من آثار الاحتلال

نبيل هاشم

 

من المقرر أن يغادر المحتلون بلدنا خلال أربعة عشر أشهر. طبعًا هذا خبر سار لكل أفغاني يرنو إلى الاستقلال والحرية. لكن التفكر في الآثار السيئة التي خلفها الاحتلال على واقع الحياة لدى الشعب الأفغاني، يكدّر صفو العيش على أحرار أفغانستان.

إن من طبيعة الاحتلال أنه يضع آثاره السيئة والسلبية على المجتمعات المحتلة سياسيًا وفكريًا وثقافيًا. لذلك من دأب العقلاء تجنب الاحتلال ومقاومته.

ففي قصة سيىدنا سليمان عليه السلام وبلقيس في القرآن الكريم، كشف الله الستار عن بعض الآثار السلبية التي يتركها الاحتلال على البلاد المحتلة. مع أن سليمان عليه السلام كان نبيا والفرق بين نبي مهاجم ومحتل مهاجم كما بين السماء والأرض. عندما وصلت رسالة سليمان إلى بلقيس، عقدت الأخيرة اجتماع لاستشارة وزرائها، فاتفقت كلمة الجميع على الصمود أمام سليمان عليه السلام؛ لما كانوا يملكونه من قوة حربية واقتصادية. لكن بلقيس ألقت رأي الجميع ورجحت التسليم على الصمود أمام جيش سليمان عليه السلام، وعللت موقفها بأن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، مع أن سليمان كان نبيا والأنبياء لايأتون إلا بالخير.

إن تاريخ الحروب والصراعات الدامية يخبرنا بأن بعض هذه الحروب لم تغير الثقافات والسياسات فحسب، بل غيرت مجرى تاريخ الأمم والشعوب. فتأثر الشعوب من الاحتلال رغم المقاومة أمر طبيعي.

بادئ ذي بدء، سيغادر المحتلون بلدنا وسيخلّفون وراءهم بلدًا يعاني من وطأة الأزمات الأمنية والسياسية والثقافية. ولو ألقينا نظرة عابرة على بلدنا؛ فسوف نجد أن آثار الاحتلال تغلغلت في أحشاء المجتمع وتسربت إلى جميع المجالات. ولايمكن اقتلاع جذور فساده إلا بعزم قوي لا يعرف الملل.

وإليكم بعض المجالات والميادين المتأثرة من الاحتلال:

المجال الفكري: إن أعداء الإسلام  قديمًا أدركوا أهمية قلعة فكر المسلم، ويرون جميع تضحيات شبابنا نابعة من الفكر الإيماني السليم؛ لذلك نرى أن قلعة فكر شبابنا هي الهدف الأول في جميع هجماتهم. ومع الأسف خلال سنوات الاحتلال استخدموا أساليب مختلفة ومتنوعة لتغيير فكر الشعب الأفغاني، ولكن الله سلّم وحفظ أكثر شبابنا من مكائدهم.

هنالك جمع لا بأس به من الشباب المدعين للوعي والثقافة تأثروا من الاحتلال فكريًا. فهم ينظرون إلى الغرب نظرة إجلال واحترام، فهم بسبب ترعرعهم في البيئات التي يسيطر عليها الاحتلال، مولعون بالاحتلال ومعتقدون بتفوق الغرب حضاريًا وثقافيًا وعسكريًا. في وجهة نظر هؤلاء لايمكن للإسلام أن يقود البشرية في هذا العصر.

مع الأسف هؤلاء هم المسيطرون على مراكزنا التعليمية والثقافية حاليًا. إنهم لا يتطلعون في الاستقلال أبدًا. إن حب المحتلين وكراهية الاستقلال، أشد خطر يهدد مستقبل بلد.

