دحر الغزاة.. قصة تتكرر في بلادنا!

عرفان بلخي

 

في الأونة الأخيرة، وبعد عامٍ ونيّفٍ من المباحثات المعقدة بين الولايات المتحدة والامارة الاسلامية، وقَّع المبعوثُ الأمريكيّ، زلمي خليل زاد وملا عبدالغني برادر على الاتّفاقية التاريخية في الدّوحة بحضورعددٍ من الممثّلين عن دولٍ عربيّةٍ وغربيّةٍ، وقد جاء في الاتفاقية مايلي:

  • خفض عدد القوّات الأمريكيّة من 13000 إلى 8600 جنديٍّ قبل حلول 15-6- 2020 وسحب باقي القوّات الأجنبيّة قبل نهاية شهر نيسان/أبريل من العام المقبل.
  • رفع اسم حركة طالبان الاسلامية عن قائمة العقوبات في مجلس الأمن للأمم المتّحدة.
  • رفع العقوباتِ الأمريكيّة عن قادة حركة طالبان الاسلامية بحلول شهر آب/أغسطس من العام الجاري.
  • إطلاق سراح 5000 من عناصر الحركة الاسلامية مقابل 1000 من القوّات الحكوميّة في 10-3-2020، ثم الحوار بين الأفغان.

 

الملفت للنظر أنه في الاتفاق المشار إليه تكررت عبارة “إمارة أفغانستان الاسلامية” التي لا تعترف بها الولايات المتحدة كدولة قرابة عشر مرات. وتكرار العبارة بهذا الشكل إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذا إقرار بالواقع المفروض على الأرض واعتراف غير معلن بإمارة افغانستان الاسلامية، ولن يكون الاعتراف الرسمي الأمريكي العلني إلا مسألة وقت، فطبقا لبنود الاتفاق المعلنة -اتفاق انهاء الاحتلال- ستنسحب القوات العسكرية الأمريكية وكل حلفائها ومقاوليها وشركاتها الأمنية من أفغانستان بحلول أغسطس/آب من العام الحالي وبهذا ستتم حلقات سيناريو دحر الغزاة طوعا أو كرها.

نحن نعرف أن بلادنا الدولة الواقعة في قلب آسيا لها تاريخ طويل من الحروب الخارجية حيث يلقبها المؤرخون بمقبرة الامبراطوريات، وهي دوما تهزم الغزاة والمعتدين فهذه الدولة الأفقر في العالم مثلت منعرجا في تاريخ المجتمع الدولي منذ إعلان الحرب الصليبية المسماة الحرب على الارهاب عام 2001، وهي مازالت إلى اليوم تؤكد السجل الطويل من الحروب والجهاد التي خاضتها على مدى تاريخها.

فهذه البلاد استعصت جبالها الوعرة على الاسكندر المقدوني؛ وهزمت الجيوش البريطانية في عز امبراطوريتهم التي لا تغيب عنها الشمس مرتين في القرن التاسع عشر؛كما هزمت الجيش الأحمر السوفياتي في ثمانينيات القرن العشرين شرهزيمة، وكانت سببا في انقراض الشيوعية من العالم. واليوم وبعد اكثر من عقد ونصف من بداية الحرب الأمريكية لم ولن تحسم القوة العظمى الاولى في العالم ومن تحالف معها الأمر عسكريا، وهي في طريقها إلى المصير المحتوم ألا وهو الفشل الذريع في جميع ما كانت تصبو إليه من إرساء الديمقراطية الغربية وإنزال المن والسلوى وإحلال الأمن والاستقرار وطمس هوية الأفغان الاسلامية، وذلك لأجل أن الإسلام دخل إلى بلادنا وكان له تأثير كبير وواضح على حضارتها ومنذ ذلك اليوم يمثل السكان المسلمون في بلادنا حوالي 99 بالمئة من مجمل سكان البلاد. وللدين انعكاس واضح على العلاقات الاجتماعية وجميع نواحي الحياة الأخرى. لكن ميزة تاريخ هذا البلد منذ ما قبل التاريخ أنه يجمع بين الكثير من الحروب والقليل من السلم.

