والبلادُ ، والشجر والدواب، فأتباعه جلبوا الويلات على الأمة الإسلامية في مختلف البلدان وألحقوا بها خسائر نفسية ومالية وفكرية في كثير من المناطق، وأفسدوا جهاد المسلمين ضد المحتلين ووفّروا طوق النجاة للاحتلال الصليبي في أفغانستان، وللدواعش منن كثيرة على الاحتلال الأمريكي، وقد لقي مصرعه وسيسأله الله عن الجرائم التي اقترفها أتباعه في حق الأبرياء؛ ففرح المؤمنون بمقتله في أنحاء العالم الإسلامي واستبشروا بهلاكه لجرائمه، حتى أننا لم نجد أحدا من علماء المسلمين ودعاتهم وقادتهم ترحم عليه أو عزّى به، أو رثاه أو نعاه.

ويجب على ترامب أن يعتبر من مصير البغدادي وهلاكه؛ فإن سجل جرائمه أكبر بكثير من جرائم البغدادي، وإن الله سبحانه وتعالى ليس بغافل عما يعمل الظالمون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.