الإمارة الإسلامية.. أنموذج للوحدة المثالية

غلام الله الهلمندي

 

لا يخفى على الباحث في الشؤون الأفغانية أن “حركة طالبان” التي أصبحت – فيما بعد – الإمارة الإسلامية منذ أن أبصرت النور حرصت على توحيد صفوفها، وهذه الميزة تعدّ من مزاياها الأساسية. إنها تحرص على هذه الاستراتيجية المميزة، وتؤكد على الوحدة والائتلاف، وتؤكد على نبذ الخلاف.

إن الإمارة الإسلامية ترفع راية واحدة، وتحمل نشيدا واحدا: “الله أكبر” وتحمل عقيدة واحدة: “لا إله إلا الله” وتمضي نحو هدف واحد، وتملك صفًا واحدًا، وتملك قيادة حكيمة رشيدة، وتملك مبدأ ثابتا، وتملك سياسة واحدة موحدة صادقة واضحة تمامًا تجاه الشؤون الداخلية والخارجية، لم تشق الفُرقة طريقها إلى صفوفها أبدًا، مهما حاول الإعلام أن يفبرك الإشاعات (كما يقولون) ويُثبِت بدون دليل بأن هناك انقسامات داخلية، حاول الإعلام مرارًا أن يحجب الشمسَ بالغربال دون جدوى.

إن وحدة الصف دون شك من أهم أسرار صمود الإمارة الإسلامية ونجاحها في هذه الطريق الطويلة الشاقة، ومن هذا المنطلق لم ولن تسمح الإمارة الإسلامية لحركة جهادية أخرى بالقتال داخل أراضي أفغانستان إلا تحت مظلتها، مهما كانت هي من أبناء الشعب الأفغاني، لأن تعدد الرايات والقيادات والأحزاب في معركة واحدة سيؤدي إلى التفرق والانقسام كما العادة، مثلما أدى ذلك إلى حرب أهلية شاملة عمياء في ما بين أمراء الحرب بعد انسحاب السوفييت، وهذه تجربة مرة جانبتها الإمارة الإسلامية في تاريخها، ولا زالت تجانبها. لقد اجتنبت الفُرقة دومًا، فإن الفُرقة تؤدي إلى الوهن والضعف في الصفوف، وتستأصل شأفة أي حركة، “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم” [الأنفال 46].

وما أجمل قول الشاعر:

تأبى العصيُّ إذا اجتمعن تكسراً            وإذا افترقن تكسرت آحاداً

 

كاد أن يعترف بهذه الميزة العدو قبل الصديق، والقاصي قبل الداني. استطاعت الإمارة الإسلامية أن تحافظ على وحدتها رغم الجهود القصوى التي بذلها المحتلون والعملاء لأجل إيقاع الفُرقة في صفوفها طوال الـ 19 سنة.

ومن المستغرب أنه لا يوجد لدى الإمارة الإسلامية نظام للعضوية، ورغم ذلك فإنها حركة موحدة ثابتة متماسكة للغاية داخليا، ويرجع ذلك إلى خلفية فكرية موحدة لدى عناصرها، فإن عناصر الإمارة الإسلامية مخلصون لعقيدتهم ومقتنعون بفكرتهم، إنهم يعتبرون الخلاف وشق عصا المسلمين معصية شرعية وخيانة وطنية، ويعتبرون طاعة الأمير عبادةً، إنهم يأخذون حرارتهم وحياتهم من نبع واحد، وهو الإيمان بالله تعالى، فهذا الشعور الطيب بالطبع يلعب دورًا هاما في  تأمين الاستقرار الداخلي للإمارة الإسلامية.

إن الإمارة الإسلامية كما علّمت الأمة الصبر والثبات على جادة الحق، والنضالَ لأجل الشريعة والحرية، علّمتها الاعتصام بحبل الله، علّمتها الوحدة، وحدة الصف، ووحدة الراية، ووحدة المنهج، ووحدة القيادة، إنها أسوة في ذلك لجميع الفصائل الجهادية، والأحزاب السياسية، بل لجميع أحرار العالَم.

