حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (الحلقة 20)

أ.مصطفى حامد (أبوالوليد المصري)

 

معركة طريق زدران كما يرويها حقاني:

♦ رد حقاني قائلاً: “لن نتركهم حتى الربيع والصيف لأن أفضل وقت لضربهم هو الآن”.

♦ انهار الوضع بطريقة مأساوية لأن الناس تركوا الجهاد وكرهوا المجاهدين والأسلحة.

♦ خسر الروس 300 قتيل والجيش الأفغاني 200 قتيل، وعدد شهدائنا كان 100.

♦ استخدم العدوّ المساجين كدروع بشرية لفتح ثغرات في حقول الألغام.

♦ أحضر الروس قوات من سيبيريا للقتال في مناطقنا الثلجية. قوات العدو كانت غزيرة جدًّا وتملأ كل وادٍ وتل، مع إمدادات غزيرة.

♦ نصحني حقاني بعدم الكتابة عن تفاصيل موقف الأحزاب من المعركة .. لماذا ؟؟

♦ ادّعى السوفييت أنها أول حملة يشاركون فيها، والتلفزيون السوفيتي يتابعها لأول مرة.

♦ الإذاعة البريطانية تدعي وجود 50 خبيرًا أمريكيًا مع المجاهدين، من بينهم صديقنا عثمان الصعيدي.

 

الجمعة 8/يناير/88

عاد إلى ميرانشاه الدكتور “محمد حسن” الذي كان يعمل في نقطة الإسعاف العربية في “نكا” وأخبرنا بأنه قابل في الطريق كل من أبوخالد وأبوحفص وأبوجهاد والآخرين. بعد صلاة العشاء ذهبت مع عبدالرحمن وآخرين لمقابلة حقاني، وكان هناك تميم العدنانى الذي يحرص على ملازمة الشيخ، ومساعدته في مقابلة العرب وجمع التبرعات له. وأخيرًا وصل الشيخ حقاني والضمادات تحيط بركبته ولكنه يستطيع المسير بصعوبة نسبية، كتبت فى مفكرتي عن حقاني في ذلك اللقاء: 

سلمنا عليه، كان مرهقًا… ويبدو محطمًا بشكل لم أشاهده من قبل… لكنه كان نشط الذهن متجلدًا…بدأنا في حديث مطول حول ما دار في تلك المعركة، أخذت أسجل كتابيا ما يقول حقاني، بينما اعتنى عبدالرحمن بتسجيل الحديث في شريط كاسيت مازلت أحتفظ به إلى الآن. يقول حقاني عن تلك المعركة: جمع الشيوعيون قوات ضخمة روسية وأفغانية بهدف فك الحصار المضروب حول خوست منذ ثمانية سنوات ونصف السنة، ومنذ ثمانية أشهر قبل الحملة الأخيرة، كان مطار خوست يقصف بواسطة المدفعية والصواريخ فاشتد الحصار على المدينة. بدأت المعركة في جبال “ستي كندو”، ولكن القصف الجوي والمدفعي طال كل قرى المنطقة، والتي كانت آمنة من القصف منذ مدة طويلة، فقتل عدد كبير من النساء والأطفال، وانشغل المجاهدون بنقل عائلاتهم إلى خارج المنطقة في ظل ظروف الشتاء القاسية والثلوج المتراكمة.

