غزوة الحديبية (ذي القعدة سنة 6هـ)

كتبه/ أبوسعيد

 

 بداية القصة:

عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة، ومروان، يصدِّق كل واحد منهما حديثَ صاحبه، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية([1]) حتى إذا كانوا ببعض الطريق([2])، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن خالد بن الوليد بالغميم([3]) في خيل لقريش طليعةً([4])، فخذوا ذاتَ اليمين» فوالله ما شعَر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش([5])، فانطلق يَرْكَض نذيرا لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يُهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حلْ فأَلَحَّتْ([6])، فقالوا: خَلأَتِ القصواء([7])، خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلُقٍ(أي بعادة)، ولكن حبسها حابسُ الفيل»، ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطَّةً(أي خصلة) يعظِّمون فيها حرُمات الله([8]) إلا أعطيتُهم إياها»، ثم زجرها فوثبت(أي قامت)، قال: فعَدَل عنهم([9]) حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ قليل الماء([10])، يتبرضه الناس تبرضا([11])، فلم يُلَبِّثْه([12]) الناس حتى نزحوه، وشُكِيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطشُ، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه([13]).

 حبسها حابس الفيل:

قال ابن حجر في الفتح(5/411): قوله حبسها حابس الفيل: زاد إسحاق في روايته: عن مكة. أي حبسها الله عز وجل عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها، وقصة الفيل مشهورة ستأتي الإشارة إليها في مكانها، ومناسبة ذكرها أنّ الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة وصدَّهم قريش عن ذلك لوقع بينهم قتالٌ قد يُفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال كما لو قدر دخول الفيل وأصحابه مكة، لكن سبق في علم الله تعالى في الموضعين أنه سيدخل في الإسلام خلق منهم، ويستخرج من أصلابهم ناس يُسلمون ويجاهدون، وكان بمكة في الحديبية جمع كثير مؤمنون من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فلو طرَق الصّحابةُ مكة لَـمـَا أُمِنَ أن يُصاب ناسٌ منهم بغير عمدٍ كما أشار إليه تعالى في قوله{وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}(الفتح: 25) انتهى.

قال الواقدي بسنده: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في النوم أنه دخل البيت، وحلّق رأسه، وأخذ مفتاح البيت، وعرَّف مع المعرِّفين ، فاستنفر أصحابه إلى العمرة، فأسرعوا وتهيئوا للخروج. وخرج معه المسلمون ست عشرة مائة، ويقال ألف وأربعمائة، ويقال ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلاً([14]).قال ابن إسحاق: ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه سبعين بدَنةً،وكان جابر بن عبدالله يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشر مئة([15]).

 عثمان بن عفان رضي الله عنه:

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه فقال: اذهب إلى قريشٍ فخَبِّرْهم أنا لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا زُوَّاراً لهذا البيت، مُعَظِّمين لحرمته، معنا الهدْي نَنْحَرُه ونَنْصَرِفُ. فخرج عثمان حتى أتى بَلْدَحَ.

فيجد قريشاً هنالك فقالوا: أين تريد؟

قال: 1- بعثني رسول الله إليكم، يدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، تدخلون في الدين كافةً، فإن الله مُظْهِرُ دينه ومُعِزُّ نبيه!

2- وأخرى تَكُفُّون، ويلي هذا منه غيركم، فإن ظفَروا بمحمدٍ فذلك ما أردتم، وإن ظفَر محمدٌ كنتم بالخيار، أن تدخلوا فيما دخل فيه الناس أو تقاتلوا وأنتم وافرون جامُّون؛ إن الحرب قد نَهِكَتْكُمْ وأَذهبَتْ بالأماثل منكم!

3- وأخرى، إن رسول الله يُخْبِرُكُم أنه لم يأت لقتال أحد، إنما جاء معتمراً، معه الهدي عليه القلائد ينحره وينصرف.

فجعل عثمان رضي الله عنه يكلمهم فيأتيهم بما لا يريدون.

ويقولون: قد سمعنا ما تقول ولا كان هذاأبداً، ولا دخلها علينا عَنْوَةً، فارجع إلى صاحبك فأخبره أنه لا يصل إلينا.

فقام إليه أَبَان ابن سعد بن العاص(ابن عمّه)، فرَحَّبَ به وأجازه(أي أجاره) وقال: لا تُقَصِّرْ عن حاجتك! ثم نزل عن فرسٍ كان عليه فحمل عثمان على السرج وردَفه وراءه.

