انتصار الإيمان على السلاح

 

أبو فلاح

اليوم هو يوم عظيم بالنسبة للشعب الأفغاني الغيور، الشعب الأبي البطل الصابر المحتسب المؤمن، الشعب الذي قدّم مليوني شهيد، ولم يركع أمام الأعداء، بل وقف في وجههم بكل شموخ وصمود واعتزاز،

إن هذا اليوم ميلاد جديد، وحياة جديدة بالنسبة لهذا الشعب، اليوم يوم عظيم في تاريخنا المعاصر، يوم لا يقدّر بأي ثمن، يوم قلّما وجد المسلمون له مثيلا في تاريخهم القريب، اليوم شهد العالَم مشهدا تاريخيا عظيما، اليوم انتصرت الرأية البيضاء على رأية الكفر والاحتلال،

اليوم مرّغ شعب أعزل أنف الصليب بالتراب بفضل إيمانه بالله وتوكله عليه، ثم بفضل ثقته بنفسه، اليوم اكتمل بناء صرح عظيم قام على الأشلاء والجماجم والجثث، والحفل الذي انعقد لأجل التوقيع على اتفاقية السلام في الدوحة القطرية حفل وطني إيماني يقرّ عين كل مسلم، ويشفي صدور قوم مؤمنين،

حفل ثبت فيه أن الإيمان أقوى من أي سلاح، وأن العصا في يد البطل أقوى من السلاح في يد الجبان. هل يستطيع الجبان أن يقهر خصمه بالسلاح؟ هل يقدر السلاح أن يجعل صاحبه الخوار بطلا؟ هل ينقلب البطل الأعزل جبانا لأنه لا يملك السلاح؟ كلا وألف كلا.

أكتب هذه الكلمات، والدموع تحلقت في مقلي، لا أستطيع أن أسيطر على مشاعري، وأكتم عواطفي، أكتب وأكفكف دموعي المنهالة على الخدين فرحا بما نِلناه في ميادين السياسة والكفاح من النصر المبين والشرف العظيم.

إن هذا اليوم هو نهاية قصة صمود لا مثيل له، وبطولة غير مسبوقة في التاريخ المعاصر، قصة بطولات قيّمة، وتضحيات ثمينة، ودماء زكية، وأشلاء بريئة، ودموع حارّة، إن هذا اليوم هو ثمرة جهاد مقدّس، وطريقٍ طويل، وتعب دائم، إنها نهاية طريق طويل مظلم شاقّ وعر محاط بالكلاب والذئاب والخونة واللئام، طريق مليئ بالأشواك،

مفروش بالجماجم المتناثرة والأشلاء المبعثرة، ملوّن بدماء الشهداء، مبلّل بدموع الأرامل واليتامى والثكالى، إنها نهاية طريق يشرف على الانتصار والحرية والعزة، إنها نهاية طريق لطالما جرت فيه أنهار الدم،  إنها نهاية طريق يخشى اللئام أن يسلكوه، ولكن يعشقه من ذاقوا طعم الحرية والاستقلال، ورضعوا لبان العزة والشموخ.

اليوم غلب الإيمانُ السلاحَ، اليوم غلبت الفئةُ القليلة الفئةَ الكثيرة بإذن الله، اليوم انتصر شعب أعزل على أكبر مُورد للسلاح على مستوى العالَم، اليوم جاء الحق وزهق الباطل، اليوم ظفر الحق الذي كان يبدو ضعيفا على الباطل الذي كان يبدو قويا، اليوم انتصرت صيحات “الله أكبر” على دوي الصواريخ، وأزيز الطائرات، وهمهمة الدبابات، اليوم ركعت أمريكا المتغطرسة أمام شعب لم ولن يركع إلا في صلاته أمام ربّه، اليوم وقّعت أمريكا هزيمتها وذلّها وصغارها، ووقّع الشعب الأفغاني الأعزل انتصاره وعزّته وشموخه وحرّيته، وطرْدَ الاحتلال وإذلاله.

سيحتفل الأجيال القادمة بهذا اليوم كما نحتفل نحن اليوم سنويا باليوم الذي هزمنا فيه الإنجليز، ونِلنا حرّيتنا. سيسجّل التاريخ هذا اليوم العظيم، اليوم ثبت أن الأفغان لن يتنازلوا عن مبادئهم وقناعاتهم وترابهم، والترابُ عند الأفغان أغلى من الدماء والأشلاء والجماجم والجثث.

اليوم ثبت أن الله عز وجل لن يتخلى عن عباده، ولن يتركهم وحدهم، ثبت أن نصر الله قد يتأخر من أجل حكمة يعلمها الله، ولكن لن ينقطع أبدا، اليوم ثبت للعالَم أن الاستقلال خير من العمالة، ثبت أنه يمكن هزيمة الأقوياء الجبابرة الطغاة بإيمان قوي وإخلاص نقي وإرادة لا تنكسر ،

اليوم ثبت للعالَم أجمع أن الحق يؤخذ، ولا يعطى، ثبت أن الكفر لن يرضى عمّن كان في قلبه ذرة من الإيمان، وحتى عمّن يسمي نفسه بالمؤمن، وينتسب للإسلام، ثبت جليا أن الأمريكان لا يعبدون إلا مصالحهم، وثبت أنهم يتخلون دون تردد عن أقرب ما يسمونهم بالحلفاء بمجرد أن يدركوا أن حلفاءهم لم يعودوا نافعين في شيئ، ثبت أنهم يستغلون المغفّلين السذج من أجل مصالحهم فقط.

اليوم ثبت أن القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الإبن في (2001) بكل غرور كان خطأ إستراتيجيا في تاريخ الولايات المتحدة، كان خطأ جرّ عليها الشرّ والفشل والخزي والعار، فقد أدرك الأمريكان أن هناك خطأ استراتيجيا وقع في خطة الحرب على الشعب الأفغاني بأسره بحجة ما أسموه بالإرهاب. وأرجو أن تدرك إدارة كابل الفاسدة هي الأخيرة أن المصالح الأميركية بالنسبة للأمريكان أهم من إدارة كابل ألف مرة، بل مليون مرة.

فاعلموا يا إخوة الإيمان أن العاقبة دائما للإسلام، وللحق، ستكون نهاية هذا الطريق بإذن الله قصاصا للشهداء، ودواء للجرحي وفكاكا للأسرى، وفرحة للمنكوبين، وبسمة على شفاه اليتامى، ونقطة أمل لليائسين البائسين، وضياء للغافلين، وحجة على المتجاهلين، وصفعة للحاسدين، وبابا مفتوحا لعودة المهاجرين، ورحمة للمستضعفين بإذن الله.