لا بدّ للدعوة من سيفٍ ينصر

محمد داود المهاجر (فكّ الله أسره)

 

بدأ الإسلام غريبًا ونصَرَه قوم غرباء، فتحمّلوا لأجله المتاعب والمشقات، وقاوموا ما تلقوه من المشركين بكل ثبات ومثابرة، وحلت بهم المآسي ما لم يعرفوها في حياتهم السالفة في الجاهلية.

حتى مضى على هذه الدعوة عقد ونيف ثم أمروا بالهجرة، فهاجروا لأجل دعوة الإسلام وتركوا الديار والأهل، تركوا المال والأقرباء، غادروا ديارهم وهجروا راحتهم؛ ثم جاء إذن القتال، الأمر الذي كانوا ينتظرونه من قبل، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأذن لهم؛ بل كلما خوطب من جانبهم قال لهم ما قال الله: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)، ولكن بعد الهجرة، عندما وجد المسلمون مركزًا لدعوتهم وموقعا للكفاح عن دعوتهم قرن الدعوة بالجهاد والسلاح، وصار السنان حليف اللسان، وأذن لهم في القتال {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}، فقاتلوا وقتلوا وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، كما أمرهم ربهم: {وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ}، رغم قليل مالهم وضئيل عُدّتهم وعددهم، رغم كل عقبات اقتصادية وعسكرية، ورغم قلة السلاح والكراع، ولكنهم غيّروا مجرى التاريخ بالثبات على المبادئ وبذل قصارى الجهود في سبيل الدعوة والكفاح عنها وفي سبيل نشرها؛ وبهذا، حازوا المجد في سبيل الدعوة بخُلُقهم وشيَمهم المتخلقة بأخلاق القرآن وبحدّ السيف وقوة الساعد التي استوعبت جميع حياتهم وصار النصر حليفهم في معارك كثيرة وهكذا أظهر الله دينه بلسانهم البليغ وأخلاقهم المتجسّدة من آيات القرآن وهدي سيد الأنام وبقوة سِنانهم الحادّ وسيوفهم البتّارة والتضحية في سبيلها.

نعم، دعوة الإسلام وإن كان لها وقعها وأثرها العميق في النفوس خلقا وسيرة، وفتح المسلمون القلوب والأرواح كما فتحوا المدن والبلاد، وفتحوا بعضًا من البلاد بلا خيل تركب ولا سيف يسلل وفتحوها بأخلاقهم النبيلة وشيَمهم وسجاياهم الجميلة تسلب القلوب وتخطف العقول، ولكن السيوف والرماح كانت حليفة دعوتهم لا تفارقها أبدًا، دِفاعا عنها ودَفعا لمن يصد عن سبيلها؛ ولولا هذا لما كان نشر الإسلام كما رأيناه كما يقول الله عزوجل: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ}، {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا}.

هناك أمران، بداية الدعوة ومستهلّها، والأمر الثاني استمرارها واقتحامها العقبات التي تقع تجاه كل دعوة تريد توسيعها، لا سيما دعوة الإسلام التي تحيط وتستوعب الأمم كافّة والبلاد كلّها.

بدايةُ دعوة الإسلام كانت باللسان والبيان سرًّا وخفية، ثم لما جاء أمر الله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}، أي فاجهر به، أمر الله تعالى نبيه بإبلاغ ما بعثه به وبإنفاذه والصدع به، وهو مواجهة المشركين به ولكنه بلا قتال؛ فصدع هو صلى ‌الله‌ علیه‌ وسلم وأصحابُه بدعوتهم وتحمّلوا لأجلها كل تعب وحرج حتى استغلظت واستوت الدعوة على سوقها واستقامت على أصولها وجذورها، أمر الله تعالى أهل الدعوة بالهجرة ودَور جديد من حياتهم وترك الآباء والأبناء، ثم أمروا بإعدادٍ وجهاد لا ينتهيان أبدا حتى تقوم الساعة، وأمروا بقتال الناس كافّة حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة إلا بحق الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

ثم بقي أمر الأمة على بيان ودعوة، على قتال وجهاد، إلى أن يتمّ الله نور الإسلام ويظهر دينه على الدين كله فإما إيمان فسلام، وإما جزية فأمان، وإما كفر فقتال فحدّ نصال وسيوف تنصر الإسلام.

أما اليوم، فكثرت الأحزاب، وكثرت دعواتهم على مناهج شتى وأساليب مختلفة، ولكنّها دون أيّ جدوى عامة ودون أي فائدة ملموسة التي تشمل الآية {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} أو الحديث {لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ}.

هؤلاء الدعاة ومناهج دعوتهم فارغة عن القتال والجهاد وسيف ينصر دعوتهم لقمع الحواجز عن مواجهة الدعوة، وكما رأيناها بعد سنوات طوال ومتمادية لم تنتج شيئا مّا، وعكس الأمرُ، فصارت الدعوة تحت ضغوط من جانب المعارضين والأعداء، أكثر فأكثر؛ فخَفت نجمُها ورايَتها، وقُتل قادتها أو سُجنوا، فانتهت الدعوة أو ظلت ضعيفة هزيلة، لا تسطيع سيرا مّا!

هناك ثلمة وثغرة وهو أن عموم الدعاة في منهجهم لم يُمعنوا النظر إلى جانبٍ آخَر من سيرة الرسول صلى‌ الله ‌عليه ‌وسلم بعد الهجرة واقتران الدعوة بالقتال؛ أو يزعمون أن للقتال وقتا آخر ولم يأت وقته بعدُ، مع أن دعوتهم استغرقت عقودا وسنوات كثيرة ومتمادية، بل مئات من السنين، ولكنهم لم يحصلوا على أي تقدم وازدهار وأي تطوّر ونجاح؛ بل ولم يأذن لهم الأعداء بقوّتهم وسيوفهم الحادّة، فقمعوا دعواتهم وصدوا عن سبيلهم؛ فعجز الدعاة عن الوصول إلى منتهى آمالهم وما أرادوا من خير بلا إراقة دم وتضحيةِ نفس في سبيلها {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}.

فإن لنا في حياة الصحابة رضي‌ الله ‌عنهم أحسن أسوة وقدوة، في بيان الحق ونشره والدفاع عنه؛ دعوتنا واحدة، سبيلنا واحد والطريق والنهج واحد، فعلينا أن نضحي في سبيل الدعوة بكل نفس ونفيس ولا بد من السيف في سبيل الدعوة حتى ندافع عن أركانها ونحافظ على حرمتها وعِرضها ونستعين على نشرها وعلى إزاحة الأشواك والحواجز التي وُضعت أمامها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر وكفى بربك هاديا ونصيرا.

وما الطغيان الذي نراه اليوم على الإسلام وأهله إلا لانعدام القوة المقابلة واستغلال الحديد في البأس الشديد بين الحق والباطل قال الله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} وقال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم}. أمرنا الله تعالى بذلك، لأنه لا يوجد مبدأ ودعوة دون قوة؛ وسواء كانت هذه الدعوة حقا أم باطلا إلا ولا بد له من قوة تحميه. الإسلام هو دين البشرية، دين الحق؛ جاء لقيادة البشرية نحو خيرها، فمن حق البشرية أن تبلغَها الدعوةُ، ولا يمكن هذا إلا بتحطيم الأنظمة والسدود التي تحول بين الناس وبين أن يسمعوا كلمة الله ويخضعوا لها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.