حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدد (23)

 

أ. مصطفى حامد (أبو الوليد المصري)

 

– هاجم المجاهدون (قلعة نادرشاه كوت) بدبابتين، وضربوا الباب والبرج بالقذائف، فخرج الجنود مستسلمين.

– جنود الحكومة في مواقعهم المنيعة فوق جبل “دوامندو” وافقوا على الاستسلام، وعلى أن ينْزِلوا كافة الأسلحة والذخائر من فوق الجبل الشاهق.

– أصبح لدى المجاهدىن 6 دبابات، هاجموا بها موقع “دراجي” وسيطروا عليه بسهولة، فبدأ تساقط مجنون لصواريخ سكود، وغارات طيران بالقنابل العنقودية.

– إبراهيم ـ شقيق حقاني ـ على رأس قوة من 34 مجاهد، يقعون في كمين. وخليل يصاب بعشر طلقات فشعر أن عظامه تحطمت، ولكنها لم تخترق جسمه!!

– أخبار سربها حقاني تسببت في إلغاء العدو لفكرة هجوم معاكس كبير.

مقدمة:

بدأ مولوي جلال الدين حقاني في تنشيط العمليات العسكرية غربي وادي خوست، وحقق نجاحات كبيرة جدا أسفرت عن تحرير مساحات واسعة من الأرض بحيث اتصلت مناطق المجاهدين فزادت قوة، وقلت المسافات اللازمة لنقل وتموين المجموعات، والأهم أن الاتصال بين مجاهدي خوست ومجاهدي جرديز صار سهلا للغاية عبر الطريق الأسفلتي الذي دارت عليه أعنف معارك الحرب، وأخذت سيارات المجاهدين تعبره من الاتجاهين بسهولة، بدلاً عن أيام كانوا يقضونها سيراً في الجبال للانتقال من مكان إلى آخر.

معارك جلال آباد التي بدأت في مارس 1989 مع ضجة إعلامية عالمية ضخمة، أسفرت عن خسائر فادحة للمجاهدين. وتقدموا أكثر في صحارى واسعة جعلتهم مكشوفين للطيران وضربات صواريخ سكود. وبحلول خريف نفس عام ساد اليأس بين عموم مجاهدي أفغانستان بعد شحن إعلامي دولي بأنهم سيصلون كابول بعد معركة سريعة في جلال آباد.

لهذا فإن انتصارات حقاني في خوست في خريف عام1989 كان تأثيرها المعنوي كبيرا، بانتصاراتها وغنائمها وبطولاتها، وكان ذلك مدعاة لاستمرار الجهاد ليس في خوست فقط بل ومناطق أخرى كثيرة. وغطى ذلك على نكسة جلال آباد.

الدول الغربية والإعلام الدولي سحبوا تأييدهم للمجاهدين الأفغان وبدأوا يبشرون بوقف القتال، وإحلال السلام، وحكومة مشتركة في كابول، وقتال عرقي بين البشتون والطاجيك، بدلا من الجهاد ضد الحكم الشيوعي.

فبعد معارك غرب الوادي بأشهر قليلة سيطر حقاني على جبل تورغار الاستراتيجي جنوب خوست. صحفي أوروبي كان في خوست وقتها سألني متعجبًا لقد هدأت أفغانستان.. فلماذا يقاتل حقاني إلى الآن؟

قلت له: إنّ النظام الشيوعي مازال قائمًا، وأن حقاني لن يتوقف إلا بعد إسقاط ذلك النظام، ووصول المجاهدين إلى السلطة في كابول.

تمرد وفرار من حصن نادر شاه كوت:

بعد سنوات أضاف لي حقاني المعلومات التالية: كانت مجموعه قد خانوا المجاهدين وتعاونوا مع الروس في حملة فتح الطريق إلى خوست عبر مناطق زدران، في شتاء (87 ـ 1988م).

وكان الروس وحكومة كابول قد وعدوا هؤلاء بأن يجعلوهم (ملوكاً)على المنطقة. وكان العدو أعجز من أن يحقق لهم أحلامهم، بل إنه عجز حتى عن سيطرة الطريق أو تأمين المدينة.

