الرجل العملاق الذي صدق ما عاهد عليه الله

الكاتب: السيد عبدالرزاق

يقولون بأن الحياة قد ضاقت والناس تلاشوا، والأرض قفرت عن الأبطال أمثال صلاح الدين الأيوبي، والسلطان محمد الثاني،والغزنوي، وغيرهم…وعاد الإسلام غريبا، وأهله لا حامي لهم من الأذى، ومتبعو هذا الدين من المستضعفين الذين لا يجدون مأوىً ولا ملجأً، ولا يوجد على بسيط الأرض من مأمونٍ يغيث أخته التي تستغيثه،

والخضراء اليوم لا تظل معتصماً يعين المظلوم في شكواه، ولا تقل الغبراء من يمسح على دموع اليتيم، وينتقم من قاتل أبيه.

كم سمعنا أن الكفرة دخلوا بلدة ففعلوا ما لا تطيق آذاننا سماعه، وأبصارنا مشاهدته، ولا من رجلٍ يدافع عن نساء المسلمين،ولا من أحد يقاوم جيوش الطواغيت والحكم الجبري،

ولكن هلموا لأدلكم على رجل قضى جل حياته إما في مجال التعليم والتعلم، وهو مجالٌ أشار لخيريته خير الأنام وأفضل الرسل وإمامهم صلى الله عليه وسلم، وإما في ظلال السيوف، العبادة التي هي عز الإسلام وذروة سنامه كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، والتي غدوة فيها خير من الدنيا وما فيها.

هذا الرجل العبقري العملاق هو الشيخ جلال الدين الحقاني رحمه الله، ولد عام 1944 الميلادي في بكتيا إحدى ولايات أفغانستان الشهيرة، في أسرة دينية عريقة، وحين عقل أخذ يتردد إلى حلقات العلم حسب أعراف الشعب الأفغاني، فحصل على قدرٍ كبيرٍ من الفنون الأدبية والعلمية وهو صغير السن،

ثم عزم على شد الرحال للحصول على التعليم العالي من الحديث والتفسير والفقه وغير ذلك، تدرجاً من المهم فالأهم طبق ما ورثه من السلف الذين سبقوه في هذا السبيل، وسافر لهذا الغرض إلى أبعد المدن والتحق بأشهر مدرسة من الجامعات الدينية والإسلامية، وأتم هناك دراسته من الحديث والتفسير، وتخرج على مشاهير اهل العلم من ذلك العصر، سنة 1964 الميلادي.

وبذلك توجهت إليه مسئولية تبليغ ما تعلمه من ميراث النبوة إلى عباد الله عز وجل، فأحسن الشيخ في هذا المجال وبدأ بمجال التعليم والتدريس، وما لبث هنيةً حتى أصبح من البارعين في زمرة المعلمين واللذين لهم يد الطولى في هذا الباب، إلا أنه لم يبقَ على هذا الحال مدةً طويلة؛

لهجوم الأفكار الروسية والشيوعية على دولة أفغانستان بمداخلة الملك محمد داود الحاكم المطلق لها آنذاك، وصار ذلك سبباً لترك الشيخ الحياة التعليمية، ومفاصلته لتلك الأفكار الطاغوتية والضالة المضلة، حتى صار الشيخ من أبرز الشخصيات التي استهدفتها الحكومة وحاولت القبض عليها،

فاختار الشيخ التخفي بينما يقوم بأداء الشؤون التي كان يحسبها من الضروريات، والدفاع عن حرمة الإسلام، فحث الشعب الأفغاني إلى العدوة إلى دين الله المتين، وإلى القيام ضد هذا السيل العرم الذي برز في صورة الأفكار الشيطانية الشيوعية التي تسبب في شيوعها في أفغانستان الحاكمُ الأفغاني ومعاونوه من أركان الدولة.

