شكرًا موسى بن عمران

للكاتب: أدهم شرقاوي

 

1 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أنه لا غالب إلا الله، وأنّ ما أمضاه في سمائه كان في أرضه، فقد ذبح فرعونُ آلاف الأطفال كي لا تأتي، وعندما جئتَ رغمًا عنه ربَّاك في قصره، وأن قدر الله لنافذ!

2 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أنّ الدنيا أم! فقد صار قلب أمك على غيابك فارغًا، كان كل إخوتك عندها، ولكن قلبها كان عندك، ذاك أن أحبّ الأولاد إلى الأم صغيرهم حتى يكبر، وغائبهم حتى يعود، وقد كنتَ غائبهم وأصغرهم، فأعادك إليها لتقر عنها!

3 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن المرأة في بعض المواقف تساوي ألف رجل! أمك تُلقيك، وأختكَ تتبعك، وآسيا تحضنك!

4 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أنَّ هذا الدين اصطفاء، ومنّة من منن الله وكرمه، ويا لحظك إذ يقول لك ربك “واصطنعتك لنفسي“، ويقول لك: “ولتصنع على عيني“، ويقول لك: “وألقيتُ عليك محبة مني“!

5 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أنّ كل ما في الكون جندي من جنود الله، هذا النهر الهادر الذي كان إذا غضب بأمر الله ألقوا فيه أجمل بناتهم قربانًا ليهدأ، صار ساعي بريد يحمل صندوقًا أرسله الله إلى عدوه لتكون فيه مهلكته!

6 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أنّ الله يربط على القلوب، ويثبت الأقدام، ولولا أنه فعل ما ألقتك أمك في النهر وأنتَ قطعة من قلبها، وأن القوي من ثبته الله، والضعيف من أركنه الله إلى نفسه!

7 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن الناس يحتاجون لمن يطمئنهم، فقد قال الله لأمك مطمئنًا: “ولا تخافي ولا تحزني”، إن ما يهلك الإنسان ويضنيه ليس شقاء الجسد وإنما شقاء الروح!

8 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن الجزاء من جنس العمل، فتلك التي ضحت بابنها لله رده الله إليها، والذي تآمر ليأخذك من أمك أعطاك الله زوجته لتكون لك أمًا ثانية!

9 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن لا أنصر قريبًا ولا حبيبًا على باطل، فيوم ظننتَ أن قريبك على الحق ساندته، ويوم تبين لك أنه غوي مبين هممت أن تبطش به!

10 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن بعض الناس لا يُقدّرون المعروف، وأن الطعنة أحيانًا تأتي ممن حاولنا أن نساعدهم، فالذي قتلت رجلًا لنصرته هو الذي أخبرَ عنك!

11 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن لا أقف على الحياد ولو بكلمة، وأني حين أرى الشّر فلا أستطيع أن أوقفه أن أخبر عنه على الأقل، فالذي خلّد الله ذكره في القرآن، رجل جاءك ليقول: “إن الملأ يأتمرون بكَ ليقتلوك“!

12 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن أفعل المعروف ولا أنتظر السداد، فلما سقيتَ لابنتيّ شعيب عليه السلام، توليت إلى الظل رغم حاجتك لمن يساعدك!

13 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن الاختلاط على قدر الحاجة وأن النبيل لا يستغل ظروف امرأة تحتاج أن تعمل، وأن المرأة وإن عملتْ في حشد من الرجال من السهل أن تحافظ على عفتها!

14 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن أجمل مسحوق تجميل تضعه المرأة هو الحياء، وأن الله حين وصف المرأة التي جاءتك تدعوك إلى أبيها ليجزيك خيرًا على ما فعلت، لم يصف لنا وجهها وثيابها، وإنما قال: “تمشي على استحياء“!

15 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن القوة دون أمانة تصبح استبدادًا، وأن الأمانة دون قوة لا تقوم لها على الأرض دولة، وقد كنت نعمَ القوي الأمين!

16 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن الناس على شروطهم ما لم تُحل حرامًا، أو تُحرم حلالًا، وأن النبيل عند شرطه، وأنك لم تسِرْ بأهلك إلا بعد انقضاء أجل وافقت عليه، وعهد أمضيته!

17 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن الرجل الحق يحتمي أهله به ولا يحتمي بهم، فلا يعرضهم للخطر ليسلم، ونعم الرجل أنت إذ تقول: “امكثوا إني آنستُ نارًا“!

18 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن الله من رحمته قد نخرجُ طلبًا للدنيا فيعطينا الآخرة، وقد ذهبتَ تطلبُ جذوة من نار فأعطاك قبسًا من نور، وكلمك تكليمًا، بالمفعول المطلق حيث تنتفي الكناية! وليتعلم المُعطلون لغة العرب، فإنه بلسانٍ عربي مبين!

19 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن ذنوب الناس ليست مبررًا لغلظة الدعاة، فالذي قال: “أنا ربكم الأعلى“، أرسلكَ الله لتقول له “قولًا لينًا“!

20 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن النبيل يعترف بمزايا غيره، وما أنبلك إذ تقول: “وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا“!

21 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن الأخ سند، ونعمَ الأخ كُنت إذ سألتَ الله أن يشركه معك في أمرك، وما لأخٍ على هذه الأرض فضل على أخيه كفضلك على أخيك، إذ تسأل له النبوة، فشدّ الله به عضدك!

22 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن العاقل يختار موعد النزال بدقة، وقد كنتَ ذكيًا إذ اخترتَ يوم الزينة للمواجهة، لتهزم فرعون وسحرته على الملأ!

23 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن لا أيأسَ من أحد، فالسحرة الذين جاؤوا لنزالك ضُحى، ما غابت شمس ذلك اليوم إلا وكانوا مصلوبين في جذوع النخل، مؤمنين، موحدين!

24 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن الله يقود الطغاة إلى مصارعهم، فما حسبه فرعون يوم تبعكَ نصرًا سهلًا كان فيه مقتله!

25 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن القوة بالله لا بالأشياء، فالعصا العاجزة التي لم تكن تصلح إلا لتتكئ عليها، وتهش بها على غنمك، هي التي صارت حية، وهي التي شقّت البحر لمّا أراد الله لها أن تفعل!

26 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن الله يختار للمعركة السلاح الذي لا يخطر على بال، من كان يظن أن الذي تأتمر ملائكة السماء بأمره، أن يستغني عنهم ويختار البحر سلاحًا للمعركة!

27 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن لا أرفع سقف توقعاتي بالناس لأنهم يتغيرون، فالذين شققتَ لهم البحر، عبدوا العجل!

28 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن المؤمن يغضب لربه ولا حرج، وما أجملكَ حين يُنتهك التوحيد فتصبح غاضبًا أسِفًا، تأخذُ بلحية أخيك، وتنسفُ عجل السامريّ نسفًا!

29 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أن البعض لو أضأتُ لهم أصابعي العشرة شمعًا فلن يرضوا عني، وقد قال قومك: “أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا“!

30 – شكرًا موسى بن عمران، من قصتك تعلمتُ أنه ليس هناك أقل أدبًا ولا أكثر فظاظة من بعض الناس، فالذين خلصتهم من الذل، ورفعتَ عن عواتقهم نير الاستعباد هم الذين قالوا لك: “اذهبْ أنتَ وربكَ فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون“!