وبقي هؤلاء وعائلاتهم يعيشون في خوف وقلق في الطرف الغربي من الوادي قريباً من حصن دوامندو. وأرادوا أن يُكّفِروا عن ذنبهم ويحسنوا علاقاتهم مع حقاني، فسارعـوا إلى ربــط علاقات بينه وبين الضابط المسئول عن حامية (نادر شاه كوت). وهو ضابط ذو ميول إسلامية ومن قبائل وزير التي يعيش معظمها في باكستان. لم يكن من المستطاع أن يتقابل حقاني مباشرة مع ذلك الضابط، الذي أرسل رسائله عن طريق هؤلاء المنفيين من قبيلة زدران، الذين لم يحوزوا على ثقة حقاني. وربما لأجل ذلك أهمل رسائل ذلك الضابط الذي طالب حقاني مراراً بأن يهاجم (حصن دوامندوا) وأنه سوف ينسحب مع قواته من الحصن وينضم إلى المجاهدين تحت غطاء ذلك الهجوم.

حقاني لم يأخذ الأمر بجدية حتى اضطر ذلك الضابط في النهايه إلى القيام بتمرد، عاونه فيه (40) من الجنود المخلصين معه وقتل عدداً من الضباط الشيوعيين، وأحرق المخازن التابعة له في المنطقه ثم فرّ مع جنوده إلى أقرب مراكز المجاهدين إليه وهو مركز مولوي حنيف شاه. كان ذلك في شهر مارس من عام 1989م.

أي قبل سته أشهر تقريباً من الهجوم الكبير النهائي على حصن (نادرشاه كوت). واصلت جماعة زدران في المنطقه نقل التطورات إلى حقاني وتحريضه على الهجوم على المنطقه، وأخبروه أن عدد الجنود في الحصن لا يزيد عن 30 جندياً وأن باقي القوة قد توزعت على طول الشريط الجنوبي المهدّد بدءً من دراجي وحتى ماليزي في الشرق. هذا عن خلفية الهجوم.

هجوم كاسح متعدد الاتجاهات:

وفي يوم الهجوم هاجمت دبابتان للمجاهدين الحصن وضربت الباب الرئيسي والبرج القائم إلى جانبه بقذيفتين، فخرج الجنود مستسلمين رافعين أيديهم في الهواء. جبل (توراغري) إلى الغرب من الحصن، على بعد حوالي كيلومتر والأكثر ارتفاعًا من جبل تورغار العتيد ويمتاز بأشجار الصنوبر الكثيفة التي تتوج قمته وتمتد تلك الغابات الصنوبرية إلى عمق مناطق زدران إلى أن تطل على وادي جرديز إلى الشمال. هذا الجبل الهائل ظل يقاوم حتى الغروب، وكان مضيق دوامندوا قد سقط قبل الظهر، فلما أدرك المقاومون ذلك استسلموا أيضًا بدون معارك شديدة لأن المجاهدين لم يروا ضرورة لهجمات حادة على جبل منعزل تمامًا. غنم المجاهدون دبابة صالحة للعمل من حصن نادرشاه كوت، فتوجهوا بقيادة مطيع الله صوب المضيق الغربي لوادي خوست عند دوامندو متحركين على الطريق الأسفلتي القادم من المدينة.

يقول حقاني: إن أحد دبابات المجاهدين ضربت الحصن الرئيسي للقوة الواقع على يسار الطريق فإخترقت القذيفة المبنى من الطرفين. فخرجت القوة التي بداخله رافعين أيديهم في الهواء كما حدث في الحصن في نادرشاه كوت، وكان إلى جانب حصن دوامندو دبابة لم تشارك في الدفاع لكونها قد أصيبت سابقاً بعد غارة للمجاهدين على الحصن.

دارت مفاوضات من أجل التسليم بين المجاهدين أسفل جبل دوامندو وبين جنود الحكومة في مواقعهم المنيعة فوق جبل، ولكن محاصرة إلى درجة اليأس، أسفرت عن موافقة الجنود على عدم المقاومة والنزول من فوق الجبل. واشترط عليهم المجاهدون أن يحضروا معهم كافة الأسلحه والذخائر التي في مواقعهم، وافق الجنود، مع أن ذلك ليس بالأمر الهيّن إذا استدعى صعودًا وهبوطًا متكررًا ومرهقًا للغاية. وقد وصف حقاني حالتهم بأنهم عملوا كالحمير في ذلك العمل الشاق.

