ذكريات وانطباعات عن أبطال (فراه) – [الحلقة السابعة]

صارم محمود

 

ليس في قاموس حياة المجاهد شيء يعني “الفشل” و”الهزيمة”، بل ولا تليق به كلمات تنبئ عن الخور، والضعف، والسآمة؛ لأنه مجاهد، والمجاهد حياته كلها جِدّ وسعي، بذل وعطاء، تضحية وتفاني، فإنه إن سقط من مكان سرعان ما يحاول أن يقوم من مكان آخر، وإن أخفقت جهوده مرة لا يبرح يحاول النهوض ليردّ الصاع بالصيعان، وإن تخربت جبهة من جبهات كفاحه يسعى جاهدًا ليبني جبهة أخرى ليستأنف منها كفاحه. وهذه حال كل مجاهد انتهج الجهاد سبيلا، هذا لأن الجهاد صلاة لا قعود فيها وكلها قيام، وقيام لا سكون فيه وكله حركة، وهجوم، وإقدام، إقدام لا قهقراء فيه، كله إيمان وحماسة وهيام، فهل رأيتم مجاهدا ترك الجهاد ليلزم البيت لهزيمة منيت به؟ أو فشل لحقه؟ أو سآمة اعترته؟ أومدلهمة تعرضت لطريقه؟ كلا وحاشا بل هذه الطوارئ تؤجج نار عزمه، وتحدد نصل سيفه، وتزيده حماسة، وغيرة، وسعيا، فهذه طبيعة الجهاد، وهذا ديدن المجاهد!
فإن قعد المجاهد، وانْهار لطارقة من هذه الطوارق، وامتنع عن القيام، ورضي بأن يقعد مع القاعدين فهو ليس مجاهدا بل هو قاعد، وخالف! لكن المجاهد الموتور الذي أخذ منه العدوّ قراره بقتل أبيه أو أخيه، أو زوجته وبنيه، وداهم على بني جلدته، وأبناء قريته دارهم وهتك أعراضهم، وأعراضهن وداس كرامتهم وكرامتهنّ؛ فلا يقر له قرار، ولايهدأ له بالٌ بل هو في دوامة السعي، يوصل ليله بنهاره، لا هو يعرف ليلا ولا هو يعرف نهارا، ولا هو يعرف مللا ولا هو يعرف كللا، حتى يردّ كيد العدوّ في نحره، أو يذوق ما ذاقه إخوته الشهداء قبله.

وهكذا شهيدنا البطل “زيد” بعدما انهدمت جبهة كفاحه في المدينة، واكتشفت نشاطاته الجهادية فيها، طفق يبني جبهة أخرى ليبدأ مرحلة جديدة من جهاده، فإن كان قبل ذلك يجاهد مختفيا متسترا فحاليا يجاهد علنا، وإن كان سابقا ذاق مذاق الحروب العصابية، وفقه عجرها وبجرها، الآن انتدب ليذوق عسيلة الحروب “العامة” و”التعرضية”.

