حين يذوق المجاهد حلاوة القتال

غلام الله الهلمندي

 

إن الأيام التي قضيتها في خنادق القتال، مع الإخوة المجاهدين، مع صفوة هذه الأمة من أجمل أيام حياتي مطلقًا، والذكريات التي التقطتها خلال اللحظات الحاسمة التي تشبه ساعة الصفر من أحلى ذكرياتي، إنها ذكريات ربما لا أكاد أستطيع وصفها كما يجب، فإن نطاق الكلمات والتعبيرات التي أعرفها ضيّق للغاية، فإن هذه الكلمات لا تستطيع أن تعبر عن مدى سعادتي بتلك الذكريات التي علقت بخاطري أثناء اللحظات الحساسة والمصيرية. إن كل لحظة يقضيها المجاهد في الخنادق وفي الرباط، تضع نقطة من النور على لوحة قلبه، نقطة لن تمحو مادامت العروق تنبض بالدماء.

لكن متى نتذوق تلك الحلاوة، متى نتذوق حلاوة الحياة داخل الخنادق؟ متى نتذوق طعم التضحية في سبيل الشريعة؟ متى نتذوق حلاوة الحرية تحت ظلال السيوف؟ بل متى نستيقن بأن الحياة تحت ظلال السيوف حرية مطلقة، حرية لا تدانيها حرية؟ متى نجرب السرور بين بحبوحة الغبار الكثيف وعمق الظلمات المدلهمة؟ متى نحس بالأمن والاستقرار تحت بارقة الرماح؟ متى نشعر بالفرح بين ضجيج القصف ودوي السهام؟ متى نستطيع أن نصمد في هذه الطريق؟ والجواب عن كل هذه التساؤلات المطروحة هو أن ندرك غايتنا من هذه الحرب، لماذا نقاتل؟ هل نقاتل ضد الأعداء غضبا وحمية؟ هل نقاتل لأجل أن أترابنا وأصدقاءنا يقاتلون، ونحن نتأسى بهم، وليس لدينا غاية محددة؟

إذًا يجب بادئ ذي بدء أن يعرف الجندي المسلم معالم طريقه ليسير فيها ثابتا ولا يحيد عنها يمنة ويسرة، فإن الطريق الملتوي الذي لا معالم له يؤدي إلى التيه، والطريق إذا لم يكن واضح المعالم، يؤدي إلى الضلال، إذًا يجب أن يعرف المجاهد حدود غايته، ويحدد نطاق أهدافه.

يجب أن يقاتل المجاهد لأجل الدفاع عن دينه، ويقاتل بغية تنفيذ أحكام كتاب الله، ويقاتل حتى يعلو لواء التوحيد فوق كل بقعة من أرض الإسلام، ويقاتل نصرة للمستضعفين، ويقاتل لكي يبحث عن فرح يُهديه إلى المستضعفين واليتامى والثكالى، فرح يكفكف به دموع المنكوبين، ويقاتل بحثًا عن أمل وراء ركام من اليأس، عن أمل يمنحه لمن أتعبته الحياة تحت رأية الظلم والعدوان، ويقاتل حتى يطرد أعداء الدين، ويقاتل في سبيل حاكمية شريعة محمد رسول الله (صلوات الله عليه)، يجب أن يقاتل حتى يزيل العوائق عن انتشار دعوة الإسلام، ونور القرآن، وضياء الهدى، ويقاتل حتى يحمل مشاعل الهداية إلى مشارق الأرض ومغاربها، ويقاتل لينال رضى ربّه، ويقاتل حتى ينال مكانة الاستشهاد، ويقاتل حتى يتوارث جنة الله التي أعدها للمتقين، يجب أن يغامر المجاهد بحياته بهدف تحقيق هذه الأهداف العظيمة.

من استقرت هذه العقيدة في أعماقه، وترسخت في داخله، لا يملك خيارا سوى القتال، لا يستطيع بأن لا يقاتل، ولا يستطيع أن لا يثبت، فهذه العقيدة لا تدعه يغفل عن رسالته، ولا تتركه ينحرف عن الطريق، ويتخلى عن واجبه، وهذه العقيدة لا تسمح للغفلة أن تتطرق إليه، ولا تسمح للتعب أن يقهره، ولا تسمح لليأس أن يغلبه، ولا تسمح للنعاس أن يأخذه، ولا تسمح للضعف أن يغشاه، وهذه العقيدة تحرّم عليه الاستسلام للطوفان.

إذا خضنا غمار الحرب لأجل تحقيق هذه الأهداف النبيلة العالية، ما ضعفنا، وما وهنا، وما استكنا، وما تعبنا، وما أعطينا ظهورنا لأعداء الله، وما انهزمنا، وما حسبنا الشهادة في سبيل الله هزيمة، لا والله، إنها ليست هزيمة، إنها إحدى الحسنيين، الظفر أو الشهادة.

إذا دخلنا ميادين الحرب تحقيقا لهذه الغايات العظيمة، لن يخوفنا الاعتقال، ولن تؤلمنا الجراحات، ولن يشق علينا فراق الأسرة والأحبة، ولن تروّعنا المصاعب المتوالية، إذا وضعنا هذه الأهداف الكريمة نصب أعيننا، إذا قاتلنا من أجل هذه الأهداف لن يغلب علينا اليأس، ولن يغلب علينا النعاس، ولن يهزمنا اليأس، بل نحن من يهزم اليأس بإذن الله.

إذا حاربنا من أجل عقيدة، وحاربنا عن اقتناع وإخلاص، سهل علينا تحمل تكاليف وتبعات هذا الطريق الطويل، إذا حاربنا عن عقيدة، ما فقدنا نفسياتنا وهِممنا مهما طال الليل. لأجل نفس السبب، فقد صمد المجاهدون الأفغان ما ينيف على أربعة عقود، ولم يفقدوا همتهم وحماسهم، ولم تزعزع الشدائد إيمانهم، ولم تغز العواصف إرادتهم. قد يتّهم البعض مقاتلي “الإمارة الإسلامية” بأنهم يقاتلون من أجل شهوة الكرسي، كلا وحاشا!! ليست تلك هي غايتنا، إنما غايتنا أسمى وأعلى من حطام هذه الدنيا الدنيئة، ورسالتنا أرفع مكانة من حكومة زهيدة ضحينا بها فيما مضى من أجل الدفاع عن مسلم. لو كان المجاهدون يقاتلون لأجل هذه الغاية التافهة، لقعدوا عن القتال قبل أمد غير قصير، بل لاندمجوا في إدارة كابل في بداية المطاف، بل لما فقدوا أصلا إمارتهم.