أما حكومة كابل فلم تكن موحدة أبدًا، فالحكومة التي جاءت على متن الطائرات لن تستطيع تأمين الأمن والاستقرار للبلاد، فإن التدخل الأجنبي قد ينجح في تغيير النظام، ولكن لا ينجح بالضرورة في فرض النظام المعني، وتأمين الاستقرار.

إن حكومة كابل قد انتهجت طوال تاريخها سياسة غامضة مظلمة، فهي تعاني من أزمة ثقة وانقسامات داخلية واختلافات حادة، ولكن في الآونة الأخيرة أصبحت أكثر تحارباً وانقساما من ذي قبل، فأشرف غني وعبد الله المرشحان للانتخابات الرئاسية يحاربان من أجل السلطة، تماما مثل ذئبين جائعين يقاتلان على فريسة لا يملكانها، كلاهما يحسب نفسه فائزا في الانتخابات، ويعقد حفلا لتنصيبه المزعوم، كلاهما يتهم صاحبَه بالخيانة الوطنية، والحقيقة أن كلا منهما خاسر في الانتخابات وخائن للوطن، لم يفز أحد منهما، فإن الشعب الأفغاني الحر يرفض كليهما، فهو لن يرضى أبدا بهذه الأوضاع المأساوية التي تقود البلاد إلى الانقسامات والحروب الداخلية وربما تقسيم الأراضي. إن كل شبر بل كل سنتيمتر من هذا التراب مقدس وخط أحمر بالنسبة للشعب، ومجرد التفكير بتقسيم الوطن يساوي اللعب بالنار بالنسبة للشعب. وهذه لعبة سياسية، يحاول البعض أن يُنشِب بذلك حربا أهلية عرقية (لا سمح الله) في ما بين الأفغان.

والشعب الأفغاني الصامد على أرضه في قلق متزايد من هذه الأوضاع المتأزمة التي ربما تؤدي إلى سقوط البلاد في براثن حرب أهلية أخرى، وربما إلى تقسيم الأراضي، والأملُ الوحيد الذي يسرّ الشعب هو عودة الإمارة الإسلامية إلى السلطة، فإن الإمارة الإسلامية هي القوة الوحيدة التي تملك تجارب واسعة في توحيد الأراضي الأفغانية والقضاء على الخلافات الأهلية والانقسامات الداخلية، وهي القوة الوحيدة التي تعشق التراب الأفغاني وتعتبره مقدّسا وتحسب المساسَ بمصالح الوطن والشعب جريمة لا تغتفر، وكذلك تملك الإمارة الإسلامية تجارب في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وإعادة الأمن والاستقرار، وفتح الطريق إلى الازدهار، والقضاء على الفساد الإداري والمحسوبية، والقضاء على الفساد الأخلاقي، والقضاء على زراعة المخدرات، وزرع الأمل في قلوب المستضعفين، وما إلى ذلك من إنجازات قد يطول ذكرها.

في عام (1992) بدأت حرب داخلية بين الفصائل الجهادية المختلفة المحاربة ضد السوفييت، بدأت الفصائل تقضي على شجرة الجهاد التي غرسها المخلصون قبل أن تأتي بثمارها، واستمرت الحرب بين الفصائل لسنوات حتى جاء المخلصون في شكل “حركة طالبان”، عندما دخلت طالبان العاصمة كابل، كانت البلاد منزلقة في حرب أهلية واسعة النطاق، وكانت ممزقة تسودها الفوضوية، وسفك الدماء، وكانت مقسّمة إلى مناطق مستقلة خاضعة لسيطرة أمراء الحرب، جاءت الحركة وفرضت سيطرتها على معظم البلاد، واتخذت خطوات حثيثة حاسمة على طريق الاستقرار الداخلي، ووحدة الأراضي.

وبناءً على ما وقع الآن في البلاد من الفوضى والبلبلة والحيرة يبدو أنه قد حان موعد القضاء على العملاء، العملاء الخونة لوطنهم وشعبهم، والأوفياءِ لأسيادهم، العملاء الذين باعوا دينهم ووطنهم، وتربعوا على سدة الحكم رغما عن الإرادة الشعبية.