كلمات من نار (2)

أبو غلام الله

توجهت الحملة الفرنسية لاحتلال الجزائر عام 1245هـ، ودخلها من منطقة (سيدي فرج 14 كيلو غرب العاصمة)، حتى وقعت العاصمة في أيديهم عام 1246هـ. وكان من علماء ذلك الزمان الشيخ الجليل علي بن عبد السلام التسولي رحمه الله،

وقد قال في كتابه أجوبة التسولي على أسئلة الأمير عبدا لقادر في الجهاد (ص 256(: “ولما استولى الكافر ـ دمره الله ـ على ثغر الجزائر ـ أعاد الله دار إسلام ـ في المحرم 1246هـ، لفقت خطبة مشتملة على التحريض على الاستعداد، وعلى بعض أحكام الجهاد، وخطبت بها ـ بعد ذلك ـ في بعض البلاد، خروجها من عهدة قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ

إذا ظهرت البدع وسكت العالم فعليه لعنة الله والعباد، من عهدة قوله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس)، ومن عهدة قوله تعالى (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات)، الموجب ذلك كله، لطرد الكاتم والإبعاد، وامتثالا لقوله تعالى ـ في كتابه الكريم ـ (وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا)، ولقوله تعالى (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال).

ولقوله صلى الله عليه وسلم ممّا أخرجه «أحمد» و«الطبراني»: «أنّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه»، ولقوله عليه الصلاة والسلام، فيما أخرجه السمرقندي: «أنّ أول من يدخل الجنة سرا، والناس في الحساب من أمر بالجهاد وحرض عليه» وهكذا أيضا رواه «في شفاء الصدور».

وعن علي رضي الله عنه قال: «من حرض أخاه على الجهاد، كان له أجره، وكان له في كل خطوة في ذلك عبادة سنة».

والمأثور عنهم في ذلك: لا يحويه ديوان، ولا يحصره زمام الأذهان، وكيف «والدين كجسم، والجهاد منه بمنزلة الرأس من الأجساد».

وأثبّتها هاهنا لما اشتملت عليه من التحريض، ونيل الثواب الجزيل في قتال أهل العناد.

نصها: “الحمد لله، الواحد الأحد المنزه عن الأكفاء، والأضداد، المتعالي عن الأشياء، والشركاء والأنداد، الذي هدى من وفقه إلى طريق الرشاد، وخذل بعدله من أضله فأوجب له الطرد والإبعاد، نحمده ونشكره على ما أسبغ من النعم، ورفع من النقم، وهو سبحانه لمن حمده وشكره كفيل بالازدياد.

ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لاشريك له، شهادة ترغم بها أنوف أهل الشرك والارتداد.

ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، المبعوث بدلائل الحق، وقتال أهل العناد، وعلى آله الأبرار، وصحابته الأخيار – الذين بذلوا المجهود في قتال أهل الشرك، بذلا خارجا عن المعتاد – صلاة دائمة تقينا بها من أهوال يوم الجزاء، الذي لا ينفع فيه مال، ولا وداد.

عباد الله: عليكم بتقوى الله، وأجيبوا داعي الله، واعلموا أنَّ الله سبحانه، أيّد هذا الدين المحمدي بالجهاد، ووعد الساعي فيه، أو في شيء منه إلى سني المراد، فجعل سبحانه الشهيد بالحياة المحفوفة في برزخ الموت، بالرزق الجزيل، وحسن الاستمداد، فما من ميت مقبول إلا ولا يتمنى العود إلى الدنيا إلاَّ الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة عند ذي العرش الحميد، فيتمنى: الرجوع إليها ليزداد، إذ له من الكرامة مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يوم العباد.

أخرج «الحاكم» عن «عائشة» – رضي الله عنها-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لجابر بن عبد الله» وقد استشهد أبوه في «أحد»: «ألا أبشرك؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: «إن الله أحيا أباك وأقعده بين يديه، وقال: تمنّ علي ما شئت أعطيك؟ قال: يا رب ما عبدتك حق عبادتك، أتمنى أن تردني إلى الدنيا، أقتل مع نبيك مرة أخرى في الجهاد، قال: قد سبق مني إنك إليها لا ترد».

فأعظم به من وصف لا تحصى فضائله، إذ قدمت على نوافل الخير المعلّى نوافله، عند الربِّ الرحيم الكريم يوم التناد.
فناهيك بأنَّ للمجاهد مزية لا يدركها غيره، ولو عبد ألف سنة، هي حياته المحفوفة بالرزق الجليل طول الآباد.

أخرج «ابن جرير» عن «الضحاك» -رضي الله عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما أصيب أهل «أحد»: أعطاهم الله الشهادة والحياة، والرزق الطيب، قالوا: يا ليتنا نبلغ إخواننا: إنا قد لقينا ربنا، فرضي عنّا، وأرضانا،

فقال الله تعالى: أنا رسولكم إلى نبينكم، وإخوانكم، وأنزل الله: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ و وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ.