“زيد” كان رجلا ذا طموح جدّا، ولم يكن يقنع بما دون النجوم فمن ثم لم يبق مع المجاهدين في بشترود كثيرا بل ذهب ليتعلم ما يعوزه من المهارات الحربية، والفنون القتالية، وليتدرب الأسلحة الثقيلة والخفيفة، ويدرس البارود والمتفجرات وماهو المهم في هذا الباب لأنه يعلم علم اليقين إنه من وقف حياته للجهاد ليكون خادما مخلصا في هذا الدرب لابدّ أن يتعلّم طريق الخدمة، واستخدام الآلات والأدوات التي يمكنه الخدمة بها، وبالتالي لامناص من أن يتعلم استخدام الأسلحة الثقيلة والخفيفة، وزرع أنواع اللغم وصنعة صيغها المختلفة ولقد سمعت منه عندما كان يحرّضنا لمزيد السعي في التعلم قائلا: فأنا كنت أعلم ليس لدي علم خاص لأخدم به الجهاد، فعزمت أن لا أتوانى في تعلم المهارات الحربية والتزود بها لأنها فنون قد لاتحتاج إلى علم خاص فذهبت إلى “بهرامشة” لأتعلم هذه المهارات هناك، فمكثت مدة طويلة في “بهرامشة” ولم تبق دورة تدريبية إلا واشتركت فيها، وكان هناك أساتذة مهرة في غرفهم الخاصة ولم يكونوا يدربون الأسلحة الخاصة كدرانكوف، والقناصة، ودوميل وغيرها إلا في دورات خاصة، ولأشخاص خاصة ولمّا رأى المولوي “عارف” طلبي وإلحاحي، وجهودي المتواصلة، وذكائي في هذا الباب أمر الأساتذة ليدربوني هذه الأسلحة خاصة، فكنت أتردد إلى غرفة وأخرى وأتعلم ما ينقصني من فكّ هذه الأسلحة وحلّها وطريق استخدامها حتى كان بقائي قد يستغرق أحيانا إلى سنة وسنتين وهكذا كنت أتعلم وأتدرب إلى أن أطفأت شيئا من أواري العلمي، وتزودت بفنون حربية عديدة غير أني واجهت في تعلم المتفجرات والبارود واستعمال الخريطة “للقذيفة” وسلاح “هاون” بمشاكل عديدة لأجل لغة بعض الكتب والإرشادات، والصيغ التي كانت باللغة الإنجليزية فعزمت أن أتعلم الإنجليزية ليكون تعلمها جعلَ النقَطِ على الأحرف، فذهبت إلى باكستان وأقمت هنا مدة لابأس بها وتعلمت شيئا غير يسير من الإنجليزية، ثم عدت إلى بهرامشة لأستأنف تعلم المتفجرات والقذائف فمكثت مدة في غرفة المتفجرات فتعلمت المتفجرات والقذائف بكل سهولة، وعدت إلى بيتي، وخصصت في البيت غرفة خاصة لتماريني وتدريباتي وكنت أصنع وأكتب صيغ مختلفة من البارود وأطالع كتبا حوله وبعد العصر كنت أخرج من البيت إلى فضاء خالٍ في القرية لأتدرب الرياضات البدنية حتى شاع آنذاك بين أهل قريتي إن “زيد” ظلّ مجنونا بعد عودته من بهرامشة وباكستان وهكذا قضيت سنوات في التعليم والتدريب والإعداد عملا بقوله تعالى ” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم”.

واستأنف الشهيد “زيد” جهاده في “فراه” بعد ما تزود بالفنون الحربية، والحنكة في خوض المعامع، وكامل الإعداد والتحفز ليخط أروع البطولات والقصص في سفر العز والبطولات، وليذيق أعداء الشريعة الذين لايألون في قتل الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال إلّا ولاذمة العلقمَ والصبر.

وانتقل “زيد” في مدة لاتنتسب إلى الطول من مجاهد عادي إلى رمز من الرموز الجهادية في محافظة “فراه” “زيد” بفضل جهوده المتواصلة، وعلوّ كعبه في الفنون الحربية، وحنكته الخاصة في خوض المعمعات، وشجاعته النادرة، وذكائه الألمعي، وإخلاصه وتفانيه، وظلّ أيقونة للجهاد، وتفسيره الحقيقي للذين يريدون أن يتعرفوا على الجهاد والمجاهدين.

ولم يكتفِ “زيد” تقبله الله على خوض الحروب والإثخان في صفوف العدو فحسب بل طفق يعسكر المجاهدين، ويدربهم بكل جدٍّ، وإخلاص، وحرقة مما أوتي من علم في هذا الباب، أتذكر حينما كان يدرّبنا ويدرب الطلبة الجدد الذين التحقوا بصفوف الجهاد ولم يأخذوا حظهم من التدريب العسكري والنظامي قائلا: لاندري والله كم يطول بنا الحياة بين ظهرانيكم، فلتتعلموا ما ينقصكم لأنكم غدا أنتم الذين تخلفوننا في دربنا وإنه مما يؤلمني أن الطلبة لايعيرون التدريب العسكري عناية خاصة وهذا ما يفت غدا في عضدنا، إن المجاهد الذي يريد أن يخدم الجهاد حقا فلابد أن يضاعف سعيه، ويكثر جهده فإن الجهاد لايمكن دون الإعداد وأخذ الأهبة.

