رسالة إلى طالبان

الشيخ الدكتور عبد الله المحيسني

 

إلى شيخ الحديث المولوي (أمير المؤمنين) هبة الله أمير الطالبان، وإلى الملا عبد الغني برادر، وإلى أعضاء شورى الإمارة الإسلامية، وإلى كل المشايخ والقادة، في أرض الأفغان الطيبة المباركة، أبعث إليكم من أرض الشام تحيّةً وسلامًا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذه رسالة تهنئة أبعثها من أرض الشام الطيّبة المباركة، إلى أهلنا وإخواننا في أفغانستان. عشرون سنة وأنتم تقاتلون في سبيل الله، دفاعًا عن أهلكم وأرضكم، وعرضكم.

عشرون سنة قضيتموها في جهادٍ ورباطٍ، عشرون سنة ما يئستم من روح الله. عشروة سنة ما قنطتم من رحمة الله، عشرون سنة وأنتم تقولون يا الله متى نصرك يا الله؟

وما كان الله ليضيع إيمانكم. وما كان الله لينسى دعواتكم وتضرّعكم بين يديه. وها أنتم اليوم بعد تلك السنوات الطوال، تحتفلون وتحتفل الأمّة معكم، بنصركم وبانسحاب المحتلين من أرضكم.

وها أنتم اليوم ولله الحمد والمنّة، تعلّمون العالم أجمع وتُسطّرون أروع الانتصارات، وتُهدون الأجيال العظيمة رسالةً خططتموها بدمائكم، وبدماء شهدائكم بعيدًا عن الغلوّ واستباحة الدماء، وتكفير المسلمين، وبعيدًا عن الإفراط والانبطاح والعمالة والركون للأعداء، أثبتم للعالم أجمع أنّ الجهاد الوسطي المعتدل بعيدًا عن الغلوّ والتكفير، وبعيدًا عن العمالة والانبطاح الذي يريده الله سبحانه وتعالى وإن طال مدته، وإن طال أمَده، هو الطريق الصحيح لنهضة الأمّة، وأنه الطريق الصحيح لعزة الشعوب، وأنّه الطريق الصحيح لتحرير البلاد من المحتلّ، أنتم اليوم تُجسّدون معنى قول النّبي صلى الله عليه وسلم : “ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذُلّوا”، تمسّكتم بالجهاد فأعزّكم الله.

أنتم اليوم تردّون ردّا عمليًا على من يقول: إنّ السلاح، والمقاومة، والجهاد، والثورات، لا تفيد شيئًا، إنّ نهايتها الخسارة، إنّ نهايتها ضياع الدماء، إنها محارق للشباب، إنّها وإنها .. ها أنتم اليوم توقّعون اتفاق النّصر، ها أنتم اليوم تقولون للأمّة أجمع إنّ طريق الجهاد في سبيل الله والمقاومة، وطريق الثبات على المبادئ، هو الطريق الصحيح الذي يوصل العزة وإن طالت مدّته.

ها أنتم اليوم تبرّون قسم أميركم الشهيد الملا محمد عمر رحمه الله حينما تكلّم قبل عشرين سنة وقال مقولته المجلجلة، لقد وعدنا بوشٌ بالهزيمة، ووعدنا الله بالنّصر، وسننظر أي الوعدين أصدق، مضى الملا إلى رحمة الله ورأى العالم صدْق وعدالله سبحانه وتعالى، سيُكتب هذا الوعد في قلوب ملايين المسلمين، وستُكتب هذه الحكاية في صفحات التاريخ، وسيتعلمها الأجيال.

ها أنتم اليوم تنتصرون بفضل الله، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون.

يا إخواننا الطالبان! لقد مررتم بأيام عصيبة، قُتل فيها أطفالكم، وهُدّمت بيوتكم، وشُرّدتم من أرضكم، صعدتم للجبال، واختفيتم سنين طوال، ويأبى الله إلا أن ينصر عباده، وها أنتم اليوم تمرّون بأعظم المراحل، مررتم بأيام شبيهة بأيام أحد، ومررتم بأيام من الحصار شبيهة بغزوة الخندق، وأنتم تعيشون اليوم أيامًا تُذكّركم بأيام الفتح، فتح مكة، يوم فتح الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حينما قدِم النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكّة ودخل فاتحًا، بعد أن أخرج من مكة عاد إليها صلى الله عليه وسلم فاتحًا رافعًا رأسه، مزهوًّ بالنصر فرحًا بفضل الله، فدخل مطأطأً رأسه فاجتمع أهل مكة الذين آذوه وطردوه ونالوا منه، ووقفوا تحت قدمه جميعًا، فقال لهم مقولته الشهيرة: ماذا تظنّون أني فاعل بكم ؟

قالوا: أخ كريم، وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، اذهبوا فأنتم الطلقاء، اذهبوا فأنتم الطلقاء.

