الافتتاحية: فرصة ثمينة للأمريكان

يجب أن يدرك الأمريكان أنّ الفرصة لا تأتي مرتين وأن الحظ لا يبتسم لهم دائماً، وأنّ فرصة خروجهم من أفغانستان التي أتت بموجب الاتفاقية الثنائية في الدوحة لهي فرصة غالية ثمينة إن أدركوا قدرها.

والرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال في حفل تخريج لإحدى الأكاديميات العسكرية الأمريكية مخاطبًا المتخرجين الجدد: “بأنه لن يتم إرسالكم بعد الآن إلى الحروب الأبدية، لن تقاتلوا بعد اليوم في البلدان التي لا یعرف معظم الأمريكيين أسماءها، ولن تشاركوا بعد الآن في حروب البلدان النائية”.

لا ندري هل يعتقد ترامب بهذه المقولة وسيبقى عليها أم سيتنازل عنها مثل كثير من التغريدات التي تتناقض بين عشية وضحاها ولا تراها محسومة على نمط واحد. إلا أنّ هذه الفكرة التي قدّمها ممتازة للغاية لأمريكا ولشعبها المتحيّر الذي يعاني كل يوم من ظاهرة سيئة ومفاجأة حديثة، كما هو حالهم الآن حيث يعانون من العنصرية التي فتكت بهم ونغّصت عيشهم، وبات المواطنون يشكّون في ديموقراطية تشدّق بها ساستهم وزعماؤهم ردحًا من الزمن.

من الواضح أن ترامب يقصد بعبارة (الحروب الأبدية) التي أشار إليها في خطابه؛ حرب أفغانستان الطويلة، حيث تورطت فيها الولايات المتحدة قبل عقدين، وعلى الرغم من الخسائر البشرية الباهظة، تكبّدت الولايات المتحدة خسائر مالية ضخمة أيضًا، وقد اعترف كبار المسؤولين الأمريكيين مرارًا، بأنهم لا يستطيعون كسب الحرب في أفغانستان.

لقد صدق ترامب وهو كذوب بأنّ قواته لن تشارك بعد الآن في حروب الدول القديمة، لأن الحرب –طويلة الأمد- في أفغانستان قد أضرت بشدةٍ بمكانة أمريكا الدولية وسببت لها مشاكل اقتصادية، وقد أظهر الاستطلاع الأخير أن الدعم المعنوي لهذه الحرب الخاسرة قد انخفض في الولايات المتحدة، ويدرك الناس أن القادة الأمريكيين قدموا لهم وعودا زائفة بشأن هذه الحرب.

ومنذ ما يقرب من عشرين عامًا، حذّر مؤسس الإمارة الإسلامية أمير المؤمنين الملا محمد عمر-رحمه الله- الأمريكيين، ونصحهم بالتراجع عن احتلال أفغانستان؛ لأنه لن یقدر أحد من الغزاة على هضم تربة أفغانستان، وأنّ أفغانستان مقبرة للغزاة على مرّ الزمان، وعلى الأمريكيين أيضًا أن لا يقدموا على احتلال أفغانستان؛ وإلا فإنهم سيتورطون في حرب لا مناص لهم منها.

وقد تحققت نبوءة الملا عمر رحمه الله، فقد تورطت الولايات المتحدة في حرب لا نهاية لها. وينبغي لترامب أن يفي بوعوده ويسحب جميع قواته من أفغانستان في أقرب وقت ممكن، تاركًا الأفغان يقرروا مصيرهم ومستقبل بلادهم بأنفسهم.

إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الإمارة الإسلامية والولايات المتحدة في الدوحة في فبراير من العام الجاري، هو أفضل وأقصر طريق للخروج من الأزمة الحالية في أفغانستان، والتنفيذ الكامل لهذه الاتفاقية إنما هو لصالح كلا الشعبين -الأفغاني والأمريكي- إذ سيستعيد الشعب الأفغاني حريته واستقلاله، ويبني نظامًا إسلاميًا قويًا، ويأمن الشعب الأمريكي من تکبد مزيد من الخسائر البشرية والمالية، وسیتمکن من الحفاظ على ما تبقى من مكانة بلاده الدولية المتضررة.