رِبعي بن عامر رضي الله عنه (والي طخارستان)

بقلم/ أبوسعيد

 

ربعي بن عامر، الصحابي المثلُ في الشموخ والرِّفعة وإرهاب العدوّ، وهو الصورة المثالية لما درّب عليه الرسول أصحابه من الاعتزاز بالإسلام والتهاون بكل ما هو دون الله. وهو الذي مهّد الطريق لفتح خراسان في معركة القادسية الحاسمة، ثم جال في ربوع بلاد الأفغان، فنثر هنا وهناك من شموخه ورفعته واعتزازه بالدين، وما زالت آثاره في أبناء الشعب الأفغاني. زادهم الله شوكة وعزة ورفعة.

كان ربعي بن عامر من جند فارس، ولما توجه خالد من العراق إلى الشام مددًا لأبي عبيدة رضي الله عنه، كان ربعي بن عامر من الرجال الذين اختارهم خالد معه لجيشه الذي توجه معه من العراق إلى الشام، وقاتل مع خالد في كل معاركه في طريقه إلى الشام، وشهد اليرموك وشهد فتح دمشق. ثم عاد إلى العراق من الشام، وشهد فتح خراسان. رضي الله عنه.

ابن عساكر -تاريخ دمشق (18/ 49)-: ربعي بن عامر، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد فتح دمشق، ثم خرج إلى القادسية مع هاشم بن عتبة، وشهد فتوح خراسان، وقال في ذلك شعرا.

وقدم على أبي عبيدة بن الجراح كتاب عمر: بأن يصرف جندَ العراق إلى العراق وأْمُرهم بالحثِّ إلى سعد بن مالك رضي الله عنه، فأَمَّرَ على جند العراق هاشمَ بنَ عتبةَ، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، وعلى مَجْنَبَتَيْه عمر بن مالك الزهري وربعي بن عامر، وصَرَفُوا بعد دمشق نحو سعدٍ.

قال سيف: وفي فتح خراسان يقول ربعي بن عامر:

 

نحن وَرَدْنَا من هراةَ مَناهِلًا *** رِوًا من الْمَرْوين إن كنتَ جاهلا

وبلخ ونيسابور قد شقيت بنا *** وطوس و”مرو” قد أزرنَا القبائلا

أنخنا إليها كورة بعد كورة *** نفضهم حتى احتوينا المناهلا

فلله عينًا من رأى مثلنا معًا *** غداة أزرنا الخيل تركًا وكابلا

 

انتهى قول ابن عساكر، وقوله: من المروين: بصيغة التنثية، يريد به مرو الروذ، وهي مدينة في بادغيس، على نهر مرغاب، يقال لها اليوم: “بالامرغاب”. ومرو شاه جهان: وهي مدينة “مرو” المعروفة، وهي في حدود تركمانستان اليوم، ويسمى في الخريطة “ماري”.

ابن حجر: ربعيّ بن عامر بن خالد بن عمرو، قال الطّبريّ: كان عمر أمدّ به المثنى بن حارثة، وكان من أشراف العرب، وللنجاشيّ الشاعر فيه مديح.

وقال سيف في الفتوح، عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة، قالا: قدم على أبي عبيدة كتاب عمر بأن يصرف جند العراق إلى العراق، وعليهم هاشم بن عتبة، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، وعلى مجنبتيه عمير بن مالك وربعي بن عامر، وفي ذلك يقول ربعي:

أنخنا إليها كورة بعد كورة *** نقصّهم حتّى احتوينا المناهلا

وله ذكر أيضا في غزوة نهاوند. وكان ممن بنى فسطاطا أمير تلك الغزوة النّعمان بن مقرّن، وولّاه الأحنف لما فتح خراسان على طخارستان.

وقد تقدم غير مرة أنهم كانوا لا يؤمّرون إلا الصّحابة. الإصابة في تمييز الصحابة (2/ 378)

 

عبقرية ربعي في القادسية:

ولما تواجه الجيشان (في القادسية سنة 14هـ) بعث رستم إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه.

فبعث إليه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، فلما قدم عليه جعل رستم يقول له: إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكفُّ الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجاركم من الدخول إلى بلادنا.

فقال له المغيرة: إنا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همُّنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولا قال له: إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يَدِنْ بديني، فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرِّين به، وهو دين الحق لا يرغَب عنه أحد إلا ذُلّ، ولا يعتصم به إلا عَزَّ.

فقال له رستم: فما هو؟ فقال: أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله.

فقال: ما أحسن هذا! وأي شيء أيضا؟

قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله.

قال: وحسن أيضا، وأي شيء أيضا؟

قال: والناس بنو آدم، فهم إخوة لأب وأم.

قال: وحسن أيضا، ثم قال رستم: أرأيتَ إن دخلنا في دينكم، أترجعون عن بلادنا؟

قال: إي والله، ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة.

قال: وحسن أيضا.

قال: ولما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الإسلام، فأَنَفُوا من ذلك وأبَوا أن يدخلوا فيه. قبّحهم الله وأخزاهم، وقد فعل.

قالوا: ثم بعث إليه سعد رسولا آخر بطلبه، وهو ربعي بن عامر، فدخل عليه، وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللَّآلي الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب.

ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضة على رأسه.

فقالوا له: ضع سلاحك.

فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت.

فقال رستم: ائذنوا له.

فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها.

فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله.

قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظَّفَر لمن بقي.

فقال رستم: قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟

قال: نعم، كم أَحَبَّ إليكم؟ أيوما أو يومين؟

قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا.

فقال: ما سنَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللِّقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل.

فقال: أسيِّدهم أنت؟

قال: لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم.

فاجتمع رستم برؤساء قومه، فقال: هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟

فقالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب! أما ترى إلى ثيابه؟ ! فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخِفُّون بالثياب والمأكل، ويَصونون الأحساب.

ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلا، فبعث إليهم حذيفة بن محصن، فتكلم نحو ما قال ربعي. وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة، فتكلم بكلام حسن طويل، قال فيه رستم للمغيرة: إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل فقال: من يوصلني إليه وله درهمان؟ فلما سقط عليه غرق فيه، فجعل يطلب الخلاص فلا يجده، وجعل يقول: من يخلصني وله أربعة دراهم؟ ومثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل جحرا في كرم، فلما رآه صاحب الكرم ضعيفا رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئا كثيرا فجاء بجيشه، واستعان عليه بغلمانه، فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه، فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا. ثم استشاط غضبا، وأقسم بالشمس لأقتلنكم غدا. فقال المغيرة: ستعلم. ثم قال رستم للمغيرة: قد أمرت لكم بكسوة، ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا. فقال المغيرة: أَبَعْدَ أنْ أوهنَّا مُلكَكم وضَعَّفنا عزَّكم؟ ! ولنا مَدَّة نحو بلادكم، ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون، وستصيرون لنا عبيدا على رغمكم. فلما قال ذلك استشاط غضبا.البداية والنهاية (9/ 621).