Haqani

حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (17)

أ.مصطفى حامد (أبو الوليد المصري)

 

حقاني يقول في مواجهة مؤامرة دولية لفرض تسوية ظالمة على شعب أفغانستان:

{إن أفضل طريقة لإفشال التسوية السياسية هي تصعيد عملياتنا ضد القوات السوفيتية والحكومية. فالسوفييت يشترطون على باكستان أن تتوقف جميع العمليات العسكرية في أفغانستان أثناء فترة انسحاب القوات الروسية. وليس في مقدور أحد أن يوقف جهادنا حتي تتحقق الشروط الإسلامية في حكم أفغانستان.التسوية المطروحة ليست مقبولة لدينا. وبقاء الشيوعيين على كراسي الحكم بعد انسحاب الجيش الأحمر مستحيل. فالشعب الأفغاني سيقتلهمم فردًا فردًا، والجيش الأفغاني سينضم للمجاهدين لأن السوفييت هم الذين يكرهونه على قتالنا. وجهادنا مستمر حتى لو أغلقت الحدود، فاعتمادنا أولًا وأخيرًا على الله. ولعلنا في المرحلة القادمة نتخلص مما علق بحركة الجهاد من شوائب في المرحلة السابقة}.

 

حقاني العقبة الرئيسية أمام التسوية الدولية، والعدو الأول لنظام كابل ورئيس الدولة الجديد.

فيما يلي رؤيتي للموقف السياسي آنذاك (في يونيو 1986 بعد انتهاء الحملة الثانية على جاور وتنحية بابرك كارمل عن رئاسة الدولة في كابل وتعيين نجيب الله رئيسًا جديدًا بدلًا عنه)، كما جاءت في مقال نشرفي صحيفة الاتحادالإماراتية تحت عنوان (دولة للجواسيس).. ونبدأ بملاحظات مسبقة حول ذلك المقال:

1 ـ كان من المفروض أن تكون معركة جاور الثانية، محورًا لمرحلة جديدة في القضية الأفغانية، لحلها سياسيًا باتفاق بين السوفييت والولايات المتحدة. بما يضمن مصالحهما معًا في أفغانستان، والتي تلتقي في نقطة رئيسية واحدة هي استبعاد المجاهدين (الحقيقيين) من الوصول إلى حكم ذلك البلد.

2 ـ كان من المفروض أن تبقى القوات السوفيتية والحكومية في قاعدة جاور/على أقل تقدير/ إلى حين انتهاء جولة المفاوضات بين حكومتي باكستان وأفغانستان والمقررة فى 5 /5/1986 حتى تكون ورقة ضاغطة لتمرير المطالب السوفيتية من موضع قوة.

ولكن معركة جاور أخذت مسارًا مختلفا. لقد تصور السوفييت أنها ستكون ضربة خاطفة بقوة أرضية وجوية لا قِبَلْ لا أحد بها (من 30 إلى 50ألف جندي، مع غطاء جوي يضم أحدث الطائرات السوفيتية).

لكن حقاني قاد المعركة ضدهم بحيث استغرقت 21 يومًا ولم تتمكن قوات الجيش الأحمر من البقاء أكثر من (8ـ 18 ساعة) ثم غادروها مسرعين تاركين مهمات كثيرة خلفهم وكأنهم كانوا متلهفين على الفرار. ولولا أصابة حقاني بضربة نابالم لانتهت الحملة السوفيتية بعبارة (لم ينج أحد) فقد كان سهلا عليه حصارهم وإبادتهم في جاور.

 

3 ـ نظام كابول كان في حاجة إلى بقاء جاور تحت الاحتلال إلى حين الاحتفالات بعيد الانقلاب الشيوعي في 27 أبريل ولكن القوات المهاجمة فرت في 20 أبريل فضاعت فرصة دعائية كان النظام الشيوعي في أشد الحاجة إليها.

 

4 ـ القيادة السوفيتية كانت في حاجة إلى مدة احتلال أطول لقاعدة جاور إلى حين الفراغ من مشاورات داخلية في الحزب الشيوعي لاتخاذ قرار نهائي بانسحاب (مُشَرِّف) من أفغانستان.

