ملف جرائم الحرب في أفغانستان

عماد الدين الزرنجي

 

في عام 2012 الميلادي، عندما أعلنت رئيسة المحكمة  الجنائية الدولية عزمها على فتح ملف التحقيقات حول الجنايات الحربية في أفغانستان، وذلك بعد هجوم المحتلين على مستشفى في قندوز؛ قامت وزارة الخارجية الأمريكية مباشرة برد فعل حيالها وأرسلت وفدًا رفيع المستوى إلى المحكمة لعرقلة هذا الملف. ومنذ ذلك الحين وحتى قبل ذلك، حاول المحتلون إفشال هذه البادرة التي تكشف القناع عن جناياتهم في أفغانستان.
إن هذه المحاولات الفاشلة مازالت تتبعها أمريكا. ومؤخراً بعد توقيع اتفاقية السلام بين الإمارة الإسلامية  وأمريكا حاولت المحكمة الجنائية الدولية فتح ملف الجنايات الحربية في أفغانستان، لكن وزارة الخارجية الأمريكية قامت برد فعل عنيف، حتى أن (بومبيو) وزير الخارجية الأمريكية وصف المحكمة المذكورة بأنها إدارة باغية وغير شرعية. وفوق ذلك امتنعت وزارة الخارجية الأمريكية عن إعطاء التأشيرة لموظفي تلك المحكمة الذين أرادوا السفر إلى أفغانستان للتحقيق حول الجنايات الحربية المرتكبة في أفغانستان.

لاشك أن المحتلين وعلى رأسهم عساكر أمريكا، ارتكبوا مجازر مروعة في أفغانستان؛ مجازر يندى لها الجبين. علما بأن المحاولات المبذولة من قبل المنظمات الحقوقية والقضائية كانت للتحقيق حول الجنايات التي ارتكبها المحتلون ضد المدنيين، أما الجنايات المرتكبة في السجون وفي ميادين الحرب ضد المجاهدين، فهي مازالت خافية عن أنظار المحققين والمنظمات الدولية والإقليمية. ولا يُسمح لأحد بالتحقيق فيها.

إن التعذيبات الجارية في سجون الاحتلال في غاية الشدة والهول. ومظالم أمريكا في سجني باغرام وجوانتانامو، فاقت مظالم الفراعنة وملوك العصور الوحشية. وقد كشف الأستاذ عبد السلام ضعيف الستار عن بعضها في مذكراته عن سجن غوانتانامو.
ولا ينسى العالم تلك المجزرة التي ارتكبها “رابرت بلير”، العسكري الأمريكي في مديرية بنجوايي في محافظة قندهار، حيث أطلق هذا الرجل الخبيث النار على سبعة عشر مواطن أفغاني من المدنيين، ثم أحرق أجسادهم.
أما جنايات العدو المحتل في المناطق الأخرى فقصتها باقية، ففي الأسابيع الأخيرة بثت قناة ” النواحي الأربعة” برنامجا وثائقيا يروي بعض الجنايات التي ارتكبها جنود أستراليا في أفغانستان، واعترف خلال هذا البرنامج أحد أعضاء الجيش الأسترالي أن عساكر بلاده في أفغانستان، ارتكبوا جنايات حربية، وأضاف هذا الرجل بأنه رأى بأم عينيه أن زملائه المقاتلين استهدفوا المدنيين في أفغانستان.
وقال هذا المقاتل الأسترالي في أفغانستان سابقا: إن قامت محكمة، فسوف يسجن كثير من زملائنا.

وقبل ذلك نشرت منظمة حقوق الإنسان تقارير تؤيد ارتكاب الأستراليين جنايات حربية ما بين عامي ٢٠٠٧م و٢٠١٢م. وقد صرحت المنظمة المذكورة أن جنود أستراليا استهدفوا المدنيين لإثبات قدراتهم!
إن هذا الملف مليء بالجنايات والمظالم والمجازر، ولذلك يرفض المحتلون التحقيق فيه.

لاشك أن الحصانة القضائية التي كان يحظى بها المحتلون كان المشوق الأكبر لارتكابهم هذه الجرائم. أما الاتفاقية الأمنية التي وقعها أشرف غني مع أمريكا، فمهدت الطريق لمجازر أبشع.
لكن الأوضاع الحالية بعد توقيع  اتفاقية السلام بين الإمارة الإسلامية وأمريكا وهزيمة الأخيرة في حرب أفغانستان، مهدت الطريق للمنظمات الحقوقية والقضائية لمتابعة ملف الجنايات الحربية في أفغانستان.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما دور إدارة كابل في متابعة هذا الملف في المحاكم الدولية؟ وكيف يمكنها الوقوف بجنب الناشطين الحقوقيين؟

الظاهر أنها عاجزة عن أعباء هذه المهمة العظيمة، بل هي بقواتها الأمنية شريكة في الجرم، ولو قامت محكمة عادلة لمراجعة هذا الملف، فسيتم الحكم بالسجن على كثير من مقاتلي إدارة كابل.

إن فارس الميدان في هذا المجال، هو الإمارة الإسلامية، فهي التي شهدت جنايات المحتلين عن كثب، وبإمكانها توثيق الجنايات ومتابعتها في المحاكم الدولية.

وأمل الشعب الوحيد في قادة الإمارة الإسلامية أن يتابعوا قضية الجنايات الحربية في أفغانستان عبر المحاكم القضائية والحقوقية لإحقاق الحق وحماية المتضررين من المواطنين.