فدخل عثمان مكة، فأتى أشرافهم رجلاً رجلاً، أبا سفيان بن حرب، وصفوان ابن أمية وغيرهم، منهم من لقي ببلدح ومنهم من لقي بمكة، فجعلوا يردون عليه: إنّ محمداً لا يدخلها علينا أبداً! ([16])

 عثمان يُبَشِّرُ المسلمين المستضعفين في داخل مكة:

قال عثمان رضي الله عنه: ثم كنت أدخل على قوم مؤمنين من رجالٍ ونساءٍ مستضعفين(من أهل مكة) فأقول: إن رسول الله يُبَشِّرُكُمْ بالفتح ويقول: “أُظِلُّكُمْ حتى لا يُستخفى بمكة الإيمان” .

فقد كنت أرى الرجل منهم والمرأة تَنْتَحِبُ حتى أظن أنه يموت فرَحاً بما خَبَّرْتُه (من بشارة الفتح في المستقبل القريب)، فيسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُخْفِي المسألةَ، ويشتَدُّ ذلك على أنفسهم، ويقولون: اقرأ على رسول الله منا السلام؛ إن الذي أنزله بالحديبيية لقادرٌ على أن يُدْخِلَه بطن مكة! ([17])

 

بيعة الرضوان أمام وفد قريش وتهيئ المسلمين للمعركة الفاصلة:

ثم إن قريشاً بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومِكْرَزُ بن حفص، قالت أم عمارة: والرُّسُل تختلف بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فمر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً في منزلنا وقد بلغه أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قد قُتِلَ، فجلس في رِحالنا ثم قال: إن الله أمرني بالبيعة.

فلما نظرت قريش: 1-سهيل بن عمرو، 2-وحويطب ابن عبد العزى ومن كان معه(في الحديبية بين المسلمين)، وعيون قريش – إلى ما رأَتْ من سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب، اشتدَّ رعبُهم وخوفُهم وأسرعوا إلى القضية ([18]).

 موقف عمربن الخطاب، والحلم النبويُّ الكبير أمام الموقف:

قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألستَ نبي الله حقا، قال: «بلى»، قلت: ألسنا على الحق، وعدوُّنا على الباطل، قال: بلى، قلت: فلمَ نعطي الدنيَّةَ في ديننا إذًا؟

قال: إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري، قلت: أوليس كنتَ تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟، قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوِّف به.

قال الزهري: قال عمر -: فعملتُ لذلك أعمالا([19]).

 

صورة مجلس الميثاق:

عن الحارث ابن عبد الله بن كعب، قال: سمعت أم عمارة تقول: إني لأنطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً يومئذٍ متربِّعاً، وإن عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ وسلَمة بن أسلم بن حَريش مُقَنَّعَان بالحديد، قائمان على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، إذ رَفَعَ سُهَيْلُ بن عمرو صوتَه قالا: اخفض من صوتك عند رسول الله! وسهيل باركٌ على ركبتيه، رافعٌ صوته كأني أنظر إلى عَلَم في شفته وإلى أنيابه، وإن المسلمين لحول رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس([20]).

فلما حضرت الدَّواةُ والصحيفة بعد طول الكلام والمراجعة فيما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسهيل بن عمرو، ولما التأم الأمر وتقارب، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يكتب الكتاب بينهم، ودعا أوسَ بن خولي يكتب.

فقال سهيل: لا يكتب إلا أحد الرجلين، ابن عمّك علي أو عثمان بن عفان! فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً يكتب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا أعرف الرحمن، اكتب كما نكتب باسمك اللهم. فضاق المسلمون من ذلك وقالوا: هو الرحمن. وقالوا: لا تكتب إلا الرحمن. قال سهيل: إذاً لا أقاضيه على شيءٍ.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم! هذا ما اصطلح عليه رسول الله. فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك، واتبعتك، أفترغب عن اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله؟ فضج المسلمون منها ضجةً هي أشد من الأولى حتى ارتفعت الأصوات، وقام رجالٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: لا نكتب إلا محمدٌ رسول الله!

فحدثني ابنُ أبي سَبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي فَروة، عن واقد بن عمرو، قال: حدثني من نظر إلى أُسَيْدِ بن حضير وسعد بن عبادة أخذا بيد الكاتب فأمسكاها وقالا: لا تكتب إلا محمدٌ رسول الله، وإلا فالسيف بيننا! علام نعطي هذه الدنية في ديننا؟

فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يَخْفَضُهم ويومىء بيده إليهم: اسكتوا!

