توقيع اتفاق إنهاء الاحتلال

خليل وصيل

 

أفغانستان، كانت آمنة مطمئنة، ينعم أهلها بالاستقرار والحياة الكريمة في ظل إمارة إسلامية تحكم بشرع الله.

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، جنّ جنون أمريكا فأعلنت حربا صليبية ظالمة ضد الشعب الأفغاني، مع أن الأفغان لم يكن لهم أي تدخل فيها، فحاولوا إقناع أمريكا بحل القضية عبر السبل السملية لكنّ أمريكا كانت قد عزمت على الشر، مصرّة على إذكاء نار الحرب، فغزت أفغانستان بأسلحتها وتقنيتها المتطورة، مهدّدة العالم بأنه بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن يقف معها أو مع الإرهاب، وأن المجاهدين ليس لهم فرصة إلا القتل أو الإستسلام.

وقد كانت هذه المرحلة مرحلة صعبة وبلاء عظيما، حيث كان العدو قويا عدداً وعُدة، حاشدا جيوشا جرارة وحشودا مدرارة، فارتعدت فرائص كثير من الدول وخافت من أمريكا خوفها من (كورونا) فتحالفت معها ووقفت تحت راية الصليب ولم تطلب منها على ما تقول برهانا، وبقي الأفغان وحيدين منفردين لا قِبل لهم بجيوش الكفر وجنود الصليب.

اجتمعت ملل الكفر من الشرق إلى الغرب وهاجمت أفغانستان بأسراب من الطائرات وهكذا بدأت الحرب بين الأفغان العزل وبين الطغاة المدججين بأفتك أنواع الأسلحة، لم يكن الأفغان المضطهدون تنفسّوا من حرب السوفييت ومن الحروب الداخلية حتى زجّت بهم أمريكا في أتون حرب غير متكافئة.

وبعد عدة أسابيع من المواجهة سقطت الإمارة الإسلامية وانسحب المجاهدون من المدن حفاظا على أرواح المدنيين.

فعل الصليبيون بالمسلمين الأفغان الأفاعيل، ونكَّلوا بهم أيَّما تنكيل، واستخدموا الأسلحة المحرّمة دوليا، وارتكبوا جرائم حرب، فقتلوا الآلاف من الأبرياء الأطفال والنساء والشيوخ، وأسروا آلاف الآخرين وزَجّوا بهم في غياهب السجون وعاملوهم المعاملات اللاإنسانية، وعذبوهم صنوفا من التعذيب يعجز عن وصفها اللسان ويشمئز من ذكرها قلب الإنسان، وستبقى فضائح معتقل غوانتامو وأبو غريب وصمة عار على جبين الغرب إلى الأبد.

وطئت جيوش الصليب بأقدامهم النجسة ثرى الأفغان، ولكن لم يكن للشعب الأفغاني الأبي أن يرضى بالضيم وهو يرى جنود الصليب يمرحون ويسرحون في بلده ويسعون في الأرض فسادا، فثار الشعب في وجه الظلم وأعلن الجهاد ضدهم تحت قيادة الإمارة الإسلامية متوكلاً على الله، راجياً العلي القدير أن ينصره نصراً مؤزراً، وأن يصدقه الله وعده.

سخرت أمريكا هالتها الإعلامية لتشويه صورة المجاهدين وتجميل جرائمها وإخفاء خسائرها، كما نجحت بفضل قوتها الإقتصادية في شراء ذمم كثير من الصحفيين وأصحاب الأقلام.

ورغم الجراح والإبتلاءات، والمحن والأزمات ثبت المجاهدون ورفضوا دعوات الإستسلام، ولم يخضعوا لمطالب الاحتلال ولم يضعفوا أمام جبروته، ولم يقبلوا الخنوع للمحتل وآثروا العيش تحت ظلال السيوف، وحرّضوا الشعب المسلم على الجهاد والمقاومة، فنفروا في سبيل الله وساعدوا إخوانهم المجاهدين.