وكان أمرًا صعبًا أدّى إلى نقص كبير في عدد المدافعين عن المنطقة. ويواصل حقاني: لقد وصلت إلى أرض المعركة بعدما كانت القوات الشيوعية قد صعدت جبل “ستي كندو” ورغم كثافة تلك القوات وضعف المجاهدين إلا أن العدو لم يستطع التقدم لمسافة تذكر، وبات مصير الحملة مهددًا، إلى أن قام العدو باستعمال طريق فرعي داخل الجبال يبدأ من منطقة سيد كرم في جرديز وينتهي في منطقة تدعى” ميرجان دكان” على الطريق الرئيسي خلف منطقة سرانا. وبهذا تخطى العدو نقاط مقاومتنا القوية وأصبحنا نحن مطوقين أو مهددين من جهتين، وبدأ موقفنا يضعف وهاجمنا العدو أرضيا من جهتين وضغط علينا إلى داخل سرانا وأبعدنا عن الطريق الرئيسي فاستطاع أن يستخدمه. وأثناء مروره من الطريق الفرعي المذكور دفع أمامه مجموعات من المساجين السابقين الذين اسخدمهم دروعًا بشرية تمر أمامه في الطريق خوفًا من الألغام أو كمائن المجاهدين، ذلك بالرغم أن الطائرات قد قصفت المنطقة بكثافة كبيرة حتى أن السكان هجروها بالكامل. وكان هناك عدد من الجواسيس وعملاء العدو سهلوا له العملية كلها، وأرشدوه الى الطريق وأعلموا الروس بعدم تواجد قوات للمجاهدين يمكنها تهديد القوات المتقدمة. بالنسبة لخسائر العدو في تلك المعارك فهي ليست معلومة لنا بدقة حتى الآن، فالجنود الأسرى لايعلمون سوى بخسائر وحداتهم، بينما ساحة المعركة واسعة جدًا ومدة المعركة كانت طويلة. أكثر الخسائر البشرية، كما شاهدنا، كانت في الجنود الروس لأنهم جاهلين بالمنطقة، ولم يتعرفوا على تكتيكات المجاهدين في القتال ومواقع حقول الألغام التي زرعناها. ونحن في انتظار أخبار تأتينا من كابول حول خسائر العدو من المتعاونين معنا هناك، والآن يمكنني تخمين أن الروس خسروا 300 قتيلًا والجيش الأفغاني خسر 200 قتيلًا. وكنا قد حصلنا على قائمة بحوزة ضابط روسي قتيل تحتوي على أسماء من قتلوا من وحدته وكانوا 85 شخصًا.أما عدد الشهداء عندنا فلا يزيد عن مئة شخص.

 

– لقد أسقطنا للسوفييت خمسة طائرات من بينها 3طائرات ميج، وطائرة هيلوكبتر واحدة، وطائرة نقل واحدة ، كما دمرنا لهم مابين 70 إلى 75 آلية مابين سيارة ودبابة، وحطمنا له مابين 25 /30 مدفعاً نتيجة هجمتين لنا على معسكر المدفعية في جارديز (قرب قرية غلجاى). عن القوات الشيوعية التي شاركت في الحملة، قال حقاني:

إنّ الفكرة عنها ليست كاملة ولكن ماهو معروف أن القوة تشكلت من فرق أفغانية مختلفة، مع قوات روسية كانت هي الأغلبية من قوات الحملة. وقد شاركت قوات روسية قدمت خصيصاً من منطقة “سيبريا” حتى تكون قادرة على العمل في منطقتنا الباردة والجليدية في ذلك الفصل الشتوي.

أما الفرق الأفغانية التي شاركت بعض قطاعاتها في الحملة فهي: فرقة غزني”فرقة 14″، فرقة جرديز”فرقة12، “و الفرقة السابعة، وفرقة قارغاه “فرقة 8” ، مع قوات روسية من كابول وغزني وجرديز. ويمكن القول بأن القوات كانت كثيفة جدًا بشكل غير عادي وكانت تملأ كل وادٍ وتل، مع إمدادات غزيرة. بالنسبة للموقف الآن فإن المجاهدين من أهل المنطقة مازالوا يواصلون عملياتهم ونأمل أن يتمكنوا من تنظيم صفوفهم، والعدو لم ينشئ مواضع دفاعية “بوسطات” على الطريق ولكن فقط نقاط حراسة. ولا ندري المدى التي ينوون الاحتفاظ فيه بالطريق لأنه مشكلة كبيرة عليهم، ويكفي أن تعلم أنهم خلال 37 يومًا من القتال لم يستطيعوا أن يخترقوا الطريق. ولكنهم عندما هاجموا مراكزنا “سرانا” شغلونا وفتحوا نصف الطريق في يومين.