وجعل حُويطب يتعجب مما يصنعون، ويُقْبِلُ على مِكْرَز بن حفص ويقول: ما رأيت قوماً أحوط لدينهم من هؤلاء القوم([21])!

 بنود كتاب الصلح:

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم. فنزلت هذه الآية في سهيل حين أبي أن يُقِرُّ بالرحمن: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110]

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا محمدٌ بن عبد الله، فاكتب!

فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب(وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، قال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنتَ تكتبُ. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب باسمك اللهم ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله إني لرسول الله، وإن كذَّبْتُموني، اكتب محمد بن عبد الله . -قال الزهري: وذلك لقوله: «لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» –

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به»، فقال سهيل والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما([22])؟

فكتب:

باسمك اللهم

هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو: (1) اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وأن بيننا عيبةً مكفوفة.

(2) وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمدٍ وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريشٍ وعقدها فعل.

(3) وأنه من أتى محمداً منهم بغير إذن وليه رده إليه، وأنه من أتى قريشاً من أصحاب محمدٍ لم ترده.

(4) وأن محمداً يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا قابل في أصحابه فيقيم ثلاثاً، لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر، السيوف في القرب([23]).

 شهود الصلح:

قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين (1)أبو بكر بن أبي قحافة، (2)وعمر بن الخطاب، (3)وعبد الرحمن بن عوف، (4)وسعد بن أبي وقاص، (4)وعثمان بن عفان، (5)وأبو عبيدة بن الجراح، (6)ومحمد بن مسلمة(من المسلمين)، (1)وحويطب بن عبد العزى، (2)ومكرز بن حفص بن الأخيف(من المشركين) وكتب ذلك على صدر هذا الكتاب([24]).

 وثيقة الصلح:

فلما كتب الكتاب قال سهيل: يكون عندي!

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل عندي!

فاختلفا فكتب له نسخةً، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب الأول وأخذ سهيل نسخته، وكان عنده([25]).

عن شعبة قال: سمعت قتادة يُحَدِّثُ عن أنس أنه قال في هذه الآية: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} قال: الحديبية ([26]).

 

بركات صلح الحديبية:

قال ابن إسحاق: يقول الزُّهري: فما فتح في الإسلام قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يُكَلَّمْ أحدٌ بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل تَينِكَ السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر([27]).

قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف([28]).

قال الواقدي: عن الزهري: ما كان فتحٌ في الإسلام أعظم من فتح الحديبية.

كانت الحرب قد حجزت بين الناس وانقطع الكلام، وإنما كان القتال حيث التقوا، فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها وآمن الناس بعضهم بعضاً، فلم يكن أحدٌ تكلم بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل في الإسلام، حتى دخل في تلك الهدنة صناديد المشركين الذين يقومون بالشرك وبالحرب – عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وأشباهٌ لهم، وإنما كانت الهدنة حتى نقضوا العهد اثنين وعشرين شهراً، دخل فيها مثل ما دخل في الإسلام قبل ذلك وأكثر، وفشا الإسلام في كل ناحيةٍ من نواحي العرب([29]).

كان ابن عباس رضي الله عنه يقول: قال لي عمر في خلافته، وذكر القضية: ارتبت ارتياباً لم أَرْتَبْه منذ أسلمت إلا يومئذٍ، ولو وجدت ذلك اليوم شيعةً تخرج عنهم رغبةً عن القضية لخرجت. ثم جعل الله تبارك وتعالى عاقبتها خيراً ورشداً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم.

قال أبو سعيد الخدري: جلست عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً، فذكر القضية فقال: لقد دخلني يومئذٍ من الشك، وراجعت النبي صلىالله عليه وسلم يومئذٍ مراجعةً ما رجعته مثلها قط، ولقد عتقت فيما دخلني يومئذٍ رقاباً، وصمت دهراً، وإني لأذكر ما صنعت خالياً(أي قليلا) فيكون أكبر همي(أن أملأ هذا الفراغ بأعمالي)، ثم جعل الله عاقبة القضية خيراً، فينبغي للعباد أن يَتَّهِموا الرأي؛ والله لقد دخلني يومئذٍ من الشك حتى قلت في نفسي: لو كنا مائة رجلٍ على مثل رأيي ما دخلنا فيه أبداً! فلما وقعت القضية أسلم في الهدنة أكثر ممن كان أسلم من يوم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم الحديبية، وما كان في الإسلام فتحٌ أعظم من الحديبية([30]).