5 ـ نجاح حقاني في إفشال المخطط السوفيتي في جاور، جعل الحلّ السياسي الدولي مهدّدًا بالفشل التام، إلا إذا استطاعت القوّتين الدوليتين من القيام بحملة أخرى ضد حقاني وفتح الطريق البري إلى خوست لتوفير غطاء أدبي للقيادة السوفيتية، وللحفاظ شكليا على كرامة الجيش الأحمر المنهزم والذي أهين بشدة في قاعدة جاور ومدينة خوست. فكانت هي المدينة الوحيدة التي لم يتمكن الجيش الأحمر من الدخول إليها عن طريق البر. لهذا فإن المعركة القادمة كان عنوانها (طريق زدران) الواصل بين جرديز (عاصمة باكتيا) وبين خوست التي يحاصرها حقاني، بحيث أن الجيش الأحمر بكل جبروته فشل في الوصول إليها لعدة سنوات.

 

6 ـ معركة جاور الثانية (1986) كانت أكبر معركة فعلية يخوضها الجيش الأحمر حتى انسحابه من أفغانستان. لأن معركة (طريق زدران)التالية، وسوف نمر عليها لاحقا، كانت مؤامرة دولية لحفظ ماء وجه السوفييت وتمكنيهم من الانسحاب (بكرامة).

 

7 ـ استعد السوفييت لمرحلة انسحابهم من أفغانستان والمرحلة التالية، باختيار رئيس جديد للدولة هو نجيب الله رئيس جهاز الاستخبارات(خاد) الذي هو الفرع الأفغاني للمخابرات السوفيتية (كي جي بي) أي أنهم سيتركون أفغانستان رهينة لتواجد استخباري سوفيتي، يمثل احتلالا غير مرئي ولكنه قاسٍ وفعال.

وهذا ما ينادي به حاليا الرئيس الأمريكي(ترامب) الذي قال بأنه سينسحب من أفغانستان تاركاً خلفه تواجدا قويا للمخابرات الأمريكية CIA. إنها نفس الخطة السوفيتية مع تعديلات تتوافق مع ظروف مستجدة ومع طبيعة استئصاليه خبيثة للإحتلال الأمريكي.

اصطلاح تواجد استخبارى لا يعني فقط شبكات تجسس، بل يشمل أيضا تشكيلات مسلحة تتبع الاستخبارات بشكل رسمي، مع تشكيلات أخرى غير رسمية تمارس الأعمال الأشد وحشية ضد المدنيين بدون أن تتحمل الاستخبارات أو الحكومة تبعات تلك الأعمال. وهذا هو المعمول به حاليا في أفغانستان.

8 ـ أصيب المجاهدون بضربة معنوية بدخول القوات الشيوعية إلى(جاور) التي هي بالنسبة لهم أكبر من مجرد قاعدة عسكرية وإدارية، بل هي رمز اعتزاز وقوة. وقد استشهد في المعركة ما يقارب 130 شهيدًا وعدة مئات من الجرحى والمعوقين (و ذلك أكبر قليلا من خسائر المجاهدين عند فتح مدينة خوست في عام 1991، الذي هو الإنجاز العسكري الأكبر في حرب أفغانستان ضد الشيوعية).

– في الأيام الأخيرة من شهر إبريل 1986 وقع حادث انفجار مفاعل شيرنوبل النووي في أوكرانيا ـ الاتحاد السوفيتي ـ فاعتبرها الأفغان انتقامًا إلهيًا من المعتدين السوفييت. فبدأوا مع حقاني في التجهيز النشط لمرحلة القتال التالية والتي توقعها حقاني في جبال ستي كندوـ عند بداية الطريق البري إلى خوست والقادم من كابول. وهي معركة طريق زدران التي وقعت بعد حوالي عام ونصف في شتاء(1987 ـ 1988) وكانت موضوع لكتاب أسميته (خيانة على الطريق). وهي الخيانة التي تعرض لها حقاني ورجاله.

 

9 ـ في جولة مفاوضات جنيف(5/5/1986) شروط التسوية المعروضة للبحث رفع منها مطلبًا كان يدعوه بأن تكون أفغانستان بعد التحرير ” دولة إسلامية محايدة“. ووضع بدلا عنه بنداً آخر يقول (توفير ضمانات دولية لتنفيذ اتفاقية التسوية فى أفغانستان).

ويتطابق ذلك مع ما يطالب به الاحتلال الأمريكي حاليا من استبعاد نظام الإمارة الإسلامية بدعوى أنه غير مقبول دوليا. ويترافق ذلك مع مطلب بتشكيل حكومة مشتركة بين حركة طالبان (بعد فك ارتباطها بالإمارة الإسلامية) وبين نظام كابول العميل.

