معركة الأفكار في أفغانستان

أبو صلاح

مضت نحو 19 سنة على الغارة الأمريكية على العالم الإسلامي في شقها النظري الذي أطلقت عليه واشنطن وصف (حرب الأفكار)؛ تلك الحرب التي اعتُبرَت مكمِّلَة للشق العسكري من الغارة، وهو الذي استهدف كلاً من أفغانستان ثم العراق ثم تعرقل وتعطل برحمة من الله عن بقية البلدان. وقد وضع الأسس الفكرية لحرب الأفكار (لويس باول) في بداية السبعينيات الميلادية من القرن العشرين لمواجهة الفكر الشيوعي المناوئ للرأسمالية الغربية، ثم عمل (وليام كروز) على تشغيل هذه الأسس من خلال مراكز بحثية للغرض نفسه.

بين مفردات حرب الأفكار تلك؛ ما اقترحه الكـاتب الأمريكي الشهير (توماس فريدمان) من إنشاء المدارس العلمانية. ويعـرِّف فريدمان مصطلح المدارس العلمانية بأنها: تلك المدارس التي أقامها الأمريكيون في كل أفغانستان وباكستان. وكان ذلك عند حضـوره حفل افتتاح لأحد رجال الأعمال الأمريكيين ويدعى (غريغ مورتنسون) لمدرسته لتعليم الفتيات في قرية نائية في جبال الهندوكوش في أفغانستان، ويعلق فريدمان على هذه المدرسة قائلاً: أجـد لزاماً عليَّ أن أقول: إنني بعد مشاهدة البهجة على وجوه الفتيات الأفغانيات الصغيرات اللاتي جلسن في انتظار الدرس أجد صعوبة في المطالبة برحيل قواتنا من هناك.

ويربط فريدمان بين هذه المدارس والحرب على الأفكار فيقول بالنص: «إن جهود مورتنستون تذكرنا بماهية جوهر الحرب على الإرهاب، إنها حرب الأفكار داخل الإسلام، حرب بين متشددين إسلاميين يمجدون الاستشهاد ويرغبون في عزل الإسلام عن المدنيَّة والأديان الأخرى وعدم تمكين النساء من تبوؤ مناصب، وبين من يرغبـون في اللحاق بركب الحـداثة وانفتاح الإسلام على الأفكار الجديدة، ومنها مساواة المرأة بالرجل في تبوؤ المناصب شأنها في ذلك شأن الرجل».

مع العلم بأن الاهتمام بهذا الأمر لم يقتصر على فريدمان بل إن الأمـر في الأساس يتعلـق باهتمـام رسمي أمريكي بهذا الأمر وبأنه مرتبط بنجاح الخطط العسكرية، حتى أن الجنرال (مايك مولن) رئيس هيئة الأركان المشتركة قطع مسافة نصف يوم كي يصل إلى مدرسة مورتنستون الجديدة ليقص شريط افتتاحها، ووزع بنفسه الكراسات على الطلاب في هذه المدرسة.

وينقل فريدمان عن مورتنستون السبب وراء تكريس حياته لبناء 131 مدرسة علمانية للفتيات في باكستان و48 في أفغانستان فيقول: إذا أُنفِقَت النقود بصورة جيدة فهذه المدارس ستخرج جيلاً جديداً من الأولاد يحملون وجهة نظر أوسع عن العالم، ونحن نركز على المناطق المحرومة من التعليم؛ فالمتشددون الدينيون يَنْشؤون في المناطق المنعزلة ووسط مناطق الصراع وعندما تتعلم الفتاة وتصير أمّاً ستصبح أقل رغبة في أن يصبح ابنها مقاتلاً أو متمرداً، وستنجب أطفالاً أقل، وعندما تتعلم البنت القراءة والكتابة يكون أول ما تقوم به تعليم أمها القراءة والكتابة، ستُحضر الفتياتُ إلى المنزل اللحم والخضراوات ملفوفة في أوراق الصحف وسوف تطلب الأم من ابنتها قراءة الصحيفة لها وستتعلم الأم عن السياسة والنساء اللاتي يتم استغلالهن.

وبهذا النّمط يريدون أن يغزوا أفكار أبناء المسلمين، وبناتهم، كي يصنعوا جيلاً كالخرفان والصيصان، يكره الجهاد والاستشهاد والتضحية في سبيل الله، بحيث لا يقاموا محتلا أجنبيًا غازيا لبلادهم ويعرّيهم من الحياء والعفاف والتديّن.

ولكن ما نتائج معركة الأفكار تلك، وهل أثَّرت بالفعل على الشعب الأفغاني؟

في تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية نقلاً عن تقرير وزعته المخابرات الأمريكية سرّاً عام 2007م بعنوان «كيف تخسر الولايات المتحدة المعركة من أجل القلوب والعقول؟»، كشف عن ردود أفعال القرويين الأفغان غير المتحمسين لمحاولات الجيش الأمريكي بناء جسور الثقة معه «لا أحد يريد أن يفعل أي شيء معنا»، يقول واضع تقرير المهمـة بحـزن، لكن قادته الأعلى كانوا يكتبون غير ذلك، ويتحدثون عن «نجاحات منقطعة النظير في التعاون مع الشعب الأفغاني» اعتماداً على تجمعات خادعة كان ينظمها متعاقدون محليون يقبضون كثيراً من المال مقابلها، بينما التقريرُ (الحقيقي) كان يصف زيارة الجنـود الأمريكيين لقرية أفغانية نائية بأنَّها أشبه بـ «الوقوع في كمين، فأبواب البيوت ونوافذها أغلقت ولا أحد يقبل الحديث إلينا».

إنّ مجاهدي الإمارة الإسلامية تنبهوا لهذا الأمر منذ أيام الاحتلال الأولى وحاربوا هذه الأفكار الضالة بالسيف والسنان تارة وبالقلم والبيان تارة أخرى، كما فعل الرسول ﷺ في حربه ضد أفكار قومه، فكانوا يتخذون الأصنام آلهة من دون الله، وكانت الأصنام منتشرة في أنحاء متفرقة من الكعبة، فكان يطوف بالكعبة والأصنام موجودة، فقد حرص على الإطاحة بأوثان الشعور، قبل الإطاحة بأوثان الصخور، فكان عمله وقتها هو إزالة أصولها القلبية وجذورها النفسية. وخاب الأعداء وخسروا وستكون هذه الأموال الباهظة التي ينفقونها ضد الإسلام والمسلمين، حسرة وسيُغلبون إن شاء الله.