يشهد التاريخ أن الآريون “سكان وسط آسيا”غزوا أفغانستان حوالي 1500ق.م، وأبادوا العديد من سكان البلاد. واحتل الكوشان من آسيا الشرقية أفغانستان. وقد استطاع الساسانيون من فارس دحر الكوشان في القرن الخامس الميلادي. وقد هاجم المغول أفغانستان بقيادة جنكيزخان في القرن الثالث عشر الميلادي، والتيموريون بقيادة تيمورلنك في القرن الرابع عشر الميلادي. وتنافس كل من الصفويين من بلاد فارس، والمغول من الهند، على حكم أفغانستان من منتصف القرن السادس عشر حتى بداية القرن الثامن عشر الميلاديين. وفي عام 1747 توحدت القبائل الأفغانية لأول مرة واستطاعت السيطرة على البلاد تحت قيادة أحمد شاه دوراني ودحرت الغزاة.

وخلال القرن التاسع عشر تنافست بريطانيا وروسيا في السيطرة على أفغانستان، حيث كانت روسيا تسعى إلى مخرج لها يصلها بالمحيط الهندي وبدأت التوسع باتجاه أفغانستان، وبالمقابل كانت بريطانيا تريد حماية إمبراطوريتها في الهند التي كان يهددها التوسع الروسي. وقد غزت الجيوش البريطانية أفغانستان سنة 1839 بهدف الحد من التوسع الروسي في المنطقة، مما أدّى إلى اندلاع الحرب الإنجليزية الأفغانية الأولى التي استمرت حتى سنة 1842، إلى أن تم انسحاب القوات الإنجليزية من أفغانستان تجر ذيول خيبتها. وقد ازداد التأثير الروسي بمحاذاة أفغانستان في منتصف القرن التاسع عشر، مما دفع ببريطانيا لغزو أفغانستان مرة ثانية لتندلع الحرب الإنجليزية الأفغانية الثانية عام 1878.

وفي 7 تموز عام 1979، احتل السوفيات بلاد الآسود وبعد التدخل، لم تستطع القوات السوفييتية بسط سلطتها خارج كابول. وظلت حوالي 80% من مناطق البلاد خارج السيطرة لسلطة الحكومة وتم توسيع المهمة الأولى المتمثلة بحماية المدن والمنشآت لتشمل محاربة قوات المجاهدين المعارضة للشيوعية.

كانت العمليات للقبض على تشكيلات الثوار تمنى بالفشل عادة وكان من الضروري تكرارها في ذات المنطقة أكثر من مرة وذلك لأن المجاهدين كان بإمكانهم العودة إلى مخابئهم في الجبال وإلى قراهم بينما يعود السوفييت لقواعدهم خائبين، وهذا ما يحصل مع القوات الأمريكية والحلف الأطلسي اليوم.

صحيح أن الولايات المتحدة تملك قوة عسكرية كبيرة جدا وهي متواجدة على الأرض لأكثر من ستين دولة وقادرة على التأثير العسكري في اكثر من مئة دولة لكن غزوها لهذا البلد باء بالفشل التام واليوم نحن على أبواب تكرار السيناريو من جديد مع الجيش الأمريكي وحلفائه؛ أي أن انكسار القوات الأمريكية وهي العمود الفقري والركن الأساسي لحلف الناتو في بلادنا بات وشيكا وكما يقول عبد الباري عطوان :أن “الاتّفاق الذي تصفه الإدارة الأمريكيّة بأنّه “تاريخي” هو بمثابة ورقة التوت، لتغطية الهزيمة، والخُنوع لمُعظم، إن لم يكن كُل، شُروط الطرف المُنتَصِر، أيّ حركة طالبان، التي كانت هذه الإدارة، وكُل الإدارات التي سبقتها، ترفض التّفاوض معها باعتبارها حركةً إرهابيّةً، وسُبحان مُغيّر الأحوال”.

وبعد هذا الانجازالتاريخي الهام الجميع يتخيل أن النظام الفاسد حتى النخاع سينتحر وأن العملاء سيصبحوا نسيا منسيا فيما بعد ما خلا إطلالات إعلامية كل فترة، لنسمع عن وفاتهم غرباء عن بلادهم، هذا إذا لم يلاقوا مصير نجيب الله على يد الرجال الأشداء الذين يحكمون السيطرة على البلاد، فنحن بلا شك على أبواب هزيمة نكراء للقوة الأعظم في العالم ودحرها من أرض الجهاد، وهذه الاتفاقية آية شاهدة على ذلك.

ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.