وكما أنه كان يشدد على الذين لايهتمون في الجهاد بالجانب الإصلاحي، ولايتفكرون في أهدافه – طبيعي إن هذا الجهاد جهاد شعب لاجهاد فئات وحركات ودعوات وفي جهاد الشعب تجد الهفوات وزلات وتجد كل نوع من البشر- كان يتذرع بإثارة العواطف، والضرب على الوتر الحساس، والعزف على خيوط الغيرة والحماسة، كان يعتقد رحمه الله لدينا صنفان من المجاهدين، مجاهد أخذته إلى ميدان الجهاد عقيدته، آلام أمته وآهات بني جلدته، فإن هذا المجاهد لايألو في سبيل عقيدته جهدا، ولايدخر وسعا بل يحرق جمر نهاره ليوقد شمعة ليله، ومجاهد يدفعه إلى الجهاد “جذبته” أو كما يقول سيد قطب رحمه الله “المجاهد الذي تسوقه إلى ساحات الجهاد رنات الأغاني، فسترجعه إلى البيت أصوات القذائف” فهذا الصنف المجذوب الذين أخذتهم الأناشيد والمشاعر الخالية عن أي هدف إلى ساحات الجهاد فلانأمل فيهم أن يتحملوا مشقات الحرب ولواذع ميادين القتال، بل كان أحيانا يغضب إلى مدى كان ينفجر من الألم والحسرة، أتذكر استشهد مجاهد وهو في سن الورود في حملة عصابية في المدينة وهو كان بكر أبيه، وكان اسمه “وليد” قام بعد صلاة العشاء ليخطب لنا، فألقى كلمات ملؤها الألم، وتؤجج نار الثأر والحماسة قائلا: والله لو عوضوا الدنيا فما فيها ببسمة “وليد” لما عوضته، والله إن لم تكن هذه الدماء الطاهرة لم نكن نعرف مذاق الحرية، والعيش الهنيء بل لم تكن الأمة قاطبة تعرف شيئا من الحرية فالنصرة تأتي بدماء هؤلاء البراعم، وأنه كم يؤسفني وكم يستاءني إذ أرى مجاهدا لايعير التدريب العسكري اهتماما، بل أزداد غضبًا حينما أرى مجاهدا ينظر في هاتفه إلى الأفلام التي لاتفيده في دينه ولا دنياه والله لقد إخال أن هذا يدوس بأقدامه دماء “وليد” بلامبالاته، وعدم اهتمامه”.

وهذه الحماسة، والاعتناء الشديد بالتدريب، والإيمان الغالي في صدره، الكامن ككمون النار في زند جعل تلاميذه، ومن تحت إمرته أسوة وقادة لجميع المجاهدين، فكان تلاميذ “زيد” مختلفين متميزين في كل شيء تميز أميرهم.

“زيد” تقبله الله لم يكن عالما بل لم يدعه الجهاد لينشغل بالعلم فمن صباه إلى ما لقي ربه كان مكبا على الجهاد، بَيد أن الله قد أعطاه من لدنّه علما قد يتأثر به العلماء والطلبة ناهيك عن عامة الناس وأنا بنفسي كنت معجبا بكلماته، وبدرره التي كان يلقيها بعد الصلاة للمجاهدين. ولقد أنشأ عديدا من المجموعات الوآتسابية لنشر مفاهيم الجهاد وكانت هذه المجموعة تغص بأقوامه وذويه ومن كان له معرفة بزيد حتى وكانت بعض المجموعة لاتسع لمزيد من المشاركين فكان ينشأ لها فروعات أخرى وهذه كلها كانت بجنب زحمة مشاغله الجهادية.

لقد التحق عدد لافت من عساكر إدارة كابول العميلة وغيرهم من المليشات وعامة الناس بصفوف الجهاد بفضل ما صنع من بيئة جهادية صافية تؤثر في القريب والبعيد ومنهم البطل الاستشهادي “عمر” الذي له روائع في الأخلاق، والتواضع والشجاعة.

فما كان من الأبطال الانغماسيين الذين لايرضون دون الصفوف الأمامية والمهاجمة، وإيقاد شرارة الحرب بدلا، لم يكن على بدنه قطعة إلا وكان فيها أثر الإصابة والجرح في سبيل الله ففي وجهه كان الجرح مشهودا، وفي يديه كان مشهودا، وأخير أصيب في قدمه وظلّ إلى شهور رهين البيت.

وبعد هذه الخدمات الكبيرة استشهد في حملة جوية بعد ما شمر مع بقية المجاهدين لفتح مركز ولاية فراه بأسرها كما فتحوها قبل ذلك، وضرج بدمائه الطاهرة الأرضَ، وألقى عصى الترحال ليستريح إلى الأبد، فرحمه الله، وتقبل منه، وأسكنه فسيح جناته، وجعل دمائه نورًا ونارًا؛ نورًا يضيء به درب المجاهدين، ونار تلفح بها وجوه العملاء والمحتلين.