تسريب متعمد للمعلومات:

وبعد أن نجح المجاهدون في فتح دراجي فكرت الحكومة في استعاده توازنها في ذلك القطاع الغربي الذي أثر بخطورة على التوازن الاستراتيجي في كل منطقة خوست. فعزمت قيادة الجيش على إعاده احتلال المواقع الضائعة بواسطه عملية إبرار جوي أي بقوات تحملها طائرات الهيلوكبتر يكون هدفها الأول القمم الشامخة في دوامندوا على المضيق الغربي ثم توراغري إلى الغرب من حصن نادر شاه كوت وحتى الحصن نفسه كان ضمن البرنامج. وصلت الخطة إلى حقاني فأمر المجاهدين بتخريب المواقع الحكومية فوق تلك الجبال وتفجير الخنادق ومرابض الأسلحة، وقد شاهدت القوات في خوست تلك التفجيرات فوق الجبال وتعمد حقاني تسريب خبر استعداداته إلى العدو، فتراجع عن برنامجه. وعن استشهاد مطيع الله يقول حقاني: إن مطيع الله خرج بسيارته لإنقاذ مجموعة من الرجال انفجر لغم في سيارتهم، وبينما مطيع الله ورجاله منهمكون في ربط السيارة المعطوبة بسيارتهم لجرها بعيدًا، داس أحد الرجال، ويدعى وزيرجول، على لغم مضاد للأفراد كان متصل بلغم آخر مضاد للدبابات فانفجر اللغمان.

فاستشهد وزيرجول ومطيع الله وثلاثة أو أربعة آخرين من رجاله، كما جرح في الانفجار القائد حكيم خان (الذي استشهد بعد ذلك بعدة أشهر في معارك منطقة إسماعيل خيل ).

حقاني يروي عن معركة دراجي (شهر صفر 1409هـ ــ سبتمبر 1989م):

يقول حقاني قائد تلك المعركة: إن السيطرة على دراجي تمت في محاولتين. المحاوله الأولى: بدأت قبل طلوع الفجر. حين تقرب المجاهدون إلى خطوط العدو ليلاً وعند الفجر هاجموا “البوسطات” “المواقع العسكرية” مع أول ضوء وكانت تدعمهم ثلاث دبابات اثنتان في الهجوم والثالثة تضرب من الخلف لحماية مؤخرة الهجوم من أي محاوله التفاف من العدو في نفس الوقت كان المجاهدون يهاجمون موقعين هامين في نظام الدفاع عن درجي وهما موقع (سيدجي) و( موسى خان) ومع المجاهدين ثلاث دبابات أيضاً.

ولكن ذلك الهجوم لم ينجح واستطاع العدوّ أن يدمّر إحدى الدبابات المهاجمة واستشهد وجرح من فيها، فتراجع المجاهدون عن الموقعين، فانكشفت بذلك مجنبات المجاهدين المشتبكين في (دراجي) وزاد ذلك من سوء موقفهم الذي كان غاية الصعوبة. فبعد نجاح أوّلي ضد دفاعات الخط الأول للعدو، حيث عبرت الدبابات فوق ثلاث خنادق للعدو في الخط الأول وسحقت من فيها من الجنود بواسطة (الجنازير).

 

 

 

 

 

 

وبمشقة كبيرة سيطر المجاهدون على (مدينة) دراجي، وكان للعدو مواقع قريبة منها ظلت تطلق على المجاهدين نيران حامية وكذلك مواقع العدو في( سيدجي) و(موسى خان)، إضافة إلى المدفعيات من عمق دفاعات العدو كانت أقسى الأوقات هي ساعة الشروق عندما اكتشف المجاهدون تحت أشعة الشمس أنهم مكشوفون تماماً لنيران تأتي من ثلاث جهات في أرض شبه مكشوفة وقد تحطمت كل الأبنية، ودمرت المواقع ولاشيء يحميهم من رمايات العدو، وفي ساعة واحدة سقط منهم بفعل نيران العدو 25 شهيداً وثمانون جريحاً.. وقرب نهاية اليوم وصل عدد الجرحى إلى 130 جريحاً.