كان الشيخ لا يألو جهداً في هذا الأمر إلا أن هذه الحياة الجهادية تحول إليها بعد الحياة التعليمية حين أغار الحلف الروسي على مملكة أفغانستان، وقبض على حكومتها، ومنع الشعائر الإسلامية، وضيق على المسلمين حياتهم حتى حمل علماء الشعب الأفغاني أن يصدروا حكما بفرضية الجهاد ضد هذا الطاغوت والجبروت،

فقام حينئذ جماهير العلماء وأنشؤوا جماعات يجاهدون بها في سبيل الله ليستعيدوا حريتهم واستقلال وطنهم ويهزموا الحلف الروسي وينشؤوا دولة إسلامية تقيم الحدود وغير ذلك من الأحكام الإسلامية، وكان الشيخ محمد يونس خالص من أحد الزعماء الذين أخلصوا جهادهم لله عز وجل، وكان همهم إعلاء كلمة الله منذ بداية الأمر إلى نهاية حياتهم،

فالتحق الشيخ جلال الدين حقاني به، وجاهد في سبيل الله حق الجهاد، وقدم في الجهاد دورا هاماً مسطراً فيه بطولات لا تُنسى ومفاخر شامخة لا مثيل لها في تاريخ المسلمين الحديث، حتى أصبح من أبرز أعداء القوات المحتلة الغاشمة وصار معروفاً فيما بينهم.

وبعد فضل الله، فبسبب جهوده الجبارة وعمله المتفاقم وإخلاصه الفائق انهزم الحلف الروسي، ولم يجد سبيلا إلى الخلاص إلا الفرار فاختاره مع شدة الندامة والخجالة، وزحف هارباً من أفغانستان لا يلوي على شيء، وانحدر الحلف الروسي بسبب ذلك من قوة عظمى إلى قوةٍ عادية لا يأبه بها النظام الدولي والعسكري ولا في القانون الدولي، وبذلك سقط من قطبي العالم.

لا يكاد يجترئ قلمي ولا أن يقدر على كتابة نكبات مؤلمة ومؤسفة إبان فشل الثورة الروسية والشيوعية، وذاك لما انسحبت القوات الروسية واحتل المجاهدون العاصمة كابل، وأخذوا يتقاتلون فيما بينهم صباح مساء حروباً حزبية،

وخلع أفراد الحركات الإسلامية ربقة الإسلام من أعناقهم، وقطعوا ربقة الله عن أكتافهم، فوقعوا في حرمات الله، وتجاوزوا على نواميس الرجال وفعلوا مافعلوا من الأمور البشيعة المؤلمة اللتي تخالف الإنسانية والفكرة الإسلامية،

فاعتزل الشيخ حقاني تلك الجماعات حينئذ، فقد كان يرى أن الجهاد في سبيل الله الغرض منه حتى لا تكون فتنة، فلو ساهم في هذا الاقتتال فسيعيد الفتنة، وذالك لايجدر بالمسلم وعليه الاحتراز منه، بالالتزام في البيت أو الاعتصام في الجبال.

كان الشيخ قد عزم على ذلك إلى أن قام الملا محمد عمر المجاهد رحمه الله بثورة مسلحة قاتل فيها الفوضى في البلاد سنة 1415 من الهجرة، وحقق انتصارات وتقدمات هائلة، فاجتمع عدد كبير من رؤساء أهل العلم وبايعوه،

ووكلوه زمام الحكومة، ولقبوه بأميرالمؤمنين سنة 1416 من الهجرة، فرجع الشيخ جلال الدين حقاني عن عزلته، واتفق مع أمير المؤمنين الملا محمد عمر المجاهد في مقاومته الفساد، وواعده بأن يكون وزيرا له يؤازره،

واعتمد عليه الملا محمد عمر وولاه مناصب كبرى دفاعية، وإدارية، وعسكرية عبر الوقت، وقدأحسن الشيخ في حل مشاكلها بأحسن مايوصف، واستمر في ذلك حتى هجمت أمريكا وأعوانها الدول الأوروبية وحلف “الناتو “على أفغانستان، واحتلوها، واستعمروها، فانتهكوا حرمات الله، وهدموا النظام الإسلامي، وخربوا الديار والأوطان، وأسالوا الدماء، وفرضوا الديمقراطية بدل النظام الشرعي الإسلامي.