انطلقت جحافل الجهاد والإستشهاد ودكّت قواعد الكفر والفساد، سطر الأبطال الملاحم والبطولات وأذاقوا جيوش الصليب الويلات تلو الويلات، ورووا شجرة الجهاد بدماء أجسادهم، وبذلوا مهجهم وأرواحهم رخيصة في سبيل الله، وضرب المسلمون أروع الأمثلة في النصرة والإيواء، والتضحية والإيثار.

وأبلوا في سبيل الله بلاء حسنا وقابلوا هذا البلاء وهم صابرون محتسبون، فثبتوا وصمدوا حتى بدأت صفوف الجهاد تتقوى يوما فيوما، وصارت قوة الأعداء تتضاءل وتضمحلّ شيئا فشيئا، فغيروا الإستراتيجيات، وأرسلوا الجنرالات تلو الجنرالات، وحاكوا الدسائس والمؤامرات، وأنفقوا مليارات الدولارات، وبثوا الأراجيف والدعايات، ومارسوا الضغوطات السياسية والدعائية والعسكرية واستخدموا كل السبل والوسائل المتاحة، لكنهم وقفوا عاجزين عن تحقيق أهدافهم بقوة الحديد والنار.

وبعد محاولات عقدين من الزمن أدركت أمريكا أنه لا مهرب من مأزق أفغانستان إلا بالحوار والمفاوضات، فأذعنت لبعض مطالب الإمارة الإسلامية وبدأت معركة التفاوض.

وفي المفاوضات أيضا أرادت أمريكا أن تزحزح الإمارة الإسلامية عن موقفها وتجبرها على قبول الاحتلال الأمريكي، فكثفت غاراتها الجوية ومداهماتها الوحشية، إضافة إلى الضغوطات السياسية والإعلامية.

حتى أن كثيرا من القادة الأمريكيين صرحوا مرارا أنهم يريدون من خلال المفاوضات إحداث زعزعة في صفوف طالبان، لكن خابت ظنونهم وباءت مؤامراتهم بالفشل؛ فما ازدادت الإمارة الإسلامية إلا تماسكا وقوة، وظلت ثابتة على موقفها.

امتدت المفاوضات وانعقدت الجولات تلو الجولات وأخيرا جلست أمريكا مرغمة مكرهة إلى توقيع إتفاقية تنص على انسحاب قوات الاحتلال كلها في أربعة عشر شهرا من أفغانستان.

وفرح مسلمو العالم الإسلامي واستبشروا بتوقيع الإتفاقية واعتبروه فتحا مبينا وانتصارا عظيما للإسلام والمسلمين وأرسلوا التهاني والتبريكات إلى الشعب الأفغاني وإلى قيادة الإمارة الإسلامية، كما خرج الشعب الأفغاني المسلم ابتهاجا بهذه الإتفاقية إلى الشوارع مرددين شعارات الحرية والإباء، ورافعين رايات التوحيد البيضاء.

وسمي هذا الإتفاق بإتفاق إحلال السلام في أفغانستان ولا يخفى أن إحلال السلام مرهون بإنهاء الاحتلال، فما دام الاحتلال جاثما على صدر الشعب الأفغاني لن يسود الأمن والاستقرار في المنطقة، ولذلك كانت الإمارة الإسلامية تؤكد على إنهاء الاحتلال حتى توصلت مع الجانب الأمريكي إلى إتفاق تاريخي في عاصمة قطر الدوحة يضمن إنسحاب كافة القوات المحتلة من أفغانستان ولله الحمد والمنة.

وقد أصدر أمير المؤمنين الشيخ هبة الله -حفظه الله- بيانا حول هذه الإتفاقية ومما جاء فيه: إن إتفاقية إنهاء الاحتلال نجاح كبير، وهذا الانتصار حققناه بنصر من الله وبعد تضحيات كبيرة قدمها الشعب الأفغاني بجميع أطيافه، وهذا محل فخر واعتزاز لجميع الشعب الأفغاني المسلم.