 

نكسة مؤلمة بعد انتصار كبير:

يقول حقاني: لقد كانت نكسة مؤلمة لنا بعد انتصار نادرشاه كوت. تمكن أكثر المجاهدين من الانسجاب من دراجي قبل الغروب ساحبين معهم جثث الشهداء وحاملين معهم الجرحى. بينما ظل في القرية 30مجاهداً فقط والدبابتان، وكان يقود إحداها خليل الرحمن (شقيق حقاني)، والأخرى يقودها إسماعيل التركستاني. تشاور القائدان في الموقف الصعب الذي يكابدانه، كانت الدبابتان في خطر جسيم من رمايات العدو التي لم تكد تهدأ طول اليوم. بينما كل القوة التي بجوزتهما لا تتجاوز30مجاهداً فقط أصبحوا في غاية الإرهاق وكادت ذخائرهم أن تنفذ، كانت ضخامة الخسائر التي دفعها المجاهدون حتى يستولوا على دراجي عائقاً يمنعهم من التفكير في الانسحاب ولكن لم يكن هناك أي حل آخر سوى الإبادة. فرضخوا للأمر وقرروا الانسحاب وبدون أن يتحدثوا بذلك على المخابرة حتى لاينشط العدو في شن هجوم معاكس عليهم قد لاينجو منه أحد. فحادثوا حقاني والآخرين أنهم باقون في دراجي وأن موقفهم جيد، فخدعوا بذلك العدو بل خدعوا حقاني نفسه الذي لم يكتشف حقيقة الانسحاب إلا في ضحى الغد، عندما شاهد بمنظاره المقرب جنود الحكومة يتجولون في أنحاء دراجي المدمرة.

 

فاتصل مع إبراهيم وإسماعيل يستوضح الأمر فأخبراه أنهما انسحبا تحت جنح الظلام وأنهم الآن في ليجاه. وكان إسماعيل أول من غادر الموقع في دبابته قبل أن يكتمل ظلام المكان عند الغروب. كانت خسائر الطرفين عالية، فالعدوّ فقد الكثير من جنوده ليس فقط بضربات المجاهدين بل أيضاً لدخولهم حقول الألغام أثناء فرارهم. أعلنت إذاعه كابول استعادة (دراجي) وتوقف الطيران عن قصفها، وارتفعت معنويات العدو كثيراً. بينما قضى المجاهدون ثلاثه أيام عصيبة تبادلوا فيها الاتهامات بالتقصير. وتلاوم رجال التنظيمات كل منهم يتهم الآخرين ويدفع عن نفسه تهمة التقصير. فقرر حقاني معاودة الهجوم قبل أن يتمكن العدو من إعاده بناء استحكاماته مرة أخرى.

 

المحاوله الثانية:

هاجمنا هذه المرة بدباتين يقود إسماعيل التركستاني واحدة، ويقود خليل الرحمن الدبابة الثانية. وكان إبراهيم “شقيق حقاني” على رأس هجوم المشاة. كالمرة السابقة كانت دبابة تحمي المؤخرة، ودبابتان في الهجوم على “سيد جي” “وموسى خان”.

وصل إسماعيل وخليل بالدبابتين إلى مواقعهم المحددة تحت جنح الظلام. أما إبراهيم مع 34من المجاهدين فقد وصل إلى موضعه المحدد مع طلوع الفجر ثم شرع في التقدم مع ازدياد الضوء صوب خط الدفاع الأول للعدو، ولكنه فوجئ بنيران رشاشات العدو تنهمر عليه هو ورجاله فيسقط منهم 4 شهداء على الفور، ويصاب هو بحوالي عشر طلقات في جسده شعر بأنها حطمت عظامه تحطيماً.. ولكنها لم تخترق الجسد. اكتشف إبراهيم أنه وقع في كمين متقدم للعدو وأن أحد المرابض الجديدة قد أوقعه تحت جحيم من النيران جعله لايستطيع الحركة في أي اتجاه، فاتّصل بأخيه جلال الدين حقاني بالمخابرة قائلاً: لقد وقعت في حصار. فسأله شقيقه ـ أين أنت؟. وماذا نستطيع أن نفعل لك؟ فأجاب إبراهيم وأصوات الرشاشات تلعلع من حوله: أنا في مقابل بوسطات العدو أسفل من “دراجي” أرسل لي خليل وإسماعيل بالدبابات، فبدونها لا يمكن أن نخرج من هنا. وبالفعل تحركت إليه الدبابات بسرعة ودمرت كمين العدو بنيرانها فتقدم إبراهيم ومعه 30 مجاهداً وعبروا خط الدفاع الأول ووصلوا إلى القرية وسيطروا عليها بسهولة لم يكونوا يتوقعونها. ولم تقع بهم خسائر غير تلك التي حدثت في الكمين الأول. كان المجاهدون في نفس الوقت تقريباً قد نجحوا في اقتحام موقعي (سيدجي) و(موسى خان) والذي قاد المجاهدين فيه مولوي حنيف شاه، ومعه شقيق الشهيد مطيع الله، فغنموا دبابة للعدو ضموها إلى قوة الدبابات التي ترافقهم واستخدموها جميعها ضد قوات العدو في دراجي وحولها، فبلغ عدد الدبابات مع المجاهدين 6دبابات حتى استقرت المنطقة نهائياً في يد المجاهدين. وبدأ تهاطل مجنون لصواريخ سكود، وغارات الطيران بالقنابل العنقودية. ولم يؤثر ذلك بشيء على المجاهدين.

