ما أشبه الليلة بالبارحة!

عرفان بلخي

حينما اجتاحت قوات الاتحاد السوفياتي بلادنا، وناطحت جبالها الشامخة ورجالها المقاومين الأشداء، واستمر ذلك الاحتلال لما يقارب عقد من الزمن؛ عرف السوفيات خلالها أن أفغانستان “أرض ليس بها سوى الحجارة والرجال” كما عبّر عنها العقيد في قوات الحرس المظلية السوفيتية، فلاديمير سافيتسكي، عندما قال: «ألقوا بنا في حمأة النار»، مُلخصاً بذلك ما يُقارب الـ9 سنوات، قضتها القوات الغازية السوفيتية في بلادنا، والتي كانت بدايتها في الـ25 من ديسمبر للعام 1979 ونهايتها في الـ 15 فبراير 1989، فأدرك في النهاية أن أفغانستان بالنسبة للاتحاد السوفياتي جرح لا يندمل.

ووصفها ميخائيل غورباتشوف عام 1986 بأنها ورم سرطاني. وكان الشيوعيون العملاء في سدة الحكم صوريا آنذاك، ولم تستطع القوات السوفييتية بسط سلطتها خارج كابول. وظل حوالي 80% من مناطق البلاد خارج سيطرة الحكومة، وتم توسيع المهمة الأولى المتمثلة بحماية المدن الكبرى والمنشآت.

كانت العمليات للقبض على تشكيلات المجاهدين عادة ما تمنّى بالفشل، وكان من الضروري تكرارها في ذات المنطقة أكثر من مرة؛ وذلك لأن المجاهدين كان بإمكانهم العودة إلى مراكزهم وإلى قراهم بينما يعود السوفييت لقواعدهم، وهذا ما يحصل مع القوات الأمريكية والحلف الأطلسي اليوم مرة أخرى.

فعلم حينئذ أعداء الاتحاد السوفياتي في الخارج وحلفاؤه في الداخل أن السوفيات يريدون الانسحاب عاجلا أو آجلا. وأخيرا تم انسحاب قوات السوفيات، واستولى المجاهدون على كابول، ولجأ رئيس الحكومة (نجيب الله) إلى أحد مباني الأمم المتحدة هناك، وبقي الشيوعيون بلا مأوى ينتظرون رحمة المجاهدين.

وبعد فترة من الزمن وتحديدا في يوليو/تموز1994، بعد أن عمّت الفوضى جميع البلاد، وقُطعت السبل وانتشر الفساد؛ انتزعت مجموعة من طلبة المدارس الدينية سلاح مجموعات من أمراء الحرب الذين كانوا يتقاتلون فيما بينهم، وأزالت نقاط جباية الضرائب في عدة مناطق، وأعدمت نجيب الله أحمد زي، واستولت على الحكم؛ حيث بايع 1500 من العلماء وعشرات الالاف من طلبة المدارس الدينية الملا محمد عمرالمجاهد -رحمه الله- أميراً لهم لإقامة دولة إسلامية في أفغانستان.

وهذا كان ملخص قصة البارحة.

 

والحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان اليوم هي أن الامارة الاسلامية التي تدافع عن عقيدتها وموطنها وكرامتها؛ لها مكانة في قلوب الشعب، وأنها كما تسيطر على 70% من البلاد فهي كذلك تسيطرعلى القلوب قبل سيطرتها على ساحات البلاد. وتحظى بمساندة كاملة وحاضنة لا مثيل لها من أبناء الشعب الأبي الغيور.

كما بثت بي بي سي تقريراً استندت فيه إلى تصريحات وآراء أكثر من 1200 مصدر محلي، يؤكد ذلك التقرير أن الأراضي التي تسيطر عليها الامارة الاسلامية أكبر بكثير مما يعلن عنه. وهذا الوضع يعيد للأذهان ما كانت عليه البلاد في أواخر الثمانينات إبان الغزو السوفياتي؛ فهاهي اليوم أكثر ساحات البلاد خارجة عن سلطة الحكومة الفاسدة، وجنودها محاصرين في ثكناتهم العسكرية. وهاهم جربوا الانتخابات الشكلية والتي رفضها الشعب رفضا قاطعا، وبذل العملاء والمحتلين كل مافي وسعهم من القوة والمداهمات الليلية والغارات الجوية والنسف والقصف وقتل المدنيين العزل في عقر دارهم.

مع بداية الغزو والاحتلال لم يختلج في خلد أحد من صناع السياسة وعباقرة العسكرية وأفذاذ المفكرين، أنه يمكن لشعب يشغل المرتبة الرابعة في قائمة أفقر شعوب العالم أن يصمد أمام أقوى قوة عسكرية على وجه الأرض. وكما أن النصر في غزوة بدر كان فيه رائحة المعجزة فقد تم بغير أداة من الأدوات المادية المألوفة للنصر، لم تكن الكفتان فيها -بين المؤمنين والمشركين- متوازنتين ولا قريبتين من التوازن، ولكن شاء الله أن تتحقق المعجزة!