وهكذا تتوارث إمبراطوريات الاحتلال عدائها للإسلام في أفغانستان، والعمل على استبعاده من الحكم بل ومن الحياة والثقافية الشعبية الأفغانية.

وذلك هو الجوهر “الحضارى” للصراع الدائر في أفغانستان بين الإسلام والحضارة الهمجية للغرب المتوحش.

 

 

 

دوله للجواسيس

(1968) أفغانستان تحت النظام الجديد ـ دولة يمتلكها جهاز استخبارات

 

* دكتور نجيب الرجل الأقوى في أفغانستان ورئيس جهاز الإستخبارات (خاد) يصبح رئيساً للدولة.

* ركاكة التنظيمات الشيوعية في أفغانستان يجعل الإنسحاب السوفيتي مغامرة غير مضمونة. * التسوية السياسية مبادرة من باكستان أم صفقة دولية؟.

* المنظمات الأفغانية في حالة ترقب والمجاهدون لن يوقفوا القتال.

 

(رسالة أفغانسان ــ مصطفى حامد ــ في 10/5/ 1986)

 

أزاح السوفييت (بابراك كارمل) عن رئاسة الجمهورية في أفغانستان لإفساح الطريق للتسوية السياسية, وفتح صفحة جديدة لنظام شيوعي جديد في كابول ولكن بتنقيحات أكثر.

فبابراك كارمل لم يكن مقبولاً داخل أو خارج أفغانستان بصفته الحاكم الذي جاء محمولاً فوق الدبابات السوفيتية في الإنقلاب, أو الغزو الذي حدث في السابع والعشرين من ديسمبر 1979 والذي قتل فيه حفيظ الله أمين الذي كان يسعى إلى خط ماركسى مستقل عن موسكو.

 

كما أن تغيير كارمل قبل أيام من إنعقاد دورة المحادثات السابعة في جنيف بين ممثلي دولتي أفغانستان وباكستان قد زاد من إمكانية تحويل هذه المباحثات إلى مباحثات مباشرة، وسهل عملية إعتراف باكستان بالنظام القائم في كابول. ويبقى تسهيل آخر لا بد أن تقوم به موسكو وهو تقديم جدول زمني للإنسحاب يكون مقبولاً من حكومة إسلام آباد التي تطالب بفترة انسحاب مقدارها ستة أشهر بينما تطالب موسكو بفترة قد تمتد إلى عامين.

 

ولا يبدو من الصعب التوصل إلى حل وسط بهذا الخصوص. ولا شك أن اعتراف باكستان بالحكم الشيوعي في كابول سوف يفتح صفحة جديدة في القضية الأفغانية لن تكون بأي حال أقل تعقيداً من المرحلة الماضية.

 

رئيس الجواسيس :

في كابول تربع الدكتور نجيب على كرسي الرئاسة كونه سكرتيراً لحزب (بارشام), إلى جانب رئاسته لجهاز الاستخبارات الأفغانية (خاد) وهذا هو الجانب الأهم. فالدكتور نجيب الذي ولد في محافظة باكتيا عام 1947 وتخرج من كلية الطب بجامعة كابول إنخرط في تيار الحركة الشيوعية في أفغانستان. وبعد إنقسام الحزب الشيوعي المسمى الشعب الديموقراطي إلى جناحيه (خلق) و(بارشام) كان الدكتورنجيب في جناح (بارشام) الذي يترأسه (كارمل) ولكن الروس ضغطوا على (نور محمد طراقي) رئيس حزب خلق ورئيس أفغانستان بعد الإنقلاب الشيوعي في إبريل 1978 وأرغموه على قبول دكتور نجيب في الحكومة وفي اللجنة المركزية للحزب. ولكنه اتهم فيما بعد بخيانة الحزب وأطلقت عليه النار فأصيب بجروح وغادر أفغانستان حتى الغزو السوفيتي الذي عين (كارمل) وحزب بارشام متسلطين على الحكم في البلاد. وتولى دكتور نجيب تشكيل جهاز المخابرات الأفغاني (خاد) عام 1981 ونجح في مهمته نجاحاً ملمواساً نتيجة لتعاونه التام مع جهاز الإستخبارات السوفيتي (كي جي بي)حتى عرف نجيب بأنه الرجل الأول للإستخبارات السوفيتية في أفغانستان، وبالتالي أصبح نجيب الرجل الأقوى في الدولة حتى في ظل حكم كارمل. وفي إمكان نجيب تدمير أي شخصية في الدولة من حيث أنه يمتلك مفاتيح الأسرار الخاصة لجميع المسئولين. والتي يمكن إستخدامها في الوقت المناسب لحرق أوراق أياً منهم. ومن المعروف في كابول منذ تولى نجيب إنشاء( خاد) وإدارتها أنه ليس في وسع مسئول حكومي كبير الإستمرار في منصبه بدون تقديم الرشاوي لرجال الاستخبارات السوفيتية وللدكتور نجيب، رجلهم الأول في أفغانستان.