وللأسف فإن مجاهدي المنظمات الأخرى قد هربوا وتركوا المنطقة خالية وهذا هو السبب الرئيسي لفتح الطريق.

 

عن كمية الإمدادات التي وصلت إلى خوست فهي غير معلومة لأن العدو يسير بها ليلاً في قوافل من السيارات مطفأة الأنوار حتى لا نعلم حجمها. وتوقع حقاني أن يكون من أهداف القوة الشيوعية طرد المجاهدين من مراكزهم حول خوست لتأمين المدينة، ثم الوصول إلى القواعد الرئيسية خاصة جاور كما يمكنهم قصف ميرانشاه للضغط على باكستان حتى تتدخل لتقييد نشاط المجاهدين كما يحدث في منطقة “طورخم” الحدودية على طريق بشاورـ جلال آباد. قلت لحقاني أنه في الظروف الحالية يبدو أنه غير ممكن عمل شيء كثير ضد القوة بسبب الشتاء، واضطراب المجاهدين وبالتالي فإن القتال الرئيسي سوف يكون في الربيع والصيف، فما هي فكرته حول المعارك القادمة؟

رد حقاني قائلاً:” لن نتركهم حتى الربيع والصيف لأن أفضل وقت لضربهم هو الآن، لأنهم مازلوا يجهلون المنطقة بينما نعرفها نحن وإذا تركناهم فسوف يتعرفون على المنطقة جيداً وعلى حقيقة أوضاع المجاهدين، وسوف يقيمون نقاطًا منيعة لحماية الطريق، بينما حراساتهم على الطريق الآن مازالت ضعيفة”.

 

وفي الأمس ضرب مجاهدونا قوافل العدو على الطريق، وقد ظل العدو يقصفهم بالمدفعية طوال الليل. وسألت حقاني:” لكن لماذا لم يحاول المجاهدون مهاجمة خوست والاستيلاء عليها قبل تلك الحملة ؟”. أجاب قائلاً: “كانت دفاعاتها ما تزال قوية، وبها قوات روسية وأفغانية وأرضها منبسطة لا تناسبنا في ضعفنا الراهن”.

 

– ثم سألت حقاني: هل لهذه المعركة صلة بالوضع السياسي لأفغانستان؟ فأجاب قائلا:

بالطبع لقد اهتمّ السوفييت بهذه الحملة أكثر من أي حملة أخرى في حرب أفغانستان حتى أن وزير خارجيتهم كان يدلي بتصريحات حولها. وكانت أول معركة يتابعها التلفزيون السوفيتي بالصورة والخبر. وأدعوا أن هذه أول معركة يشاركون فيها!

وأعلن السوفييت أن خمسين مستشارًا أجنبيًا كانوا يقاتلون إلى جانب المجاهدين. ويبدو أنهم نقلوا ذلك عن الإذاعة البريطانية التي ذكرت أن خمسين خبيرًا أمريكيًا كانوا مع المجاهدين، وأن واحد من هؤلاء المستشارين قد أسر، ويدعى عثمان، واثنان آخران قد قتلا. “ملحوظة”: (عثمان المذكور هو صديقنا عثمان الصعيدي وقد تعرفت عليه بعد المعركة بعدة أشهر، والذي حدث هو أنه كان ضمن مجموعة من العرب في سرانا، وقد ضل طريقه مع اثنين آخرين من العرب. وأبلغ المجاهدون بالمخابرة أن الثلاثة قد فقدوا وأنهم عثروا على جثة اثنين منهما وأن عثمان ربما يكون قد أسر.

