من الثأر إلى السجن

(قصة جندي أفغاني قتل ثلاثة من الجنود الأستراليين)

عشية 29 من أغسطس عام 2012م كان عدد من الجنود الإستراليين منشغلين بلعبة الورق ومشاهدة الأفلام في ثكنة عسكرية في “ترينكوت” عاصمة ولاية “أروزجان”، إذ هاجمهم جندي أفغاني برشاشه وأطلق عليهم النار الكثيف، وأردى ثلاثة منهم قتلى وأصاب اثنين آخرين.

كان هذا الجندي قائد مجموعة اسمه “حكمة الله”، وبعد الهجوم بادر الخروج من الثكنة مشيا على الأقدام، وبدأ يركض نحو الحقول القريبة، جرى في الحقول قرابة نصف ساعة، حتى وصلت المروحيات محلقة في السماء، فظن أنه إن واصل الحركة ستشاهده القوات الخارجة في أثره، وبعد لحظة صعد إلى شجرة التوت وبات الليل كله هناك.

ولما أصبح، رأى فلاحا، فذهب إليه وأخبره بأنه جندي من الجيش وقام بقتل عدد من القوات الأجنبية. ويقول بأن الفلاح قال لي أن انتظر، ثم جاء مع شخصين آخرين من طالبان، فأعطيا للفلاح جائزة خمسة عشر ألف روبية، واصطحباني معهما على الدراجة النارية إلى قرية أخرى، ثم أجلساني في سيارة، وأخبراني بأننا سنذهب إلى قندهار.

وبعد الهجوم بيومين، داهم الجنود الإستراليون قرية قريبة من “ترينكوت” ظنّا منهم أن “حكمة الله” مختفٍ هنا، وقتلوا في المداهمة شيخا ابن سبعين وابنه ابن ثلاثين سنة واعتقلوا شخصا آخر، وادعى الإستراليون أن القتلى من طالبان، وأن المعقتل ساعد “حكمة الله” في الهروب من المنطقة أو كان يريد أن يساعده.

وبعد أخذ استراحة قليلة في قندهار هاجر “حكمة الله” خارج البلاد وصار يعمل ويكتسب ويأكل من عمل يديه.

ولكن وكالات المخابرات الغربية والإسترالية لم تجلس مكتوفة الأيدي، بل سعت بكل ما في وسعها لاعتقال “حكمة الله”، فإضافة إلى مخابرات إستراليا، بذلت المخابرات الأمريكية والبريطانية والدول الغربية الأخرى جهودها للبحث عنه.

واستمرت مطاردة “حكمة الله”، واستخدموا كل الأساليب والتقنيات المتطورة في عملية المطاردة، بدءا من الجواسيس البشرية، مرورا بالتنصت على المكالمات الهاتفية، ووصولا إلى طائرات الدرونز والأقمار الصناعية،

حتى تم اقتفاء أثره أخيرًا وتم اعتقاله من قبل المخابرات الباكستانية في فبراير عام 2013م، ولبث ستة أشهر في سجن باكستان ثم سلّموه في أكتوبر نفس العام إلى إدارة كابول.

والسؤال هنا لماذا وجّه “حكمة الله” فوهة بندقيته نحو المحتلين الإستراليين؟

في فبراير عام 2012م جمعت القوات الأمريكية المصاحف والكتب الدينية من السجناء في سجن “باغرام” شمالي “كابول” ثم قامت بإحراقها، وأثارت إهانة النصوص الدينية ردود أفعال غاضبة في أفغانستان، واستمرت التظاهرات خمسة أيام مما أدى إلى مقتل العشرات وإصابة عدد آخرين.

وبعد عدة أشهر، عرض أحد أصدقاء “حكمة الله” عليه إصدارا مرئيا لطالبان، والذي أصدروه كرد فعل على الحادثة آنفة الذكر وعلى كاريكاتيرات صحيفة غربية أساؤوا فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاتخذ قرار الانتقام.

يقول “حكمة الله” شاهدت هذا الإصدار في الثالثة ظهرا، وكانت مهمة حراستي تبدأ من الساعة التاسعة مساء، فقررت أن أنتظر إلى ذلك الوقت، ذهبت أولاً إلى برج المراقبة، وطلبت من الجندي الجالس هناك أن يناولني سلاحه وأخبرته بأني أريد أن أهاجم القوات الخارجية، فرفض طلبي، فنزلت واستخدمت سلاح M-16 الخاص بي.

وفي مقابلة له مع إحدى وسائل الإعلام الأسترالية عام 2014م لم يعرب عن ندمه على ما فعل بل قال: إنهم لو أحرقوا المصاحف مرة أخرى سأعود إلى مثل فعلي مرة أخرى.

جائزة وليس عقاب!

وبعد تسليمه إلى “كابول” في ديسمبر عام 2013م، حكمت المحكمة على “حكمة الله” بالإعدام، وقال “حكمة الله” في إحدى جلسات المحكمة للقاضي: نحن مسلمون وهذه مسؤوليتنا أن ندافع عن القرآن الكريم، فإن كنت مسلما فستعطيني جائزة وليس العقاب.

كان “حكمة الله” ينتظر الإعدام في سجن إدارة كابول، حتى صار خروجه من السجن ممكنا ضمن قائمة خمسة آلاف سجين من طالبان، ضمن إتفاقية الدوحة الموقعة بين الإمارة الإسلامية والولايات المتحدة في 29 فبراير 2020م، ومع ظهور بوادر الإفراج عنه، طلبت الحكومة الأسترالية مؤخرًا من الرئيس الأمريكي عدم الإفراج عن “حكمة الله”،

متعللةً بمخاوف من إطلاق سراحه، لكن من غير المتوقع أن يظل “حكمة الله” في السجن، فعند إطلاق سراحه سيرحب به الأفغان كبطل من أبطالهم.