 

أزمة في المستشفى.. ومجلة على خط الجبهة (يوم الجمعة 12يناير1990 / 14 جمادى الثانية 1410هـ):

ركبت في الصندوق الخلفي لسيارة إسعاف متوجهة نحو ميرانشاه، مع عدد من الأطباء الأفغان التابعين للحكومة المؤقتة “حكومة مجددي” كي يديروا مستشفى ميرانشاه الذي بقي معطلاً بعد أن تركه الهلال الأحمر الكويتي إثر خلافات حادة مع المجاهدين.

وكانت الخلافات مبعثها التشدد الســلفي لأطباء تلك الهيئة وتعاملهم المتعالي مع الأفغان. صاحبني في الرحلة الضابط الشاب (أعلي داد) وهو ضابط اتصالات يعمل مع حقاني ومن نفس قبيلته.

عندما وصلنا إلى بداية المنطقة القبلية في نهاية مدينة “بنون” وجدنا سيارة بيــك آب مليئـة بالحرس قد أرسلهم حقاني لاصطحاب الأطباء إلى مدينة ميرانشاه، على بعد ساعة من بنون. أمطرت السماء بشدة فانتقل الحراس إلى الركوب معنا داخل سيارة الإسعاف التي صارت مثل علبة السردين المسلحة بأشواك من بنادق الكلاشنكوف.

توقفت السيارة أمام المستشفى وكان البرد والمطر قد فرض حظراً للتجول في الساحة المقابلة والطرق المحيطة، فلم أتبيّن، كما هي العادة، شدة المعارك من حجم ازدحام الناس والسيارات أمام بوابة المستشفى.

توجهت بسرعة إلى بيت العرب، وهي مضافة من طابقين تحتوي الكثير من الغرف، سألتهم بلهفة عما لديهم من أخبار الجبهة، فأكدوا لي فشل الهجوم على تورغار وأن تفاصيل بــاقي المعارك مازالت مشوشة.

توجهت بعدها إلى”المكتب الثقافي” وهو غير بعيد عن بيت العرب ويفصل بينهما ساحة متسعة نسبياً وحولها أكداس من البيوت المتراكمة في قبح معماري نادر المثال. وقد ملئت الطرقـات بالأوحال وبرك من مياه الأمطار، وهو ما يجعل السير في الطرقات الضيقة، والمسقوفة أحيانا، عملية عسيرة. ولكن الميزة الوحيدة لتلك الأوحال والبرك أنها تخفي الصفوف الممتدة على مجنبات تلك الطرق مع ما يحط عليها من أسراب الذباب السـمين والكسول، الذي لا يتحرك إلا تحت وطأة التهديد الجدي.

من المفروض أن تكون لمجلتنا الجديدة غرفة خاصة في الطابق الأرضي من ذلك البيت الواسع والذي تشاركنا فيه الإذاعة ومكاتبها، وغرفة ضيافة واسعة في الطابق الأعلى تحتوي على”متحف” من مخلفات معركة جاور فيه قطع من معدات وملابس وأوراق رسمـــية لجنود سوفييت وكوماندوز أفغان قتلوا في تلك الحملة.