 

دولــة خـــاد:

وفي تعيين نجيب رئيس جهاز الإستخبارات خاد، رئيساً للدولة إشارة كافية إلى الأهمية التي يعلقها السوفييت على هذا الجهاز في مستقبل أفغانستان.فالدور الأول لإخضاع البلاد للنظام الماركسي سيكون منوطاً بجهاز الإستخبارات وليس القوات المسلحة، التي سيكون دورها في المستقبل وكما هو الآن حالياً، يتمثل في تأمين الحدود مع باكستان وإيران.

أما العمليات العسكرية ضد جيوب المقاومة فستكون بإرشاد وإدارة خاد ستقوم بالتمهيد لهذه العمليات بواسطة عمليات للتجسس وإختراق منظمات المجاهدين وشراء الأعوان والجواسيس والتعامل مع قبائل الباتان والبلوش على الجانب الباكستاني والعمل على شرائهم لصالح مخططات موسكو. لا شك أن النظام الأفغاني القادم سيعتمد أساساً على هذا الجهاز. ومن المرجح أن يعمل بالنيابة عن الجهاز الأم (كي جي بي) في دول الشرق الأوسط والدول الإسلامية الأخرى. وتولية نجيب رئيس جهاز الإستخبارات رئيساً للدولة يعني ببساطة أن أفغانستان ستصبح دولة يمتلكها جهاز مخابرات، وليست دولة تمتلك جهازاً للمخابرات. وهذا يقترب كثيراً من الصورة في المعسكر الشرقي بوجه عام.

 

صراع الرفاق:

ولكن هل يعني تولية رجل قوي مثل نجيب زمام السلطة في كابول نهاية للصراع الداخلي بين (بارشام) وخلق؟. من المشكوك كثيراً أن يحدث ذلك. فالتقارير الواردة من كابول تفيد بأن مواجهات مسلحة قد حدثت بين الفريقين.وقد تتسع هذه المصادمات بعد إنسحاب الجيش الأحمر الذى يمسك بيده الموازين. بل أن المعارك العنيفة التي حدثت في خوست (جاور) مؤخراً فى شهر أبريل الماضي شهدت صداماً مسلحاً بين وحدات عسكرية موزعة الولاء بين ضباط خلق وضباط بارشام.ولا شك أن توسيع رقعة الصدام بين الأجنحة الماركسية سيهدد النظام بأسره خاصة وأن الحرب الأهلية في أفغانستان لن تتوقف بالتسوية، فقطاعات قوية ومؤثرة من الشعب مصرة على إستمرار الجهاد ضد الحكم الشيوعي وإستبداله بحكم إسلامي مهما كان الثمن.

كما أن حزب بارشام الحاكم مقسم إلى ثلاث مجموعات يرأس إحداها رئيس الوزراء سلطان علي كشمند، وكان من المرشحين لتولي منصب الرئاسة بعد تنحية كارمل. وحزب خلق الذي يعتبر أكثر شعبية من البارشام يعاني هو الآخر من عدة إنقسامات داخلية. وهكذا تصبح الكتلة الشيوعية في البلاد في حالة من الركاكة بحيث قد تدفع السوفييت إما إلى إلغاء برنامج التسوية السلمية من أساسه أو المغامرة بالإنسحاب على أمل أن يتمكن نجيب من السيطرة علي الوضع. على أمل آخر هو أن ينهار وضع المجاهدين بسرعة بعد تخلي باكستان عنهم وكذلك دول الخليج وباقي الأصدقاء.