فقال المسلمون: صدق الله ورسوله يا نبي الله، ما فكرنا فيما فكرت فيه، لأنت أعلم بالله وبأمره منا! فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام القضية وحلق رأسه قال: هذا الذي وعدتكم. فلما كان يوم الفتح أخذ المفتاح فقال: ادعوا لي عمر بن الخطاب! فقال: هذا الذي قلت لكم. فلما كان في حجة الوداع بعرفة فقال: أي عمر، هذا الذي قلت لكم! قال: أي رسول الله، ما كان فتحٌ في الإسلام أعظم من صلح الحديبية!

وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: ما كان فتحٌ في الإسلام أعظم من فتح الحديبية، ولكن الناس يومئذٍ قصَر رأيهم عما كان بين محمد وربه؛ والعباد يَعْجَلون، والله تبارك وتعالى لا يعجَل كعجَلَة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد الله.

 

صورة سهيل بن عمرو بعد الإسلام:

قال أبوبكر: لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجه قائماً عند المنحر يقرِّب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بُدْنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينحرها بيده، ودعا الحلَّاق فحلق رأسه، وأنظر إلى سهيلٍ يلقُط من شعره، وأراه يضعه على عينيه، وأذكر إباءه أن يُقِرَّ يوم الحديبية بأن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ويأبى أن يكتب أن محمداً رسول الله، فحمدت الله الذي هداه للإسلام؛ وصلوات الله وبركاته على نبي الرحمة الذي هدانا به، وأنقذنا به من الهلَكة([31]).

 الوفاء على الشروط/أبوبصير بن أُسيد الثقفِيِّ:

ولما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة، جاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستلَّه الآخر، فقال: أجلْ، والله إنه لجيدٌ، لقد جرَّبت به، ثم جرَّبت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برَد، وفرُّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدُو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: «لقد رأى هذا ذُعرا» فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتَك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويل أمِّه مِسعرُ حربٍ، لو كان له أحد». فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سِيف البحر.

قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عِصابة، فوالله ما يسمعون بعيرٍ خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلتْ قريشٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرَّحم، لَـمَا أرسلَ، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم([32]).

 معسكر أبي بصير بالساحل:

قال أبو بصير: فخرجت وما معي من الزاد إلا كفٌّ من تمرٍ فأكلتُها ثلاثة أيام، وكنتُ آتي الساحل فأُصيبُ حيتاناً قد ألقاها البحر فآكلُها.

وبلغ المسلمين الذين قد حُبِسُوا بمكة، وأرادوا أن يلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قولُ النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بصير ” ويل أمه، مِحَشُّ حربٍ لو كان له رجال”. فجعلوا يتسللون إلى أبي بصير.

وكان الذي كتب بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فلما جاءهم كتاب عمر فأخبرهم أنه بالساحل على طريق عير قريش، فلما ورد عليهم كتاب عمر جعلوا يتسللون رجلاً رجلاً حتى انتهوا إلى أبي بصير فاجتمعوا عنده، قريب من سبعين رجلاً، فكانوا قد ضَيَّقُوا على قريش، لا يَظْفَرون بأحدٍ منهم إلا قتلوه، ولا تمر عِيرٌ إلا اقتطعوها، حتى أحرقوا قريشاً، لقد مر ركبٌ يريدون الشام معهم ثلاثون بعيراً، وكان هذا آخر ما اقتطعوا، لقد أصاب كل رجلٍ منهم، ما قيمته ثلاثون ديناراً.

فقال بعضهم: ابعثوا بالخمس إلى رسول الله. فقال أبو بصير: لا يقبله رسول الله؛ قد جئت بسلَب العامري، فأبى أن يقبله، وقال ” إني إذا فعلت هذا لم أَفِ لهم بعهدهم ” .

وكانوا قد أَمَّروا عليهم أبا بصير، فكان يُصَلِّيْ بهم، وهم سامعون له مطيعون([33]).

 

معسكر أبي بصير يعود إلى المدينة:

فلما بلغ أبو بصير من قريش ما بلغ من الغَيْظ، بعثت قريش رجلاً، وكتبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً يسألونه بأرحامهم: ألا تُدخل أبا بصير وأصحابَه، فلا حاجة لنا بهم؟ (وفي رواية ابن إسحاق: تسأل بأرحامهم إلا آواهم فلا حاجة لهم بهم، فآواهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدموا عليه بالمدينة) ([34]).

 مسجد أبي بصير وقبره:

وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بصير أن يَقْدَم بأصحابه معه؛ فجاءه الكتاب وهو يموت، فجعل يقرأ وهو يموت، فمات وهو في يديه، فَقَبَره أصحابُه هناك، وصلوا عليه، وبنَوا على قبره مسجداً، وأقبل أصحابه إلى المدينة وهم سبعون رجلاً([35]).