 

المجال التعليمي: لاريب أن التعليم هو العامل الأساسي لتربية الأجيال، إذ لا يمكن تربية جيل مؤمن واعٍ إلا بنظام تعليمي تحركه روح الإيمان والأخلاق. وكلما بعد النظام التعليمي عن القرآن والسنة، بعد جيلنا عن هذين المصدرين الصافيين. وقد أدرك الغرب والشرق وجميع الأحزاب والحركات أهمية هذا السلاح النافذ، فالمحتلون منذ بداية حضورهم في أفغانستان، أولوا عناية بالغة بالتعليم وصياغته وفق ما يريدون، وقد قلبت هذه الصياغة والدس النظام التعليمي وجعلته يوافق المنهج التعليمي الغربي. أما الجيل الذي تعلم من هذا المنهج فهو لا يعرف من الإسلام إلا إسمه ومن القرآن إلا رسمه، يعلم عن الجنة والنار والآخرة كثيرا ولايؤمن بها، يحب الفجور والخلاعة ويميل إلى تعاطي الخمر وأنواع المعاصي ولا يهتم بوقته، جيل متحرر يفكر بعقلية غربية.

إن جميع الخبراء في مجال التعليم أدركوا مدى تأثير المحتلين على النظام التعليمي الحالي.

وإنه من الإنصاف أن نعترف بأن هنالك كثير من شبابنا المتعلمين في المدارس والجامعات قد حافظوا على دينهم وعقليتهم.

 

المجال الثقافي: إن ثقافة بلدنا مزيج بديع من الثقافة الإسلامية والأفغانية. وقد استهدف المحتلون في باكورة الاحتلال ثقافتنا، واستخدموا في هذا الصراع الإعلام وجميع الإمكانيات المتوفرة. بدأوا هذا المشوار بتغيير لباس التلاميذ في المدارس، ورغبوا النساء على ترك الحجاب، وبثوا مسلسلات ترغب الفتيات في الفرار من البيت. ورغم تمسك شعبنا الأبي بتعاليم دينه وثقافته الغنية، إلا أنّ بعض شبابنا وشاباتنا قد تأثروا من دعايات المحتلين. إن ترويج الغناء والسفور ونشر الدعارة والخلاعة وتكثير المواخير، بصمة يسيرة من بصمات الاحتلال في بلدنا الحبيبة.

 

المجال الأخلاقي: إن الأخلاق الحسنة تيجان الشعوب، وحظ شعبنا منها وافر جدا؛ لأن ديننا وثقافتنا الأفغانية تؤكد على ذلك. أما اليوم وبعد تسعة عشرة عاما مضت من الاحتلال، فإننا نواجه جيلا متحررا من القيود الأخلاقية والإيمانية، وخير مثال على ذلك؛ الفساد المنتشر في الإدارات، والاعتداء على حقوق المرأة، وماهذا إلا جانب آخر من آثار الاحتلال السلبية على بلدنا.

المجال الأمني: إن مرد جميع الحروب الطاحنة في بلدنا إلى المحتلين وعملائهم الخونة، حيث قتل وجرح عدد كبير من شبابنا خلال سنوات الاحتلال. وفوق ذلك أحيا المحتلون النعرات القومية وهددوا بذلك أمن البلاد، وما الخلافات الأخيرة بين قادة حكومة الاحتلال إلا من نتائج إحياء النعرات القومية في بلدنا. ومن الواضح للجميع أن فتنة داعش أحد جراثيم الاحتلال الأمريكي في بلدنا.

كما أن أوضاع الأمن المتأزم بلغ الذرى، إذ لا يمكن لكثير من الناس السفر إلى المحافظات عبر الحافلات والسيارات خوفا من السارقين وحتى من الشرطة.

 

خلاصة القول أن جميع نواحي بلدنا تأثرت من الاحتلال. وإن تطهير البلاد من آثار الاحتلال لا يمكن إلا بعزم جهادي لا يعرف الراحة والتقاعس. لذلك أخطأ من يزعم أن الاحتلال انتهى بتقليص الجنود، بل إن العملية الحقيقية للقضاء على الاحتلال، ستبدأ بعد مغادرة المحتلين للبلد.

إن مسؤولية العلماء والدعاة وقادة النظام الإسلامي القادم في هذا المجال كبيرة وثقيلة جدا. كما أننا هزمنا العدو المحتل في الميدان العسكري والدبلوماسي، سنهزمه في ميدان الصراع الفكري والثقافي والأمني. إن شاء الله وماذلك على الله بعزيز.