ألم الشهادة في سبيل الله

أبو محمد

في ظلّ الانتهاكات الصارخة للعدوّ الذي يريد أن يعرقل طريق السلام في أفغانستان بطرق مختلفة، تارة بالمماطلة بإطلاق سراح المعتقلين الذين كان من المفترض أن يطلق سراحهم في وقت قصير بعد اتفاقية الدوحة، وتارة أخرى بالتمثيل بجثث الشهداء بطريقة وحشية وبربرية.

وهنا يُطرح سؤال: هل الشهيد الذي باع روحه لله تعالى وفي سبيله، يرى ألم الشهادة وكيف يكون ذلك؟

وبتصفّح بسيط لصفحات العلم نعثر على الإجابة الواضحة التي تفضح الأعداء بأنّ الشهيد لا يجد ألم الشهادة، وكما قالت أسماء رضي الله عنها قولتها المشهورة: “لا يضرّ الشاة سلخها بعد ذبحها”. وفيما يلي نقرأ بعض الأحاديث وأقوال أهل العلم كي تتضح المسألة وضوحاً كاملاً.

روى الإمام أحمد (7953)، والترمذي (1668)، والنسائي (3161)، وابن ماجة (2802)، وابن حبان (4655)، والبيهقي (18525) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ، إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مَسِّ الْقَرْصَةِ) وصححه الترمذي.

وله شاهد يرويه الطبراني في ” المعجم الأوسط” (280) من حديث أَبِي قَتَادَةَ .وشاهد آخر من حديث ابن عباس يرويه ابن أبي عاصم في “الجهاد” (192).

وبوب له ابن حبان: “ذِكْرُ وَصْفِ مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ أَلَمِ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا”.

ومعنى الحديث: أن المجاهد في سبيل الله إذا أراد الله به الكرامة فقتل في سبيله شهيدا، فإنه لا يجد من ألم القتل ومعالجة الموت إلا كما يجد أحدنا من ألم القرصة. والقرص كما في “القاموس المحيط” (ص:626(: “أخْذُكَ لَحْمَ الإِنْسَانِ بإصْبعَيْكَ حتى تُؤْلِمَهُ”.

وقيل: مثل عض النملة .

قال ابن القيم رحمه الله: “لا يجد الشهيد من الألم إلا مثل ألم القرصة، فليس في قتل الشهيد مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبني آدم ؛ فمن عد مصيبة هذا القتل أعظم من مصيبة الموت على الفراش: فهو جاهل، بل موت الشهيد من أيسر الميتات، وأفضلها وأعلاه”. انتهى من “إغاثة اللهفان” (2/ 194).

وقال المناوي رحمه الله: يعني أنه تعالى يهوّن عليه الموت ويكفيه سكراته وكربه، بل رب شهيد يتلذذ ببذل نفسه في سبيل الله طيبة بها نفسه ؛ كقول خبيب الأنصاري حين قتل:

ولست أبالي حين أقتل مسلما ** علي أي شق كان لله مصرعي

انتهى من “فيض القدير” (4/ 182) .

وقال أيضا: وهذه تسلية لهم عن هذا الحادث العظيم والخطب الجسيم، وتهييج الصبر على وقع السيوف واقتحام الحتوف”. انتهى من “فيض القدير” (4/ 182).

وقال ابن علان رحمه الله:”(ما يجد الشهيد من مس القتل) وألمه (إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة) أي: قرصة نحو النملة من كل مؤلم ألماً خفيفاً، سريع الانقضاء لا يعقب علة، ولا سقماً. قال العاقولي: القرص الأخذ بأطراف الأصابع، وأدخل عليها أداة الحصر؛ دفعاً لما يتوهم أن ألمه أعظم من ألمها”. انتهى من “دليل الفالحين” (7/ 124) .

قال ابن الفَرَضيّ: تعلقت بأستار الكعبة وسألت ﷲ الشهادة ثم فكرت في هول القتل فندِمت وهممت أن أرجِعَ فأستقيلَ ﷲَ ذلك فاستحييت قال ابن حزم: فأخبرني مَن رآه بين القتلى [بقرطبة] ودنا منه فسمِعه يقول بصوت ضعيف: لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيل ﷲ…إلخ، كأنه يُعيد على نفسه الحديث، ثم قَضَى.

وكمال الحديث الذي أراد الفرضي: “لا يُكلَمُ أحدٌ في سبيلِ اللهِ – واللهُ أعلمُ – بمن يُكلَمُ في سبيلهِ إلا جاء يومَ القيامةِ اللونُ لونُ الدمِ، والريحُ ريحُ المسكِ”. كلم: جُرِحَ.