فعادت ثورة الجهاد الإسلامي مرة أخرى، وأصدر علماء أفغانستان، والدول الإسلامية فتوى مهمة بفرضية الجهاد ضد الاحتلال الأمريكي ومقاومته، وفي تلك المرحلة الحاسمة المهولة ثبت ساعتها الشيخ جلال الدين الحقاني ثباتا راسخا، فشمر عن ساق الجد مرة أخرى،

وعاد إلى نفس ما كان يعمل إبان الاحتلال الشيوعي، وكان من الممكن أن يمنع الشيخ من ذلك الأمر ضعفه، وكبر سنه إلا أن جمرة الإيمان التي كانت تتقد في صدر الشيخ لم تلفته إلى هذه التأويلات الضعيفة، ولم تكن صادة له عن ذلك السبيل المقدس،

فتقدم الشيخ وتسابق إلى الميدان، واستعاد نشاطه وأخذ الكفر بعجره وبجره، وأصبح في القليل من المدة من أشجع القوم وأقوم الفرسان، وشن على قوات الكفر بغارات وغارات حتى زلزل قصوره، وضايق عليهم الأرض بما رحبت، ومافتئ في هذه الفترة المباركة حياته إلى آخر يوم، لقي بعدها الله عزوجل، وذالك سنة 2018، لأربع خلون من شهر سبتمبر.

إن الشيخ كما كان يقاوم بنفسه الاحتلال الأمريكي، فقد أدخل معه ذريته الطيبة وأسرته المجاهدة في هذا العمل، حتى استشهد من أسرته أكثر من عشرين نفسا، أربعة منهم من أبناء الشيخ وهم محمد وعبدالله وبدرالدين والدكتور نصيرالدين، وقد أسر العدو الكثير من أسرته،

وكان من الغريب أن أي رجل من أسرته لو قدر عليه الأسر كان الحكم عليه بالإعدام سواء كان ما اقترفه جليلا أو صغيرا، وسواء كانت لجريمته بينة أم لا، وذلك بسبب أعمال الشيخ الكبيرة، وهيبته في قلوب أبناء الصليب، ويمكن أن نذكر لكم كمثال ابنه العزيز البطل الجليل الدكتور محمد أنس الحقاني، الذي أصدر الحكم عليه مرار بالإعدام، إلا أن الحكم تم نقضه ببركة الله عز وجل كل مرة.

إن الشيخ رحمه الله كان مغوارا بطلا جليلا، ابن المعارك والحروب، لايبالي بالموت ولا الأسر ولا يهاب من أي خطر، كما أنه عالم متبحر، عارف بالكتاب والسنة، له باع طويل في اللغة العربية، وهو خطيب مفوه يصدع القلوب بخطبه الجليلة، والأمر الهنيئ في هذا الباب أن الشيخ لا يخطب خطبة عادة، ولا يخطب مبالغا في تزويق ألفاظه،

لكنه توخى أن يبلغ رسالة إلى شعوب العالم بأن الكفر هو العدو الغاشم المحتل المسعور، وكانت خطبه لذلك رسالة هامة تؤثر في القلوب، وتؤجج النيران في الوجدان، وبتلك الخطاب زرع فكر الجهاد في الصدور، وحض على البراءة من كل كفور.

إن ما قدمه الشيخ في الجهاد ضد الاتحاد السوفياتي، والاحتلال الأمريكي لهو دور عظيم لا ينساه التاريخ عبر القرون، وصحيح أن الشيخ قد مات فني جسده، إلا أنه حي في قلوبنا حبا وإجلالا، ونقول بأن حياته الطيبة نموذج صالح لشباب الأمة الإسلامية، فندعوهم إلى أن يتخذوه أسوة وقدوة.