مرهقة ومشتتة.. القوات الأمريكية مستعدة لمغادرة أفغانستان

للمحلل العسكري الأمريكي: تشارلز ف. بينيا

ترجمة: حامد عبد العظيم

 

(مقدمة وجيزة عن المترجم):

كاتب هذا المقال شخصية لها ثقلها، فهو باحث كبير بمركز الأبحاث الأمريكي (المعهد المستقل) بكاليفورنيا، ولديه أكثر من خمسة وعشرين عامًا من الخبرة كمحلل سياسات، وهو مؤلف كتاب (ربح الأمم المتحدة، استراتيجية جديدة للحرب على الإرهاب).

في هذا المقال تتبين أهمية المقاومة والثبات عليها وعدم المساومة على مقدرات البلاد، ويظهر أن مآل المقاومة والجهاد هو النصر على المحتل لا محالة، وأنّ المسألة مسألة وقت لا أكثر، فالمحتل لا يستطيع أن يبقى في أرض بها مقاومة وطنية متمسكة بقضيتها وحاملة لسلاحها ولا توجهه إلا إلى صدور أعدائها لا شعبها، وهذا هو الفرق بين طالبان وداعش، فطالبان استمرت طيلة هذه السنوات وازدادت قوة بسبب اكتسابها للحاضنة الشعبية وعدم توجيه سلاحها نحوها، في حين أن داعش توسع في التكفير والاستعداء واتهام النوايا فنفر عنه النّاس، وأعني بالناس هنا عوامم الأمّة وخواصها من الصادقين.

هذا المقال غيض من فيض للنواح الأمريكي على الخسائر التي تتكبدها أمريكا بكل ساعة إضافية تجلسها في أفغانستان، هذه الأرض المسلمة المباركة التي استطاع أهلها غرز القدم الأمريكية في الوحل الأفغاني، واستطاعوا أن يطردوا قوات حلف الناتو شر طردة في انسحاب ذليل، تاركًا وراءه صديقه الأمريكي وحده في ورطة استمرت حتى الآن أكثر من 17 سنة، لقد استطاع الأفغان أن يضعفوا الهيبة الأمريكية والاقتصاد الأمريكي وداسوا بأقدامهم الطاهرة على وجوه المحتلين الكفرة.

إنها القوة وسحرها، وصدق القضية وعجائبها التي لا تنقضي، وإخلاص الرجال ومفعوله الجبّار، وصدق من قال: “إنما النصر صبر ساعة”، والآن نترككم مع المقال:

إن كانت الولايات المتحدة منخرطة في حرب أمن قومي، فستكون على استعداد لقبول التكاليف التي تفرضها حرب مكافحة التمرّد، لكن حرب أفغانستان ليست حرب أمن قومي.

لقد تبدد الأمل في التوصل إلى حل سلمي في أفغانستان، عندما أدى هجوم لطالبان إلى مقتل جندي أمريكي وإحدى عشر آخرين في 6 سبتمبر بكابُل. وبعد أقل من أسبوعين، تسبب هجومان منفصلان لطالبان في يوم واحد بمقتل ثمانية وأربعين شخصًا، وبعد ذلك قتلت طالبان عشرين شخصًا بسيارة مفخخة في مستشفى بمدينة قلعة جيلجي جنو ب أفغانستان.

هناك سبب وجيه للاعتقاد بأنّ هذا النوع من الفوضى سيستمر، لكن يجب ألا يؤجل ذلك خروج الولايات المتحدة – المتأخر- من أطول حرب مستمرة. لقد ألغى الرئيس دونالد ترامب محادثات السلام مع طالبان في أعقاب هجوم 6 سبتمبر، لكنه لا يحتاج أن يتفاوض على سلام للوفاء بوعد حملته وإعادة القوات الأمريكية إلى الوطن.

من المؤكد أن سحب القوات الأمريكية من أفغانستان لن يؤدي بطريقة سحرية إلى حل سلمي، لكن الاحتفاظ بالقوات هناك لن يفعل أيضًا. في الواقع إنّ الوجود العسكري للولايات المتحدة هو جزء ممّا يؤجج العنف في أفغانستان؛ لأنّ القوات الأمريكية هي قوة احتلال أجنبية تولّد الغضب لدى السكّان، بغض النظر عن نوايانا، تمامًا كما يحدث إذا استولى جيش أجنبي على أمريكا.

علاوة على ذلك، فإنّ أربعة عشر ألف جندي أمريكي في أفغانستان غير كافيين من الناحية الواقعية لإخماد العنف بالبلاد، والذي سبق التدخل الأمريكي وسيستمر بعد رحيل هؤلاء الجنود. المعيار المقبول لمكافحة التمرد الناجح هو نسبة قوة لا تقل عن 20 جنديًا لكل ألف من السكّان.

