أوراق من دفتر سجين في سبيل الله: احتفال السجناء بتكريم الحفاظ

محمد داود المهاجر (فكّ الله أسره) – مراسل مجلة الصمود من سجن بلتشرخي

 

قد صحّ عن النبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وسلم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) ‏معناه كما قال شارح صحيح مسلم: إن كل مؤمن مسجونٌ، ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرّمة [عليه] والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات الشاقّة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم.

فعندما كانت الدنيا سجن المؤمن -كما في الحديث- وابتلاء من الله ليميز الخبيث من الطيب ويعلم من أحسن عملا، فالوقوع في سجنٍ آخر في داخل سجن الدنيا هو ظلمات بعضها فوق بعض وابتلاء هائل على العبد، ينجح فيه من نجح بفضل من الله ويخسر من خسر بخذلانه؛ ولكن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ويهدي إليه من ينيب.

قضيتُ إلى الآن في السجن أكثر من خمسِ سنوات، ثلاثة منها في باغرام وباقيها في بلتشرخي، وابتليتُ بسجنٍ في سجن، ولكن رأيت أن الله تعالى مع كل هذه الظروف القاسية في السجن، قد يجعله لبعض عباده قُربا وتقريبا وسببا لتقدمه في مجال التقوى والعلم والعمل وحصول ما لم يُمكن له في غير بيئة كبيئة السجن، لمشاغل قد تحول دونه ودون تلك الأشياء خارج السجن.
ومنها على سبيل المثال: عقد السجناء قبل أيام وبالتحديد ١٥ جمادى الأولى الموافق ١٠ يناير الميلادي حفلةَ إعزاز وتكريم لتخريج دُفعة من نحو اثني عشر حافظا للقرآن الكريم، الذين نالوا هذه الدرجة الرفيعة بعد تعَب ونصَب واحتملوا المشاقّ لیل نهار حتى قُلّدوا بوِسام رفيع من درجة حفظ أحسن الكلام وأثقلِه الذي أنزل على البشر كافّة هداية لهم وإلى الخيرات دليلا.
واجتمع عدد لابأس به من المعتقلين في قاعة في فِناء السجن، حيث كانت أوسع مكان ذات سقف ومحاطة بشباك حديديّة، وأرخينا عليها بعض الأغطية والأستار -وإن كانت رقيقة- لتدفئة المكان، واشترك فيها جمع غفير من الإخوة المسجونين رغم برودة الهواء وصقيع الشتاء؛ كأنهم في ثلاجة كبيرة وقد لفّوا علی أكتافهم وأرجلهم الملاحف والبطّانيات التي يغطّون بها أنفسهم عندما ينامون. ولكن رغم كل هذه المتاعب ومعوّقات الجو والمآزق التي تكاد تقع حواجز لانعقاد هذا الحفل الكريم، فقد أسعفهم الحظّ بالاشتراك في هذا العمل المبارك والاستماع لمحاضرات وخطابات بعض العلماء التحريضية.

واهتم العلماء بهذا الأمر وإقامة الحفل تشجيعًا وحثا على تعلم القرآن، وحرّض الخطباء المسجونين على انتهاز الفُرَص وفراغ البال، واستغلال الظروف الفارغة خلال سنوات ضُربت عليهم ليقضوها وراء قضبان الحديد وصرفِها في تعلم العلوم الدينية والعصرية، حيث فرض العلماءُ بضغوطٍ على مسؤولي السجن هذه الفُرَصَ لهم بإحداث مكان فيه ثلاث غُرَف كبيرة ومعينة لكل أستاذ. ووزعوا الأوقات وقسّموها على قسمين: من بداية الصبح، نحو الساعة التاسعة، تفتح الصفوفُ للتلاميذ الذين يتعلمون القرآن والقراءة ويدرسون الكتب الدينية في فنون ومجالات شتى من فقه وحديث وعقيدة على أيدي علماء وقراء إلى الساعة الحادية عشر قبل الزوال؛ ثم يأتي دور الآخرين الذين يتعلمون الخط ويقرأون الكتب الفارسية والبشتو والإنجليزية.
ثم بعد إلقاء الخطباء محاضراتهم وبعد إنشاد بعض الإخوة أناشيدهم الجميلة، انتهى الحفلُ بإعطاء بعض الهدايا من الألبسة البِيض والأردية البيضاء ونثر الثلوج المصنوعة على رؤوسهم فرحا وسرورا. وختاما أتممنا الحفل بالدعاء لأنفسنا والمؤمنين والدعاء على أعداء الدين والخلاص من أيدي القوم الظالمين.

نشكر الله عزّوجل على توفيقه لهذا العمل الكبير، ونسأله الخير والفلاح في كل بليّة ينزلها علينا والسلامة من كل إثم. والحمد لله رب العالمين.

جمادى الأولى ١٤٤١هـ.