صورة أرشيفية

­­­الغربيون السفّاحون

إعداد وترتيب: أبوعبدالله

 

لقد ابتلعت الحضارة الغربية الوافدة في مشهدها المعاصر طُعْمَ الداروينية بوعي أو بغير وعي، فأضحى مبدأ الصراع مبدأ فاعلًا، وصار قانونُ بقاء الأصلح أمرًا حاكمًا، وأصبح الموت هو محرّك التقدّم والتطوّر، فإمّا أن تفترس غيرك، أو تكون الفريسة، وهو أمرٌ وثّقه “تشارلز دارون” نفسه في مذكرات رحلته الشهيرة على “البيجل”، فقال ملخّصًا تاريخ الغرب: (أينما خطَا الأوربيون فإنّ الموت يُطارد سكان البلد الأصليين).

وثمّة نكتة سمجة ثقيلة وفي منتهى السخرية والبلاهة نُقشت على نُصْبٍ في ميدانٍ تذكاري بالحرب العالمية الثانية في واشنطن وهي: (لقد جاء الأمريكيون لُيحرّروا، لا ليغزوا، وليستعيدوا الحرية، ويُنهوا الطغيان)!!!

لقد استطاع الأستاذ منير العكش أن يختصر منطلق هذه الممارسة الغربية بكلمة مكثّفة ومُعبّرة، وذلك في غلاف كتابه “أمريكا والإبادات الجماعية”، حيث جاء في أعلى الغلاف ما نصّه: (حق التضحية بالآخر)، وهو معنى يختزن في أحشائه بواعث هذا السلوك الغربي، وهو ما تجِد شواهده مفصّلة في كتابه هذا، وفي بقية الثلاثية: “أمريكا والإبادات الجنسية”، و”أمريكا والإبادات الثقافية”، بالإضافة إلى كتبه الأخرى؛ ككتاب “دولة فلسطينية للهنود الحمر” وكتاب “تلمود العمّ سام”، وهي جميعًا مستودعات لقصص العنصرية، والإجرام، والتوحّش الغربي.

ولو سألتَ أيها القارئ لماذا هذه المعاملة التي يمارسها الغربي مع الآخر غير الغربي، فسأجيبك بأنّ الحضارة الغربية من جهة التاريخ إنّما تأسست على أشلاء وجماجم ودماء هذا الآخر.

إنّ عمليات الإبادة المُمَنْهجة للهنود الحُمر في القارة الجديدة لم تكن أمرًا شاذًّا، أو لحظة عابرةً في تاريخ المجتمعات الغربية؛ بل هي إفراز طبيعي للنَّسق الحضاري الذي تشكّل للغرب، وقل الأمر نفسه بالنّسبة لفظائع الهولوكوست في ألمانيا النّازية، أو مُجْرَيات الحرب العالمية الأولى أو الثانية التي ذهب ضحيتها عشرات الملايين من البشر، أو الممارسات الاستعمارية التي مارسها الغرب في مختلف دول العالم، ومنها الدول الإسلامية، أو عمليات – ما سمّي بغْيًا- التطهير العرقي في البوسنة والهرسك وكوسوفا، وغيرها، أو جرائم المحتل الصهيوني في الأرض المباركة، أو شرور الحصار الأمريكي للعراق، وما خلّفه من جوعى وقتلى، ثم شرور الاحتلال بعد ذلك، احتلال أفغانستان بتهمة الإرهاب، واحتلال العراق بعد ذلك بتهمة أسلحة الدمار الشامل، أو ما نعانيه اليوم من مشاركة، أو إرخاء العنان لطغاة المشرق والمغرب ينكّلون  ويهجّرون ويذبّحون الملايين، فليس ذلك كله وأكثر منه مجرّد حوادث استثنائية تخالف النسق الغربي العام، أو تعبّر عن نكوص وانحراف مؤقّت عن خطّة المرسوم، لا؛ بل هو يمثّل الخطّ المرسوم نفسه، والذي هو نتاج طبيعي للحداثة الغربية بعقلانيتها، وماديتها، ونفعيتها، وانسلاخها القِيَمي والدّيني، وهو ما تجده واضحًا ببراهينه في كتابات نُقّاد الحداثة ككتابات تشارلز تايلور، وماكنتاير، وماكس فيبر، وماكس فوركهايمر، وحنا أرنيت وغيرهم.

وقبل فترة انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي كلمة لمستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي مايكل فلين وصف فيها الإسلام بالسرطان الخبيث بجسد مليار وسبعمائة مليون إنسان، متعهدا باستئصاله..

قال ما نصه:… “لا يمكن أن نقبل هذا، نحن نواجه فكر آخر، تماماً كما واجهنا من قبل النازية والفاشية والإمبريالية والشيوعية، هذا هو فكر الإسلام، وهو سرطان خبيث داخل جسد 1.7 مليار شخص على وجه هذا الكوكب، ويجب استئصاله. ومرة أخرى يجب أن لا نخاف من هذه الفكرة، يجب أن نعرفه جيداً، ويجب أن نطارده”.

ولكن في المقابل إنّ الإسلام – وعلى خلاف هذا كله- يسعى لتقديم منظومة مختلفة جذريًّا، منظومة تسعى لإحداث الإصلاح في الأرض، وتلتزم معيار العدل حكمًا في تشريعاته وأحكامه كما يقول ابن القيم: (فإنّ الله سبحانه وتعالى أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم النّاس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهُه بأيّ طريق كان فثمّ شرعُ الله ودينه) إنّه يقدّم لأهله ما يكْبح مُهيّجات البغي في نفوسهم، حتى في أحوال الاعتداء والقتال.

إنّه دينٌ واقعي نعم، لكنه مثالي في واقعيته، يسعى للارتفاع بالواقع إلى كماله الممكن، فهو يفتح المجال للمظلوم أن يقتص من ظالمه، لكن يأمره بعدم التجاوُز والاعتداء، ثم يُرغّبه بعد ذلك في العفو والمسامحة، فهو يُوازن بدقة بين متطلبات العدل ومتطلبات الفضل، ويقدّم ضمانات تحقيق العدالة ومنع الاعتداء، تأمل قوله تعالى مثلًا: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إنّ الله لا يحب المعتدين)، هكذا في حالة القتال والحرب، والاقتصاص من الظالم المقاتل، يأتي الأمر بالعدل وعدم الاعتداء(إنّ الله لا يحب المعتدين).