صلى عليك الإله يا علم الهدى، صلى عليك الله يا رسول الله، لم يرض للأمة ذلًا، بل سنّ فيها للأنام أصولا، وتبسّم في وجه المعتدي، ولم يرض بالكيد والتنكيل، وقال اذهبوا فأنتم الطلقاء، فتعجّب المشركون من سماحته، وتعجبوا من رحمته، وتعجّبوا من رأفته، وما زاد الله عبدًا بتواضع إلا رفعة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزة، فدخل المشركون في دين الله أفواجا، وجاءت وفود الفتح إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وما أشبه يومكم اليوم بيوم الفتح، وأنا أرى النّاس تلتحق بكم، وتدخل معكم، وأنا أرى أسراكم مطلقون، فأوصيكم يا إخواننا في الطالبان، كما أريتم النّاس معاني العزة والصمود، أروا النّاس اليوم معاني الرحمة والتسامح والعفو.

انظروا إلى من أخطأ من بني جلدتكم، وتراحموا فيما بينكم، ولملموا صفوفكم، وأظهروا الرحمة هدي النبي صلى الله عليه وسلم بينكم، حذارِ أن يصيبكم داءُ العجب، فتخسروا ما قدّمتموه، وتُضيعوا ما ربحتموه، اُنظروا إلى من كان مُخطئًا، سواء من كان في حكومة أفغانستان أوغيرهم، واجتمعوا أنتم وإياهم، وفاوضوهم من جديد، واخرجوا بحكومة تحكم بشرع الله، ترحم الناس وتقيم للناس نموذجًا نبويًا ربّانيا إسلاميًا ينعم فيه النّاس بالرحمة والأمان، ويرون فيه عدل الإسلام وهديه.

رحم الله الطالبان، وأبناء الطالبان، وأبناء أبناءِ الطالبان، لقد علّمتنا مدرسة الطالبان أنّ الجهاد في سبيل الله هو الحلّ، لقد علّمتنا مدرسة الطالبان، أنّ الرصاص يُواجه بالرصاص، لقد علّمتنا مدرسة الطالبان أنّ القبيلة عنصر مهم، وسببٌ من أسباب النّصر، إذا أحسن التّعامل معها.

لقد علّمتنا مدرسة الطالبان أنّ التفاوض مع الدّول، والتعامل معها مع بقاء البندقية في اليد والحفاظ على الثوابت والمبادئ، هو الطريق الصحيح لنيل العزّة، ولا عزة في الخضوع والاستكانة.

علّمتنا مدرسة الطالبان أنّ الاهتمام بالحاضنة الشعبية وتبني الحاضة للمشروع من أعظم أسباب النّصر. لقد علّمتنا مدرسة الطالبان أنّ عدم الالتفات إلى مزاودات الغلاة، والمُضي قُدُمًا والسير في المشروع من أعظم أسباب النّصر.

لقد علّمتنا مدرسة الطالبان أنّ تقديم العلماء، والالتفاف حولهم، والصدور عن رأيهم، هي خطوة عظيمة في درب النّصر والتمكين.

في الختام إخواني لا يفوتني هنا، أنْ أنبّه إلى أنّ خروج المحتل، ليس نهاية الصّراع، فإنه بخروجه تبدأ مرحلة جديدة، مرحلة أمرّ وأطغى، من خلال بثّ السموم، والشقاق والنفاق، واختلاق الصراعات الداخلية، والاختلال في الصف الداخلي، وهذا ما حملني على التاكيد على العفو، والتعاون والتراحم، فيما بينكم، تراحموا وتعاونوا، ولا تختلفوا، ولا تتفرقوا، ولا تتنازعوا، واشكروا الله، وانسبوا الفضل لله.

أسأل الله أن يديم عليكم الأمن والأمان، وأسأل الله أن تعيشوا في ظل ورحمة الإسلام والإيمان، تقبل الله منا ومنكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.