 

خيوط نجيب: 

الرهان على (نجيب) له ما يبرره من جانب السوفييت فخيوط القوه التي يمسكها بيده، بالإستعانة بجهازه لا تدانيها قوة أخرى حزبية أو عسكرية. وجميعها خيوط مؤثرة في ظروف أفغانستان الحالية. * فقد عمل نجيب فترة من الزمن في وزارة شئون القبائل وخلالها أقام علاقات جيدة مع كثيرمن الرؤوس القبلية وتجمعت لديه دراية كافية عن شئون القبائل الأفغانية، وهي القوة الرئيسية المعارضه للنظام الماركسي والمؤيدة للمجاهدين.

* كما أن نجيب على علاقة جيدة مع عدد من القبائل على الجانب الباكستاني وضمن ولاءها له، كما تربطه علاقة قوية بالحزب (القومي الديموقراطي الباكستاني) النشط في مناطق الحدود والذي يرأسه (خان عبد الوالي خان) وهو حزب ذو علاقات تاريخية بموسكو ونيودلهي وكابول.

* إستطاع نجيب خلال رئاسته (لخاد) من إختراق تنظيمات المقاومة الأفغانية في بشاور, بدرجات مختلفة، ولكن إلى درجة تسمح له بممارسة دور ملموس داخل بعض من هذه المنظمات. ومع هذا فإن حالة الضياع السياسي التي تعيشه هذه المنظمات لا يتحمل دكتور نجيب وجهازه السري غير جانب صغير منه أما المسئولية الكبرى فيتحملها أصدقاء المقاومة الأفغانية وتدخلاتهم العميقة في شئون هذه المنظمات.

 

صفقة أم مبادرة؟

تقول إحدى النظريات التي تفسر عملية التسوية السياسية في أفغانستان. أن تلك التسوية هي من ضمن صفقة كونية بين السادة العظام. وأن موافقة السوفييت على إطلاق يد أمريكا في دول الشرق الأوسط مما يلي الحدود السوفيتية وحتى شواطيء الأطلنطي قد قوبل بموافقة أمريكية على جعل أفغانستان دولة شيوعية خاضعة لموسكو والسماح للجيش الأحمربالخروج من ورطته هناك. والنظرية الأخرى تقول بأن المبادرة كلها إتخذتها الحكومة الباكستانية منفردة وعلى غيرموافقة أمريكا نتيجة لرؤية خاصة ترى أن مصالحها القومية تتحقق من خلال هذه التسوية. وأن المرحلة التي إستفادت منها باكستان من هذه الحرب قد إنتهت وأصبح إستمرارهذه الحرب وتواجد الجيش الأحمر في أفغانستان يشكل مخاطر صرفة على باكستان. وأن زمن الإستفادة قد ولى وحان وقت المغرم. أصحاب الرأي الأخير يعززونه بالقول بأن التوازنات السياسية داخلياً أملت على الحكومة الحالية في باكستان هذا الموقف. وأنها بذلك قد إنتزعت بمهارة آخر سهم في جعبة أحزاب المعارضة. فالسهم الأول كان الأحكام العرفية التي كانت المعارضة تتجمع حول شعارمقاومتها. فأقامت لذلك تحالفاً فيما بينها أسمته (حركة استعادة الديموقراطية) ولكن بعد رفع الأحكام العرفية وعودة الأحزاب لم يعد هناك مجالاً لعمل هذه الحركة. وكان آخر سهم لتجمع هذه الأحزاب الذي يقودها حزب الشعب اليساري هو القضية الأفغايية والمناداة بحلها سلمياً حتى لا تتعرض باكستان لخطر البطش السوفيتي وتدخلات المهاجرين الأفغان في السياسة الباكستانية. الآن وبعد التسوية لم يعد أمام المعارضة أي قضية جوهرية للحديث عنها,حيث أن القضايا الأساسية المتبقية لا يكاد تظهر فيها فروقاً بين وجهات نظر الحكومة والمعارضة وهذه القضايا مثل الصداقة للولايات المتحدة وإستمرار توازنات القوى الإقتصادية والإجتماعية في الداخل بدون تغير إلى جانب الإعتراف بالدور الأبوي للمؤسسة العسكرية.

 

تشاؤم وتفاؤل:

المعارضون في باكستان لمبدأ التسوية لديهم تخوفات قوية لها ما يبررها منها أن السوفييت يمارسون نفس التكتيك القيصري القديم في إبتلاع المناطق الإسلامية وذلك بحصارها وقطع خيوطها عما خلفها من ممالك إسلامية عن طريق إرهاب هذه الممالك وتخويفها حتى توقع مع الروس معاهدة تعترف بالأمر الواقع وتنشد السلامة والصداقة مع الروس.