ولكن صديقنا عثمان، الشاب الصعيدي الظريف لم يأسر أو يقتل قط طوال حرب أفغانستان. كما أنه ليس أمريكيًا ولم يشاهد أمريكا طوال حياته، وكان يفخر دائمًا بقوله بأنه مسلم من “صعيد ستان”. وكان أول من اخترع ذلك الإصطلاح. أما مراسل الإذاعة البريطانية في ميرانشاه، وهو أفغاني، وكان على صلة ممتازة بعمال أجهزة اللاسلكي لدى مكاتب المجاهدين، وكانوا أهم مصادرة الخبرية، وذلك مقابل مبالغ نقدية جيدة، المراسل النشيط سمع بالخبر فأضاف إليه التوابل المناسبة مثل وجود خمسين مستشارًا أمريكيًا وربما كان يقصد العرب في منطقه “ساتي كندو” و”سرانا”.

وقال أيضًا بأنّ عثمان كان يدرب المجاهدين على استخدام صواريخ “ستنجر”، وهذا غير صحيح قطعًا لأن صديقنا عثمان لم يلمس في حياته ذلك الصاروخ ناهيك عن استخدامه).

 

عن ملاحظاته حول الأسلحة التي استخدمتها القوات الشيوعية في حملتها تلك قال حقاني:

” لقد استخدم السوفيت حوالي ألف قطعة مدفعية وقد استخدموا في بعضها ذخائر انشطارية، وكذلك قنابل طائرات عنقودية، بعض أنواع المدافع كان جديدًا ويستخدم لأول مرة ومن عيارات كبيرة طويلة المدى مثل عيارات 150مليمتر، 170 مليمتر”. فسألته: ولكن لماذا انهار الوضع بهذه الطريقة غير المتوقعة؟ فأجابني قائلاً: السبب الأساسي في ظني هو أن الناس تركوا الجهاد وكرهوا المجاهدين والأسلحة.

في اليوم التالي وضعت نفسي داخل أحد الباصات العامة في طريقي إلى إسلام آباد. كنت في حالة نفسية كمن وجد نفسه في غياهب “بحر الظلمات”. سحبت أوراقًا من جيبى كتبت فيها الملاحظتين التاليتين تعبيرًا عن مشاعري وقتها. قلت في الملاحظة الأولى:

– “أكثر الرجال نبلاً وشجاعة هم هؤلاء الذين يجدون في أنفسهم القدرة على خوض حرب عادلة تمامًا، ولكنها يائسة”. أما في الملاحظه الثانيه فقد جاء فيها : “أجد نفسي في موقف يشبه موقف جلال الدين حقاني، مع الفارق، فكلانا هزمه أصحابه”.

 

الانسحاب المفاجئ

فجأة انسحبت القوات الشيوعية، وتركوا حتى مرتفعات “ستي كندو” الاستراتيجية وتم ذلك الانسحاب في 24 يناير 1988. أتعجب من حماقة هؤلاء الروس، يقدمون أثماناً باهظة وخسائر جسيمة فى مقابل مكاسب تافهة هاهم الآن قاتلوا “37” يوماً في مقابل استخدام الطريق لمدة 24 يوما فقط، أي أنهم قاتلوا يومًا ونصف في مقابل كل يوم استخدموا فيه الطريق!!. وفي معركة “جاور” عام 86 قاتلوا لمدة شهر تقريبًا كي يمكثوا في القاعدة يومًا ونصف أي أنهم قاتلوا عشرين ساعة في مقابل كل ساعة مكثوها في جاور! لماذا ؟؟ كم أهدروا في هذه المعارك وأمثالها من أرواح الجنود وآلاف الأطنان من العتاد والمهمات في مقابل لاشيء تقريباً. لاعجب إذن أنهم خسروا الحرب . فالحرب لايكسبها من يفكر بحذائه بدلاً من عقله. ولننظر إلى الرابح الحقيقي في تلك الحرب، وهم “أصدقاؤنا” الأمريكان. لقد كسبوا الحرب ولكنها لم تكلفهم سنتاً واحداً.