لا يخفى على أحد أن الغزاة الامريكيين من عسكريين ودبلوماسيين، يدركون تاريخ أفغانستان جيدا؛ ففي أواخر عام 2001م قال الجنرال (تومي فرانكس) قائد القيادة المركزية الأمريكية، مخاطـباً الوزير (دونالد رامسفيلد): «لقد اتفقنا على أن لا ننسحب من البلاد مع وجود تشكيلات كبيرة من القوات التقليدية، ونحن لا نريد تكرار أخطاء السوفييت… هذه المنطقة احتضنت ثقافة الأبطال المحاربين الفخورين بصد الجيوش الغازية لأكثر من 2000 سنة».

وكما نرى اليوم تغريدات الرئيس الأمريكي ترمب، نعلم جيدا أنه بصدد الانسحاب من هذه البلاد التي اشتهرت بأنها مقبرة للامبراطوريات. ولقد أدرك الرجل بعدما يقارب عقدين من الزمن أن أفغانستان عصية على الغزاة والمعتدين. وحينما يصف شجاعة أبطال المقاومة الاسلامية، يقول ترامب: “إن الأفغان يتوقون إلى القتال بشغف كما نتوق إلى مشاهدة المباراة باشتياق”. وهذا معناه أن رجال المقاومة لا يرون التعب والأعياء في مقارعة الأعداء والمحتلين، ولو طالت الحقبة لقرن من الزمن، فالأولى أن تحسم الحرب بالوسائل السلمية، ليتسنى للقوات الغازية الانسحاب بكرامة. وقد أعرب أخيراً عن إحباطه من الوجود المتواصل لقوات بلاده في أفغانستان، وصرح مراراً وتكراراً أن الحكومة الأفغانية بعيدة كل البعد عن أن تكون قادرة على إدارة أمنها الخاص في هذه المرحلة، والولايات المتحدة تدرك أيضاً أن الانسحاب يعتمد على محادثات السلام مع الامارة الاسلامية المتمثلة في حركة طالبان الاسلامية وليحدث ما يحدث.

غرد ترامب أخيرا في معرض تعليقه على قضية الضابط الأمريكي الميجر ماثيو غولدشتاين الذي ستنطلق محاكمته في ديسمبر المقبل بتهمة إعدام أسير من حركة “طالبان” في أفغانستان عام 2010، قال: ندرب شبابنا أن يكونوا آلات قاتلة، ولم ينف ترامب في التغريدة ارتكاب الضابط جريمة قتل خارج القضاء، لكنه أعرب عن معارضته لملاحقة غولدشتاين، مشيرا إلى أن القضية الآن موضع الدراسة في البيت الأبيض. مضيفا: “ندرب شبابنا على أن يكونوا آلات قاتلة، ثم نحاكمهم عندما يقتلون؟!”.

وصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بنية قوية في سحب القوات الأمريكية من مناطق الصراع التي تعمل فيها. ولقد رأينا قريبا انسحابها من شمال سوريا، وآن الأوان للانسحاب من بلادنا. ويؤيد ذلك ما قاله الكاتب “بيار حاسكي” في مجلة (لوبس) أن ترامب يريد أن يسحب 14 ألف جندي أمريكي من أفغانستان، ولذا استمرت مفاوضات مثيرة للجدل منذ تسعة شهور بين الولايات المتحدة وحركة طالبان من دون ممثلين عن حكومة كابول، وهو ما أثار التخوف من قبل المراقبين من إعادة سيناريو فيتنام، من خلال اتفاق “سلام” يسمح بمغادرة الأمريكيين من البلاد على حساب التضحية بحلفائهم.

أجل بعد الانسحاب الأمريكي يبقى العملاء وحلفاء امريكا على حلبة المصارعة وحدهم، فإذا وصل لهم المال من أسيادهم سيكونون سعداء لفترة من الزمن، وإذا انقطع فسينقطع لهم الوتين، فنقول لهم: أليس لكم عبرة في من سبقكم من الشيوعيين إبان الاحتلال السوفياتي؟ إذن فلتراجعوا حساباتكم، ولتأخذوا عبراَ من تاريخنا المجيد وتاريخ هذه الأرض وشعبها المقدام والمحب للحرية والاستقلال والذي ما فتئ يقدم الغالي والنفيس من أجل استرداد أرضه وحماية دينه وعزته طوال دهره النضالي التليد. كما ننصحهم أن لا يرتكبوا أكثر مما ارتكبوا من القتل والدمار لئلا يندموا عليه فيما بعد، فالغزاة رحلوا ويرتحلون، ونصر الله آت إن شاء الله، وليعلم حلفاء الغزاة أن الكفار يقفون مع الحلفاء والعملاء إلى حين انتهاء المصلحة التي يرونها فيهم، وسوف يأتي يوم ينقلب فيه الاسياد عليهم، ولات ساعة مندم فيكون مصير اشرف غني احمد زاي مثل نجيب الله احمد زاي مشنوقا على عمود الانارة في العاصمة كابل، وما أشبه الليلة بالبارحة!

وانتظروا إنا منتظرون.

صدق الله العظيم.