ولكن هذه المعاهدات وفي كل مرة تنتهي حالما يفرغ الروس من هضم الجزء الإسلامي الذي إبتلعوه ثم يهاجمون الذي يليه ويحتلونه وهكذا…هؤلاء المتشائمون يرون أن هدف الروس من إبتلاع الأراضي الإسلامية هو توسيع الرقعة والإستيلاء على المواد الخام والقوة البشرية ولكن الهدف النهائي والأهم هو الوصول بأطراف الإمبراطورية إلى المياه الدافئة.

 

يقول هؤلاء أيضا:

أنه لم يتبق في هذا المخطط بعد أفغانستان إلا ضربة واحدة في باكستان وبعدها يطل الروس على المحيط الهندي من بلوشستان. يقول هؤلاء : إن الضربة التالية والأخيرة ستكون علينا وأن توقيع معاهدة التسوية في جنيف

إنما هو توقيع صك على نهاية باكستان وتسليمها إلى الروس. وهم يرون أن اليسار الباكستاني سيكمل المهمة ويمهد لدخول الروس كما فعل اليسار الأفغاني قبلاً وكان المخلب الذي أسال دماء الأفغان لصالح الروس. وأن الشيوعيين سيقومون بدور حصان طرواده للجيوش الروسية في طريقها إلى المياه الدافئة. وقال أحدهم بيأس معلقا على مفاوضات جنيف أنها فى أحسن صورها كامب ديفد أخرى ولكن في جنيف. أما المتفائلون فيدافعون عن قبول الحكومة الباكستانية للتسوية السلمية قائلين بأن الشيوعيين الأفغان ليس لديهم القدرة على الصمود في وجه الشعب الأفغاني المسلم الذي لن يقبل بهم.

وهم لن يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم بدون حماية الجيش الأحمر حتى أن الجيش الأفغاني رصيداً للجهاد وسوف ينضم بأفراده ومعداته للمجاهدين وهذا سيعوض لهم إمدادات السلاح التي ستقطع عنهم بإغلاق الحدود الباكستانية.

 

إسلامية محايدة:

بدأ الحديث عن تسوية سياسية في أفغانستان يأخذ طابعاً جدياً عام 1983 ومنذ ذلك الوقت طرحت الحكومة الباكستانية أربعة شروط لهذه التسوية وهي :

1- إنسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان.

2- عودة المهاجرين الأفغان إلى ديارهم.

3- عودة أفغانستان دولة محايدة إسلامية.

4- وقف التدخلات الخارجية في شئون أفغانستان الداخلية.

ولكن منذ بداية الأزمة وحتى تولي جورباتشيف زمام السلطة في الكرملين لم يبدي السوفييت أي تهاون فيما يتعلق بإلغاء البند الثالث. فقد أصروا على أن تكون أفغانستان خاضعة لحكم شيوعي موالي لموسكو. فهذا الموضوع غير خاضع للتفاوض بأي شكل. وما سوى ذلك يمكن التفاهم حوله. وفي قائمة شروط التسوية التي طرحت على مؤتمر جنيف الأخير حول أفغانستان لم يعد لهذا البند وجود واستبدل بشرط آخر يقول بتوفير ضمانات دولية لتنفيذ إتفاقية التسوية في أفغانستان الإتفاق على تسوية سلمية بدون ضمان نظام الحكم القادم بأنه (محايد وإسلامي) يعتبر تخلياَ تاماً عن المقاومة الأفغانية والشعارات الإسلامية التي طرحتها. أو كما قال أحد المجاهديين :

إنهم قد باعونا في جنيف. فالشعب الأفغاني لم يقدم مليوني شهيد وخمسة ملايين مهاجر في جهاده ضد السوفييت والنظام الذي أقاموه في كابول لكي يقبل بعد سبعة سنوات من القتال بنفس النظام الذي رفع في وجهه السلاح منذ البداية.