فبيّن – سبحانه -: أنه لا نجاة من الموت ولا محيد إلاّ في قتال أهل الكفر والعناد، فيالها من مزية، علت المزايا مراتبها، ورتبة علت المراتب فضائلها، فاق بها المجاهد سائر العباد، وفاز بكريم منابها يوم يقوم الأشهاد، فلو أراد أحدكم دواء للموت، لم يجد له إلا فناء نفسه في قتال أهل الكفر والارتداد.

فحرّضوا أنفسكم وأشياعكم عليه بقلب وقالب وجازم الاعتقاد، وأكثروا من الأهبة والنفر إليه، وبادروا له بغاية الاستعداد، فإن لم تشغلوهم شغلوكم، وإن لم تقاتلوهم قاتلوكم، كيف وهم لكم بالمرصاد، أولا ترون أنهم نزلوا على من بالقرب منكم، واستولوا لهم على أعظم الثغور، وصارت تخلي رعبا منهم، المنازل والقصور، ويغتالون لهم الرقاب والأموال والأولاد.

فانظروا أيدكم الله لأنفسكم!: فإنَّ فساد الكفر، لا يعدله فساد، يبث الشرك والتثليث، وينسخ كلمة التوحيد، و يُمحي أثر قائلها من الأرض والبلاد!

أولا تتيقنون أن الله – سبحانه-: أمرنا بالغلظة عليه، والتقوّي، وكثرة الاستعداد؟

أولا تعلمون أن الله – سبحانه-: وعدنا بالنصر عليهم وهو سبحانه إن وعد بشيء لا يخلف الميعاد؟

قال جل من قائل  إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ  وقال:  وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً 

وقال:  وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ  وقال:  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ 

وقال  قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ  وقال: وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً

وقال:  أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ  أي: أحسبتم أن تتركوا فلا تؤمروا بالقتال في الجهاد، ولا تمتحنوا ليظهر الصادق من الكاذب، ويتميز كل على الانفراد.

وقال:  وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ  أي: لنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالقتال والجهاد، حتى يتبين الصابر على دينه من غيره، وتظهر أخباركم للحاضر والباد.

فتنبهوا أيدكم الله: فإنّكم بهذه الآيات القرآنية المخاطبون، وبالأحاديث المصطفية المقصودون، إذ بيدكم الحل و العقد، والرعية في طوعكم، فكيف بأمرها بالجهاد تبخلون؟ وأنتم خلفاء الله في أرضه..

فكيف على دينه لا تغيرون؟ أأمنتم مكر الله  فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ 

أاتخذتم عند الله عهداً، فأنت عليه متوكلون؟!

أم تعتقدون أن كفاركم اليوم لا يقصدونكم بالقتال والجهاد.

أم تقولون: نحن اشتغلنا اليوم بجهاد أنفسنا ورعيتنا، بالخدمة على الأولاد؟

والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعثه الله مجاهداً، وفي هذا الغرض الأدنى زاهداً، مقتنعاً باليسير، وهو: يستعد لعدوه الاستعداد الكبير، فإذا لم تقتدوا به فبمن تقتدون؟

وإذا لم تهتدوا به فبمن تهتدون؟

وإذا لم تشمروا عن ساق الجد في هذه البرهة ففي أي وقت تشمرون؟

وإذا لم تستعدوا في هذه الفسحة فمتى تستعدون؟

أفلا تتذكرون: أنّ الله تعالى سبحانه أمر بالذهاب إليهم، وقتالهم في أرضهم، فكيف: إذا قدموا إلى برنا هذا بالغي والفساد، أم لنا براءة استثنانا الله تعالى بسببها من عموم دعوة العباد؟

فالجهاد فرض عينٍ على من نزل به عدو الدين، فإن لم تكن فيهم كفاية، أو لم تجتمع لهم كلمة: فعلى الذين يلونهم، فإن لم تكن في الذين يلونهم كفاية، أو لم تجتمع لهم كلمة، فعلى الذين يلونهم، وهكذا إلى أن تحصل الكفاية…

ولو اتصل ذلك من مثل المغرب لبغداد.. وعم ذلك من الآفاق الحاضر والباد.

فأيقظوا أنفسكم من وسن الغفلة، وانتهزوا من عدو الدين الفرصة، مادامت معكم فرصة الاستعداد، قبل أن يتفاقم الهول، ويحق القول، ويسد الباب، ويحق العذاب، وتسترق بالكفر الرقاب، ويحصل الفوت بسبب الازدياد…

فإن لم تستعدوا فهم لكم بصدد الاستعداد، والوقوف لكم بالمرصاد، ولا تتكلوا على من يخبركم من ضعاف العقول من وفائهم باستمرار العهود، وعدم نقضهم للميثاق المعقود، فإن ذلك كله مردود…

إذ لا ميثاق ولا عهد لأعداء الدين وأهل الفساد، كيف ونحن لا نعتبر عهودهم وشهادتهم بالإضافة إليهم، فكيف نعتبرها بالنسبة إلينا بإجماع أهل العلم والاجتهاد؟!

جعلني الله وإياكم ممن يقظ فاستيقظ، ووعظ فاتعظ… وكان أول من امتثل، حتى فاز بفضيلة مزية الجهاد”.