mujahid

أخي المجاهد: الإخلاص أولًا وأخيرًا

عبدالمتين

 

عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكن قاتلت ليقال جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى يلقى في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها ؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في النار) رواه أحمد ومسلم.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقتل ليُذْكَر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه – وفي رواية يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية – فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» متفق عليه.

وهنا ينبغي للمسلم أن يصحح نيته من جديد فلا يجاهدْ بغرض التوصلِ إلى نفعٍ مالي أو رئاسة وتَقَدُّم على غيره، فقد يُقتل قبل أن يحصل له شيءٌ من ذلك فيكون قد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» رواه أحمد والترمذي بإسناد صحيح عن كعب بن مالك رضي الله عنه.

وقد خصّت فريضة الجهاد بالتأكيد على الحرص على إخلاص المجاهد نيته لله تعالى، لأن تسرب الرياء إلى المجاهد أسرع منه إلى غيره، ولهذا عنيت النصوص بذلك غاية العناية.

فالجهاد نفسه يأتي في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم مقيداً بقيد (في سبيل الله).

فالمجاهدون في سبيل الله بحاجة ماسة إلى الإخلاص؛ لأنهم وضعوا أرواحهم على أكفهم يعرضونها صبح مساء على بارئها راجين من المولى القبول.

أخي المجاهد ليكن جهادك خالصًا من الشوائب التي تعكر صفوه؛ كالرغبة بالسمعة والثناء والمدح أو التطلع لنصرة حزب على آخر، أو جماعة على أُخرى لمجرد كونها جماعتك أو نحو ذلك، بعيداً عن حب العلو الذي قلما تخلو منه نفسٌ بشرية، وليكن شعارك على أي حال وفي كل مآل: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).

فالإخلاص هو منبع الخير وأصله، وهو رأس التقوى والإحسان، وهو سبب النجاة، وسبيل الخلاص، وعلامة الفلاح، وعنوان النجاح.

عن عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم خيبر، أقبل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلا إني رأيته في النار في بُردة غَلَّها – أو عباءة) رواه مسلم.

وقد كان المنافقون يخرجون للغزو ويُنْفِقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كهذا الذي قال في غزوة بني المصطلق (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ) (المنافقون: 8). وكهؤلاء الذين لمزوا الصحابة في غزوة تبوك فنزل فيهم (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (التوبة: 65). وأما نفقتهم فقد قال الله تعالى فيها: (قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ) (التوبة: 53). وهم مع جهادهم وإنفاقهم (فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء: 145). ونأخذ من هذا كثيرا من العِبَر منها أن ساحة الجهاد قد تجمع المنافق والفاجر وفاسد النية وأقواما لا خلاق لهم، وكل هؤلاء كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن العِبَر أيضاً أن وجود هؤلاء بساحة الجهاد ليس بمبررٍ للقعود عن الجهاد بحجة أن بالصف مجروحين فقد قام الجهاد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود هؤلاء.

نسأل الله تعالى أن يثبت الإخلاص في قلوب المجاهدين في كل مكان، ليثبت أقدامهم ويوحد صفوفهم، ويزلزل أعدائهم لتكون كلمة الله هي العليا.