قال ابن هشام: أبو بصير ثقفي([36]).

قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له لما قدم المدينة: ألم تقل يا رسول الله إنك تدخل مكة آمنا؟ قال: بلى، أفقلت لكم من عامي هذا؟ قالوا: لا، قال: فهو كما قال لي جبريل عليه السلام([37]).

([1] ) الحديبية: مكان على مسافة22 كم غربي مكة على طريق جدة.

([2] ) ابن حجر: في رواية أحمد: حتى إذا كانوا بغدير الأشطاط قريبًا من عُسفان.(الفتح(5/409) وعُسفان: بلدة شمالي مكة، تبعد عنها في طريق المدينة80 كم. حاشية مصنف ابن أبي شيبة لمحمد عوامة(20/390)

([3] ) الغميم: قال محمد عوامة: تبعُد عن عُسفانَ يسارًا 16 كم. وكراغ الغَميم: جبلٌ أسود بالقرب من الغميم. انتهى. وفي الفتح(5/410): هو قريب من مكان بين رابغ والجحفة. قال ابن حجر: وسياق الحديث ظاهر في أنه كان قريبًا من الحديبية.

([4] ) في الفتح: وبَيَّن ابن سعد: أنّ خالدًا كان في مائتي فارس، فيهم عكرمة بن أبي جهل. والطليعة مقدمة الجيش.

([5] ) في الفتح: القَتَرة: الغبار الأسود.

([6] ) أي تمادت على عدم القيام، وهو من الإلحاح. الفتح(5/411)

([7] ) أي: بركت من غير علة.

([8] ) أي مِن ترك القتال في الحرم.كذا قال في الفتح.

([9] ) في رواية ابن سعد: فوَلّى راجعًا.

([10] ) أي حُفَيرة فيها ماءٌ مثمودٌ أي قليل. قيل: الثمد ما يظهر من الماء في الشتاء ويذهب في الصيف. فتح(5/412)

([11] ) هو الأخذ قليلا قليلا. وقال صاحب العين: هو جمع الماء بالكف.عن عروة قال: سبقت قريشٌ إلى الماء فنزلوا عليه، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية في حر شديد وليس بها إلا بئر واحدة. الفتح(5/412)

([12] ) فلم يُلْبِثه: بضم أوله وسكون اللام من الإلباث.وقال ابن التين: بفتح اللام وكسر المؤحدة الثقيلة: فلم يُلَبِّثه. الفتح(5/ 413)

([13] ) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب(5/403)مع فتح الباري، ط دار السلام. هذه رواية طويلة، نشير إليها في القطعات الآتية فقط.

([14] ) المغازي للواقدي(ص 71)

([15] ) السيرة النبوية لابن اسحاق(ص 454) سيرة ابن هشام(3/230)

([16] ) سيرة ابن إسحاق(460)المغازي للواقدي(90) اللفظ له، سيرة ابن هشام(3/235)

([17] ) المغازي للواقدي(90)

([18] ) المغازي للواقدي(93)

([19] ) سيرة ابن إسحاق(ص 461)صحيح البخاري(5/407) واللفظ له. سيرة ابن هشام(3/237)

([20] ) المغازي للواقدي(93)

([21] ) المغازي للواقدي(97)

([22] ) صحيح البخاري(5/406)

([23] ) سيرة ابن إسحاق(ص 462)(المغازي للواقدي(ص 98) اللفظ له، سيرة ابن هشام(3/238)

([24] ) سيرة ابن إسحاق(ص 463)(المغازي للواقدي(ص 98) سيرة ابن هشام(3/238)

([25] ) المغازي للواقدي(98)

([26] ) المصنف لابن أبي شيبة(20/394) برقم(37993)

([27] ) سيرة ابن إسحاق، سيرة ابن هشام(3/241)

([28] ) سيرة ابن هشام(3/241)

([29] ) المغازي للواقدي(ص 102)

([30] ) المغازي للواقدي(ص 94)

([31] ) كتاب المغازي للواقدي(ص 95، 96)

([32] ) صحيح البخاري(7/405)

([33] ) سيرة ابن إسحاق(ص 467)المغازي للواقدي(ص 109)اللفظ له.

([34] ) سيرة ابن إسحاق(ص 467)المغازي للواقدي(ص 109) سيرة ابن هشام(3/ 242)

([35] ) المغازي للواقدي(ص 109)

([36] )سيرة ابن هشام(3/242)

([37] )سيرة ابن هشام(3/245)