لأن “المملكة” دفعت كل الفواتير. كما لم يريقوا فيها قطرة دم واحدة، لأن الأفغان و”المتطرفون” العرب أراقوا ما يكفي وزيادة.

بينما ربح الأمريكان الأذكياء ليس حرب أفغانستان فقط ولكن نفط الخليج، واحتلوا جزيرة العرب، مهبط الوحي، ومن ثم سيطروا على العالم أجمع كقوة قاهرة فوق كل الخلائق!!. لقد خسر الروس لأنهم فكروا بأحذيتهم بينما نحن سحقتنا تلك الحرب لأننا لم نفكر أصلاً. فكما قال بعض إخواننا من حكماء الحركة الإسلامية “إن التفكير يناقض الإيمان!!”. ولله في خلقه شؤون، فلا عجب فيما يحدث لنا الآن.

 

31 يناير 1988

في الثامنة والنصف صباحًا في اليوم الأخير من يناير قابلت حقاني في غرفته المخصصة لاستقبال ضيوفه المرتبطين معه بأعمال. قال حقاني: إن سلسلة من الاجتماعات تبدأ اليوم بين قادة المجاهدين في خوست، وبين قادة الأحزاب أيضًا ، وذلك لمدة يومين. والموضوع الرئيسي فى الاجتماعات المنتظرة هو تشديد الحصار حول خوست. أما بالنسبة “لجرديز” فإن الثلوج تمنع حاليًا تصعيد العمليات حولها. المفاجأة التي لم أتوقعها هو ما قاله حقاني من أن أوضاع خوست سيئة، فلم يتم تعزيز القوة المدافعة عنها بأفراد أو معدات جديدة!!. أما كمية الإمدادات التي وصلت فهي غير معلومة، ولكن المعنويات هناك منخفضة وتوترت العلاقه بين العسكريين وبين المدنين. فالأهالي بدأوا يهاجرون بعد أن سخطوا على الحكومة التي لم تطهر نطاق المدينة الخارجي من مجموعات المجاهدين التي مازالت تقصفهم بالقنابل. وقد كانوا يتوقعون من القوة التي وصلت أن تحل تلك المشكله نهائيًا ولكنها جاءت وغادرت فجأة بدون أن تفعل شيئاً.

كان واضحاً أن الروس يريدون فقط تسجيل أنهم إستطاعوا الوصول إلى خوست، والاستفادة من ذلك سياسياً، ولكنهم لم ينفذوا أي برنامج عسكري لتحسين أوضاعهم في المنطقة. فلم يطهروا ماحول خوست من مراكز للمجاهدين، وقواعد قوية مثل جاور، كما لم يحاولوا إغلاق المنافذ الحدودية التي هى قريبة نسبياً مثل “صدقي” و”غلام خان”.

 

– من المفجآت الجديدة التي أوردها حقاني، وصول أنواع جديدة من الأسلحة للمجاهدين، سوف يتم “تجربتها”ضد خوست، حيث أن الطريق المؤدية إلى داخل أفغانستان مغطاة بالثلوج. ومن الأسلحة الجديدة التي وصلت كانت مدافع ميدان صينية من عيار 85 مليمتر.

وذخائركثيرة لمدافع الميدان الروسية التي بحوزة المجاهدين، من عيار 122 مليمتر. كذلك صواريخ من نفس العيار ذات مدى 20كيلومتر، 30كيلومتر. وهي صواريخ كان لها دور كبير وبارز منذ ذلك الوقت حتى نهاية الحرب. واضح من الأسلحة الجديدة أنها تجهيزات لحصار المدن، وقصفها من خارج نطاقها الدفاعي الذي يصل في بعض الحالات إلى 30 كيلومتر كما هو الحال في كابل. والصواريخ الجديدة هو صواريخ “صقر” مصرية الصنع. مع أعداد محدودة من قواذف رباعية لتلك الصواريخ من صناعة الصين. وكما ذكرنا فقد كان سلاحاً فعالاً اعتمد عليه المجاهدون كثيراً لدرجة طمست عندهم الرغبة في اقتحام المدن.

