الأمة المسلمة مدينة للإمارة الإسلامية

زين العابدين أنوري

 

عندما نرى الأجواء السياسية التي تمر بها أفغانستان، نزداد إيمانًا وتسليمًا لآيات الله ووعده في القرآن “ولينصرن الله من ينصره”، “وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين”، “إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”، “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”.

إن أرض أفغانستان التي تعتبر معدن الفروسية وموطن الغزاة والفاتحين، قد جدّد أسودها، وشعبها الأبي الشامخ تاريخ الأمة المسلمة، وأعادوا لها المجد التليد المفقود، وأنجزت الفئة القليلة ما عز على الدول الإسلامية ذات الحول والطول إنجازه، وأثخنوا في أشرس أعداء الله، وفرعون الزمان، وأكبر غاصب للبلاد الإسلامية، ومرغوا أنفه بل أنف الصليب في الوحل والتراب، وهزموهم هزيمة نكراء لا تزال تعيها ذاكرة الدهر.

إن هذا الاتفاق الذي وُقع في الدوحة في ٢٩ من فبراير ٢٠٢٠ هو في الحقيقة بمثابة إعلان الاحتلال أمريكي لهزيمته ومن والاه في أفغانستان بعد إنفاقه لأموال طائلة، كما قال الدكتور عبد الباري عطوان في جريدة (رأي اليوم): إن توقيع اتفاق السلام “يعني اعتراف إدارة الرئيس دونالد ترمب بالهزيمة” وأضاف: “الاتفاق الذي تصفه الإدارة الأمريكية بأنه تاريخي هو بمثابة ورقة التوت لتغطية الهزيمة والخنوع لمعظم -إن لم يكن لكل- شروط الطرف المنتصر أي حركة طالبان التي كانت هذه الإدارة وكل الإدارات التي سبقتها ترفض التفاوض معها باعتبارها إرهابية وسبحان مغير الأحوال”.

وقد اضطر بعضهم إلى التصريح بالهزيمة كما قال صحفي بريطاني (مارك كروتش) في تغريده عن توقيع اتفاق السلام بين الإمارة الإسلامية وأمريكا: “هذا التوقيع في الحقيقة هزيمة كبرى لأمريكا وبريطانيا، وهذه الهزيمة أكبر من الهزيمة التي ألحقت بنا في وفيتنام سنة ١٩٧٣، ولم يستطع الـ(ناتو) أن يهزم طالبان”.

هذا مابدا من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، ولقد صدق الله سبحانه و تعالى: “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين”، وهذه الفئة اقتربت من إقامة الدولة الشرعية التي كان قيامها في يوم من الأيام حلما بعيد المنال، وأيقظت الأمة الإسلامية من غفوتها، وأنجزت مالم تنجزه القوات ذات العدد والعدة.

وهاهو العالم اليوم -بفضل الله وببركة جهود المجاهدين- يفتح لهم أبوابه على مصراعيها، وصار لهم صوت مسموع ورأي نافذ، وهاهم يصولون ويجولون في البلاد بعد أن كانت ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وصاروا يحدقون في أعين الأعداء، ويقفون مع العالم الند للند، ويتكاتفون معه، ولقد صدق الله العظيم “تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء”.

ولكن ما ثمن هذه الإنجازات والانتصارات، هل كان كل هذا لمجرد العيش والتمني؟

أم كان حلما رآه الأفغان وحققوا فيه ما حققوا؟ أم كانت فرصة استغلها هذا الشعب الأبي؟

لا، لا، لا، بل كان ثمن هذا النصر والفتح المبين باهظا جدا، كان ثمنه آلاف الشهداء، وآلاف الأرامل، والأيتام، كان ثمنه تكبد مظالم تقشعر لسماعها الجلود، وتشخص منها الأبصار، كان ثمنها تجشم الضغوط المتراكمة، والمعضلات الاقتصادية، وكان ثمنها غربة الأوطان، وتحمل أطول الحروب وأشدها في تاريخ العالم، كما يقول محلل باكستاني (أوريا مقبول جان): “أطول حروب العالم وأشدها هي حرب أفغانستان لأن في كل حرب عالمية ينقسم المتحاربون إلى كفتين نصف عالم في كفة، ونصف آخر في كفة أخرى، وأما هنا فالعالم برمته في كفة، والكتلة الصغيره في كفة أخرى، ولو قدّرت تضحيات هذا النصر وقيمته لطال الكلام وضاق المقام، وبالجملة كان ثمنها تضحيات ومصائب وبلايا تعجز الأقلام عن كتابتها”.

ولكن رغم هذه الابتلاءات والمصائب لم يكلّ هذا الشعب الغيور ولم يملّ، ولم يخضع ولم يستسلم، بل صبر وتحمل وصمد صمود الجبال الراسيات، وصار يشكر ربه، ويفتخر بها، ويتنافس فيها، كما أقرّ بذلك عدوّهم الظالم دونالد ترامب، إذ قال: إنهم يتسابقون إلى الحرب كما نتسابق إلى كرة القدم”.

لقد أعطى الشعب الأفغاني الدول الإسلامية وحكامها دروسا في الاستقامة والثبات ومقارعة الأعداء، وذكر الأمة بأمجادها، وغسل وصمات العار ولوثات الإدبار عن جبين المسلمين، وأدى الفريضة عن جميع الأمة المسلمة.

 

فنسأل الله أن يتقبل هذه الجهود والتضحيات وأن يجزي المجاهدين عن الأمة المسلمة أحسن الجزاء وأن يوفقهم لجني ثمار هذه التضحيات.