حكاية مدرسة مقصوفة

جاويد أفغان

«حذار بأن تطأ بأقدامك هنا، هنا نُسَخ من القرآن الكريم وتفاسيره تمزّقت واختلطت بالتراب» لقد حيرتني كلمات الملا خان عزيز المذكورة، فالشيخ من سكّان قرية بابك بمديرية جلجه بولاية ميدان وردك. كان للشيخ في منطقته مدرسة باسم نور المدارس الفاروقية وفيها كثير من التلاميذ، يتعلمون العلوم الشرعية.

مع أنّ أعمال إعادة بناء المدرسة قد بدأت، إلا أنّ جدرانها المهدّمة المغبرّة كانت تحكي عن كارثة أليمة، وأنّ فناء المدرسة كان يتحمّل آلامًا ثقيلة.

أردتُ أن أدخل غرفة، لكني رأيت كومة تراب، فلمّا وطأتها، ناداني ذلك الشيخ الطاعن في السنّ، حذار بأن تطأ بأقدامك هنا، هنا نُسَخ من القرآن الكريم وتفاسيره تمزّقت واختلطت بالتراب.

قلتُ كيف؟

قال: هذه مدرسة كان يدرس فيها عدد كبير من الطلبة، ولكنّها قصفت ذات ليلة من قبل الأمريكان وأذنابهم من العملاء والخونة، وأنّ مكتبة المدرسة التي كانت مكتظة بالكتب الدينية ولا سيما التفاسير التي كانت تقدّر بأكثر من مليوني أفغانية من العملة الأفغانية، احترقت في هذا القصف الوحشي. وأنّ رماد المكتبة المقصوفة المحترقة يزعجني ويؤلمني جدًّا.

فاسترجعت بإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قلتُ لذلك الشيخ المتعب: أبتاه! إنّ جميع آمالك ذهبت أدراج الرّياح، فمدرستك قُصفت، ومكتبتك احترقت، واستشهد تلاميذك، فهل لك رجاء في إعادة بنائها؟

اغرورقت عيناه بالدموع، وأشار برأسه، ولم يستطع الطلبة الذين اجتمعوا حوله بأن يتمالكوا أنفسهم، ففاضت عيونهم بالدمع.

يحكي أحد الطلبة (12 عاماً) تلك الكارثة المأساوية، فيقول: مضى هزيع من الليل، كان الطلبة مشغولون بتلاوة القرآن الكريم، إذ سمعنا أزيز الطائرات، وبعد فترة قصيرة كنا نسمع أزيز طائرة فحسب كانت تراقب الساحة المذكورة، ما كنتُ أظنّ بأنهم سيستهدفون المدرسة، ويقتلون زملائي وأصدقائي، نادى أحد الزملاء بأنّ الأوضاع على ما يرام، اذهب وشغّل اللمبة،

فلمّا كانت يدي على زرّ اللمبة وبعد الضغط مباشرة، سمعتُ صوتًا مزعجًا رهيبًا، فرجعتُ إلى مكاني الأول، ثم سمعنا ضجيجًا من فناء المدرسة بأنّ القوات الأطلسية دخلت، قالوا لنا لا تتحرّكوا وارفعوا أيديكم!
فلم يكن معنا طلبة كبار في السنّ كي يواسونا، فبكينا جميعا وصرخنا، وبعد لحظة ركلوا باب غرفة دار الحفاظ، ووقف الجنود الأمريكان خلف النوافذ، ثم شغّلوا الليزرات، وخلقوا جوًّا مرعبًا، فالأمريكان والجنود العملاء كسروا الأبواب بالركل، ودخلوا بأحذيتهم في دار الحفاظ.

أخذوا 7 من الحفاظ واقتادوهم معهم وقالوا لنا: لا تخرجوا من هنا ما لم نأذن لكم، ولا تتحركوا، وابقوا في مكانكم. فقلنا لهم ونحن نبكي: اتركوا أصدقاءنا، ولكنهم لم يستجيبوا لنا.

خرج الجنود من دار الحفاظ، وبعد فترة سمعنا صوت النّيران وانفجار ضخم رهيب انكسرت جراءه زجاجات النوافذ، وسقط التراب من السقف. كان موقفًا خطيرًا أليمًا، فكان زملاؤنا يرددون «الله الله» ولا يقولون شيئًا آخر.

مضت تلك الليلة الأليمة وانبثق الفجر، فخرجنا، فرأينا مشهدًا مروعًا أليمًا وكارثة بشعة، حيث أنّ الأمريكان وجنود الإدارة العميلة قتلوا أولئك الـ 7 من زملائنا وأصدقائنا بدمٍ باردٍ، وقصفوا المكتبة وحوّلوا كتبها إلى تلة رماد.

وهذه الكومة هي كومة الرماد التي كان يقول الشيخ عزيز عنها: «حذار بأن تطأ بأقدامك هنا، هنا نُسَخ من القرآن الكريم وتفاسيره تمزّقت واختلطت بالتراب».

نعم قد انهدمت مدرسة الشيخ عزيز كاكا، واحترقت مكتبته، واستشهد تلاميذه وطلابه، ودفنت آماله تحت التراب، إلا أنّ غيرته وشجاعته وهمّته كانت تناطح السحاب.

كانت جهوده حثيثة لإعادة بناء المدرسة، بعزم راسخ متين. فلنقل بأنّ الأمريكان وإدارة كابول العميلة لن تقدر بأن تكسب النّصر بالتعذيب واضطهاد شعب أبي كريم تربّى على الإيمان.