إضافة إلى خريطة كبيرة مجسمة للقطــاع الجنوبي من الجبهة يظهر فيه جبل تورغار. لم يكن أحد من أفراد طاقم المجلة موجـوداً في المبنى، بل إنّ أكثر الناس كانوا فعلاً داخل الجبهات. نمت وحيداً في إحدى الغرف البـاردة، ولكنها كانت مليئة بالأغطية، فوضعت فوقي كومة منها، وما أن شعرت بالدفء حتى رحت في نوم عميق.

 

حقاني يودع الشهداء في مقبرة ميرانشاه (السبت 13 يناير 1990 / 15 جماد الثانية 1410):

منذ الصباح الباكر بدأت في تحري أخبار الجبهات فعلمت أن الهجوم على تورغار قد فشـل، وأيضاً الهجوم على إسماعيل خيل الذي جرح فيه 65 من المجاهدين. ومن قادة الهجوم جرح حنيف شاه، صديقي القديم، واستشهد زميله حكم خان. كانت الأخبار سيئة والوجوه متجهمة. ومازالت تفاصيل ما حدث مجهولة، أخذت في تجهيز حقيبتي للتحرك إلى الجبهة، عندما يصل حاجي إبراهيم مساعدي في العمل بالمجلة. وهو طالب علوم شرعية، وكومندان سابق، من منطقة “زورمات” في قرية “شاهي كوت”. وعمله الرسمي معي في المجلة مترجماً، وكان شاباً دمث الخلق ذكياً وشجاعاً محبوباً من جميع الأفغان، لذا فقد ساعدني كثيراً سواء في شؤون المجلة أو في العمليات التي اشتركنا فيها معاً، كما سنرى.

حضر حاجي إبراهيم صباحاً، وكان كل منا سعيداً بلقاء الآخر بعد فترة من الغياب. لم أجد لديه خبراً جديداً عما حدث في المعارك الأخيرة سوى نفس الوجوم والكدر الذي غمر الجمــيع. فخرجنا سوياً إلى السوق لنشتري بعض احتياجاتنا في سفرتنا القادمة إلى الجبهة.

اشتريــت عشرة أفلام ملوّنة من أجل التصوير، وكنت أحمل في جيبي دوماً كاميرا صغيرة من طراز حديث، وفي أمتعتي كاميرا أكبر مع عدسة مقربة إضافية، وهي أيضاً من نوع حديث ولكنها كانت أمانة عندي من صديق.

عند عودتنا إلى المكتب علمنا أن الشيخ حقاني سوف يحضر مراسم دفن الشهداء في المقبرة المواجهة للمستشفى، فأجلنا سفرنا حتى نلقاه. كان الزحام شديداً حول المقبرة، التي ازدانت مقابرها بالأعلام الملونة الدالة على أن أصحابها من شهداء المعارك، وكان عدداً منهم من أفضل أصدقائي القدماء منهم الشهيد عبد الرحمن المصري، ومولوي أحمد جول ومولوي فتح الله ومولوي شاكرين وغيرهم كثير. أما ابني خالد فقد دفن في مقبرة أخرى في منطقة “ماتشز” حيث يسكن صديقي حاجي إبراهيم.

حضر مولوي حقاني وألقى كلمة مطولة في جموع المحتشدين حول المقبرة، تناول فيها مواضيع دينية عن الإسلام والجهاد والشهادة، وحث الناس متابعة الجهاد والصبر على مشاقة. وكانت تلك الفرص مناسبة تماماً لتعبئة الناس نفسياً، ورفع معنوياتهم بعد فقد الأعزاء من المجاهدين الذين تعلقت بهم النفوس.

كان المحتشدون من المسلحين ذوي الأجسام النحيلة الصلبة والوجوه الملتحية العابسة بصرامة، وكل منهم يحمل فوق كاهله من الآلام مالا تتحمله الجبال الرواسي. قليل منهم يبكي أثناء تلك المناسبات وأكثرهم تترقرق عيونه بالدموع، وعن نفسي كنت أفضل ألا أحضر تلك المناسبات متعمداً، بل أفضل أن أراقبها وحيداً من على بعد حتى أدع عواطفي تنساب على سجيتها بدون اعتبار لتواجد الآخرين، فمن المخجل للرجل أن يراه أحد حين يبكي.