ناهيك عن أوامر الاستخبارات الباكستانية، التي لا يمكن تجاوزها، والتي تقضي بعدم محاولة الاقتحام، مع الضغط على المدن بالقصف الصاروخي والمدفعي، طبقاً لبرنامج تحدده الاستخبارات الباكستانية بما يتوافق مع المصالح الأمريكية وحالة الضغط المتبادلة بين واشنطن وموسكو. – وقد وصل إلى المجاهدين أيضاً كميات محدودة من صواريخ ميلان الفرنسية المضادة للدبابات. – كما وصلتهم “الأفعى المتفجرة” لفتح ثغرات في حقول الألغام، ولكن بعدد محدود جداً كما أنها لم تكن عملية. عن الوضع المالي المترتب على المعركة قال حقاني بأنه مازال مديناً. فقد كلفته المعركة كثيراً خاصة النقليات، فالمسافات بعيدة، والبرد والثلوج تضاعف المشاكل أما خطورة القصف وأحوال الحرب فقد جعلت أصحاب السيارات يبالغون كثيراً في أسعار النقل. فعلى سبيل المثال كان إيجار سيارة بيك آب من نقطة الحدود عند “بغر” وحتى “نكا” تكلف أربعة آلاف روبية باكستانية.

هذا لنقل الأشخاص، أما نقل الذخائر، فإن صاروخ كاتيوشا واحد كان يكلف نقله من بغر إلى نكا ألفي روبية باكستانية. (كان سعر الصاروخ وقتها في سوق السلاح خمسمائة روبية فقط! أما بعد نهاية الحرب فقد كان التجار يجمعونه من” المجاهدين” بسعر خمسين روبية!! وهو سعر الحديد الذي يحويه الصاروخ!! ولاعجب!!).

قال حقاني إن مساعدات وصلته من رابطة العالم الإسلامي والهلال الأحمر السعودي، وكذلك تميم العدناني الذي بذل جهداً كبيراً في جمع التبرعات من الداخل والخارج، أما أبوعبدالله (اسامة بن لادن) فلم يقدم مساعدات له.

 

– أخبرني حقاني أيضًا أنه فور وصوله إلى ميرانشاه، بعد إصابته طلب الرئيس ضياء الحق مقابلته. فقال لهم حقاني إنه سيفعل لو أن فترة بقائه في باكستان زادت عن أسبوعين، لأنه ينوي العودة إلى زدران مرة أخرى، ولما ظهر له الآن أن فترة بقائه سوف تطول فقد طلب منهم تحديد موعد المقابلة.

 

– في نهاية الحديث أخبرت حقاني عن استعدادي للعمل في مجلته المنشودة على أن تكون صوتًا للمجاهدين في مواجهة الكاذبين في بشاور، أسعده ذلك. ولكني قلت له إنني لن أكتب في المجلة لأن كتاباتي سوف تسبب لكم المشاكل، فضحك من ذلك. ثم استشرت حقاني حول كتابة ونشر قصة وتفاصيل المعركة الأخيرة، وموقف الأحزاب منها، فقال إن الضرر الذي سينتج من ذلك العمل هو أضعاف الفوائد الناتجة عنه، لعدة أسباب: أولاً: إنّ العدو سوف يستفيد من ذلك كثيرًا لأنه يعرف أنك تكتب من داخلنا. والسبب الثاني: هو أن زعماء الأحزاب سوف ينسون معركتهم مع الروس وسوف يتوجهون بالحرب ضدك مباشرة لأنك فضحتهم وسوف يصورون المسألة للناس على أنك عميل للروس، وقد جئت إلى هنا كي تكذب على قادة الجهاد وتوقع بينهم. وافقته على ماذهب إليه، فقد كان رصيد تجاربي السابقة يؤيد ما يقول.