ووفقًا للتقرير الفصلي الصادر عن المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان في يناير 2019م، فإنّ المتمردين الأفغان “زادوا من سيطرتهم أو نفوذهم بشكل طفيف على المناطق التي يعيش فيها 108% من السكان (306مليون شخص)”و’’ارتفع عدد السكان الذين يعيشون في المناطق المتنازع عليها إلى 805 مليون’’ (لم تستمر هذه البيانات في الظهور بالتقارير اللاحقة). مما يتطلب قوة قوامها 243000 جندي، أي أكثر من ضعف أعلى عدد مطلوب والذي كان في أغسطس 2010. إنّ نشر هذا الحجم من شأنه أن يكلف جيشنا ثمنًا باهظًا، والشعب الأمريكي بحكمة لن يدعمه.

هناك أيضًا مشكلة لا مفر منها، وهي الضرر اللازم بغض النظر عن محاولتنا تجنبه والمترتب على العمل العسكري الذي يستهدف العدو، فهو يؤدي في كثير من الأحيان إلى قتل المدنيين الأبرياء. في الواقع لقد أدت غارة أمريكية بطائرة دون طيار تستهدف مخبأ لداعش في أفغانستان إلى مقتل ثلاثين مدنيًا على الأقل. ومنذ يناير 2009 وثقت الأمم المتحدة أكثر من ستة عشر ألف قتيل مدني، وحتى الآن في هذا العام وحده كان الرقم أكثر من ثلاثمائة. يترتب على ذلك الضرر الجانبي تنفير السكان المدنيين، مما يخلق المزيد من الغضب من القوات الأجنبية والمزيد من التعاطف مع المتمردين.

إن كانت الولايات المتحدة منخرطة في حرب أمن قومي، فستكون على استعداد لقبول التكاليف التي تفرضها حرب مكافحة التمرد. لكن الحرب بأفغانستان ليست حرب أمن قومي.

فطالبان والقاعدة وحتى داعش يشكلون تهديدات داخلية للحكومة الأفغانية، وجزءًا من الصراع على السلطة حول من يسيطر على البلاد، لكن لا يوجد جراء ذلك تهديدات مباشرة (ناهيك عن وجودها) للولايات المتحدة، وعلى الرغم من وجود حكومة تمثيلية متعددة الأعراق وديمقراطية في أفغانستان، إلا أنّ وجود حكومة كهذه ليست ضرورية للأمن القومي الأمريكي.

كل ما نحتاج إليه هو أن تعرف أي حكومة تسيطر على أفغانستان أنّ الولايات المتحدة لن تتسامح مع دعم أو إيواء أي جماعة إرهابية ذات نطاق عالمي يهدد الولايات المتحدة بشكل مباشر. هذا صحيح حتى لو لم تكن الحكومة المعنية حكومة صديقة.

لا تنس أنّ ترخيص استخدام القوة العسكرية الذي وافق عليه الكونجرس في 14 سبتمبر 2001م، كان لاستخدام كل القوة اللازمة والملائمة ضدّ الدول أو المنظمات أو الأشخاص الذين خططوا أو ارتكبوا أو ساعدوا في شنّ الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 سبتمبر 2001م أو أسهموا في إيواء مثل هذه المنظمات أو الأشخاص. والمعنِي بذلك أسامة بن لادن والقاعدة والحكومة التي كانت بقيادة طالبان في ذلك الوقت، لأنها وفرت الملاذ الآمن لابن لادن والقاعدة.

وهذه المهمّة قد انتهت منذ فترة طويلة، طُردت طالبان من السلطة في غضون أسابيع، وتعطلت القيادة العليا لتنظيم القاعدة وتشرذمت على مدار الأعوام القليلة التالية – بصورة أكبر إلى الجارة باكستان- وعُثر على أسامة بن لادن وقتلته قوات العمليات الخاصة الأمريكية في مايو 2011.

لذلك من العدل أن نقول ’’لقد أنجزت المهمة,, وقد مضى وقت طويل للاعتراف بأنّ التهديد الحالي في أفغانستان لا يستدعي استمرار الوجود العسكري الأمريكي. وأصبحت المهمة واحدة وهي بناء الأمة، والتي تجنبها ترامب بحق كمرشح، فبدلًا من الاستمرار في المخاطرة بالدم الأمريكي والثروة، يجب علينا الخروج من أفغانستان بأقصى سرعة.