ذهبت مع إبراهيم قبل العصر إلى مضافة حقاني الملاصقة لمنزله، وكانت عبارة عن صالة كبيره للضيوف، أحد أطرافها يمكن فصله بواسطة ستارة سمكية فيصبح غرفة صغيرة منعزلة تحف جدرانها المقاعد وتتوسطها طاولة صغيرة عليها تلفزيون وفيديو، فهي إذن صـالــة عرض الأفلام التي التقطها عدد من المصورين التابعين لحقاني أثناء المعارك. في الطرف الآخر من البهو المتسع هناك باب يفضي إلى غرفة صغيرة بها سريرين وعدد من المقاعد وهي مخصصة لكبار الزوار ومرفق بها حمام خاص.

وللمضافة حديقة متوسطة الحجم، معتني بها، ومحاطة بحاجز من الأسلاك لحمايتها من أطفال العائلة، الذين يتسللون إليها دوماً فيتعرضون إلى زجر الحراس والأقارب، ولكن زهور الحديقة تدفع الثمن غالياً بوصول هؤلاء الأطفال إلى المضافة.

قابلنا الشيخ في المضافة الكبيرة الخاصة بالضيوف، وكان برفقته أخواه إسماعيل، وخليــل الرحمن الذي كان مصاباً في كفه على أثر المعارك الأخيرة. لم أتمكن من الحديث مع حقاني الذي تجهز للتحرك إلى “باري” وطلب مني أن ألقاه هناك.

غادر حقاني المضافة وكذلك معظم الحاضرين، وبقيت مع إبراهيم لاستكمال الحديث مع بعض من حضروا المعارك الأخيرة. وكان منهم مصطفى اليمني الذي كان مع مجموعته اليمنية في طرف إسماعيل خيل، وكان منهم أبو محمد السوري أحد أفراد المجموعة القيادية في جماعة أبوالحارث. (وكان في مركز أبو الحارث في الطرف الغربي لسلسة جبل تورغار).

ذلك المركز عبارة عن عدد من المغارات ضيقة المدخل وبعضها متصل من الدخل بقنوات ارتباط، وفتحات المغارات مواجهة للغرب، وذكر أبو محمد أن صاروخ من راجمة BM41 قد أصاب موقعهم فقتل رامي الهاون وزميله.

أما مصطفى اليمني وكان يقود مجموعة مدعومة من بعض شيوخ اليمن من بينهم الشيخ عبدالمجيد الزنداني، فقال بأنه ومجموعته قد شاركوا في الهجوم الذي بدأ في السادسة صباحاً على قرية إسماعيل خيل وبدون تمهيد مدفعي حتى تتحقق المفاجأة للعدو.

وقال بأنه مع ارتفاع الشمس كان المجاهدون قد حوصروا بالميليشيات، وفي البداية هرب الرجال من القرية، وبقيت النساء تدافعن بشراسة حتى أن بعضهن كنّ يستخدمن مدافع الهاون من داخل أسوار البيوت.

كما أن طائرات الهيلوكبتر هاجمت المجاهدين بشجاعة كبيرة، وقال إن مدفعيات المجاهدين تدخلت وقصفت المراكز الخلفية لمدفعية العدوّ. وذكر أيضاً أن عدد الشهداء كان خمسة فقط والجرحى كانوا 75 جريحاً. ولم يكن لديه تفاصيل أكثر من ذلك.

ولكن جريدة “المسلم” الباكستانية ذكرت في عددها اليوم أن هجوماً للمجاهدين بهدف الاستيلاء على مدينة خوست قد فشل، وأن جرحاهم في ذلك الهجوم الفاشل كان156 شخصاً، أي ضعف العدد الأصلي تقريباً. في الواقع لقد انحسر كثيرًا تأييد الإعلام الباكستاني للمجاهدين، وبعض الصحف أظهرت عداءً صريحاً. لقد كانت رئيسة الوزراء “بي نظير بوتو” تكشر عن أنيابها ناصعة البياض المتلألئة خلف شفاه مصبوغة بلون الدم، وربما كان دم عبدالله عزام. من بين شهداء الأمس سائق دبابة كان يعمل مع خليل في قصف جبل تورغار من الخلف (جهة الوادي) وأثناء خروجه من الدبابة سقطت قذيفه هاون “120 مليمتر” فوق البرج فقتل السائق في الحال وأصيب خليل الرحمن في كف يده.