 

 

 عودة للبداية:

ليس هناك أدنى شك في أن الشعب الأفغاني يرفض تسوية من هذا النوع. وإجماع المجاهدين داخل أفغانستان هو إستمرار القتال ضد الشيوعية المحلية المتملثة في حزبي خلق وبارشام. يقول أحد قادة المجاهدين في الداخل: (إن إغلاق الحدود مع باكستان سيخلق لنا مشاكل جمة. وعلى أي حال نحن لا يمكننا القبول بهذه التسوية وسنعود إلى القتال بواسائلنا الأولى بدون الإعتماد على أحد). ويتخوف قادة المجاهدين في الداخل من عودة المهاجرين في ظل حكومة ماركسية في كابول لأن هؤلاء الناس تحت ضغط الحاجة سيعتمدون على الحكومة ويخضعون لسلطانها. وأن حكومة كابول سوف تجند هؤلاء العائدين في صفوف الجيش الذي ستستخدمه في التنكيل بالمسلمين. كما أنها ستأخذ منهم أبناءهم وترسلهم إلى روسيا لكي يتحولوا إلى الشيوعية هناك ويعودون إلى أفغانستان خداماً لموسكو وحرباً على شعبهم. وهذه هي السياسة التي إتبعها

الروس أيضاً في المناطق الإسلامية المحتلة في آسيا الوسطى.

 

 

السمان والعجاف:

ومهما يكن فإن إختلاف زعماء المنظمات الأفغانية المتمركزة في بشاور وعدم أتفاقهم حتى على الحد الأدنى من البرامج المشتركة قد أضاع على الجهاد الأفغاني فرصة تحقيق تفوق وسيطرة داخل أفغانستان بحيث يتمكن المجاهدون من بسط نفوذهم على البلاد، أو حتى إستئناف مقاومة منظمة ضد النظام الشيوعي الجديد. لقد إنقضت سبع سنوات على بداية المقاومة الأفغانية وحتى الآن،كانت بحق سبع سنوات سمان من حيث الإمكانات المادية الكبيرة التي توفرت لدى المنظمات. ولكنها جميعاً تبخرت بدون ترسيخ جذورمقاومة منظمة في الداخل وعلى إتساع البلاد.. وبعد التسوية تبدأ السنوات العجاف بالنسبة للمقاومة الأفغانية بدون أن تجد رصيداً يعتد به من السنوات السمان. فلا يمكن للمنظمات الأفغانية مجتمعة أو منفردة الإدعاء بأنها قد إستعدت للمرحلة القادمة أو حتى أنها تمتلك تصوراً لما يمكن أن تكون عليه المقاومة. وتكتفي المنظمات في بشاور بإعلان الإحتجاج اللفظي على التسوية الجارية في جنيف بينما دلائل العجز لا تخفى على العيان. ولا شك أن المواقف الفعلية لهذه المنظمات ستنجلي بعد إتضاح مصير مفاوضات جنيف فمازال يحدو الجميع أمل بأن يحدث شئ ما وتفشل هذه المفاوضات. بلا شك أن ذلك سيرضي عامة الشعب الأفغاني والمجاهدين، ولكن بعض المنظمات الأفغانية في بشاور على إستعداد للقبول بالتسوية عند ضمان نجاحها بل إن البعض لديه الإستعداد للمشاركة فيها إذا وجهت إليه الدعوة بطريقة مناسبة.

 

 

تصعيد العمليات:

يقول جلال الدين حقاني: الذي مازال يعاني من حروق أصيب بها في معارك خوست الأخيرة:

(إن أفضل طريقة لإفشال التسوية السياسية هي تصعيد عملياتنا ضد القوات السوفيتية والحكومية.فالسوفييت يشترطون على باكستان أن تتوقف جميع العمليات العسكرية في أفغانستان أثناء فترة إنسحاب القوات الروسية. وليس في مقدور أحد أن يوقف جهادنا حتي تتحقق الشروط الإسلامية في حكم أفغانستان.التسوية المطروحة ليست مقبولة لدينا. وبقاء الشيوعيين على كراسي الحكم بعد إنسحاب الجيش الأحمر مستحيل. فالشعب الأفغاني سيقتلهمم فرداً فرداً والجيش الأفغاني سينضم للمجاهدين لأن السوفييت هم الذين يكرهونه على قتالنا. وجهادنا مستمر حتى لو أغلقت الحدود فإعتمادنا أولاً وأخيراً على الله. ولعلنا في المرحلة القادمة نتخلص مما علق بحركة الجهاد من شوائب في المرحلة السابقة).

 

ليست المنظمات الأفغانية في بشاور وحدها في حالة ترقب لما يحدث في أفغانستان. بل إن الشعوب الإسلامية بأسرها تنظر وتترقب موقف هذا الشعب المسلم في أفغانستان، الذي على خلاف ما عداه- لم يخضع لبطش الإحتلال أو تخديرات التسويات السياسية.