أبي صانع المجد والتاريخ

أنس جلال الدين حقاني

إن من أعسر الأمور على الكاتب أن يكتب عن ذاته، ومن هنا كنتُ أريد أن أكتب عن الوالد الماجد رحمه الله منذ فترة ولكنني أعود وأتلكأ وأقول إنه كان أبوك، وإنّ كتاباتك ستحسب مبالغة من قبل القارئ، ولكنني اليوم عزمتُ على أن أكتب شيئًا عن الوالد الماجد رحمه الله، لأنه علاوة على توصيف المحبين له، اعترف الأعداء بالحقائق، فلمَ ألامُ وأتّهم بالمبالغة؟

كنتُ يومًا جالسًا مع أحد المسؤولين رفيعي المستوى من الأجانب، كان يتكلم بالصراحة، ولا يلوك بلسانه بالكلمات المعقّدة، ويجيب بصراحة، فلما تعرّف عليّ قال: أنا أفتخر بأني جالس مع الذين صنعوا المجد. وبناءً على ذلك فالصديق والعدوّ يعترفان بأنكم صنّاع التاريخ!

أجل؛ إنّ هذا الفخر والمجد صنعه الوالد الماجد والرجال الأباة الآخرون، الوالد الذي يرتعد من اسمه البعض، وهنا أشارككم بعض ذكريات وخواطر السجن.

عندما اعتقلتُ، مضت أيام من اعتقالي، فكنتُ وحيدًا في زنزانة بمعتقل رئاسة 90، وكان السجّانون يرسلون رجلًا بزي عادي لخداع المعتقلين؛ يقولون بأنّ هذا الرجل من طواقم منظمات حقوق الإنسان، فكان يسأل عن مظالم عاناها المعتقلون، فلو اشتكى أحد كانوا يضربونه مرةً أخرى، وكان ذلك الرجل يتردد في الغرفات والزنازين ولم يكن يعرف بأنّني هنا بين المعتقلين.

فجاء إلي، وأغلق الباب، ثم اتكأ على الجدار، وأخذ القلم وقال: ما مشكلتك؟ متى جاؤوا بك هنا؟ وهل ظلمك أحد؟

كنتُ أعرف بأنه يريد أن يخدعني، ولكنه أتى إلي وهو لا يعرفني؛ لأنّ الحقوقيين ماكانوا يأتوننا كي نشاركهم مشكلاتنا. فضحكتُ وقلتُ لو كانت لي مشكلة ليس في وسعك أن تحلها!

قال: أخبرني وأنا سأبذل قصارى جهودي.

قلتُ له: دع المشاكل الأخرى، اجعلني مع رفيقي، لماذا فرّقوا بيننا؟

سألني: من هو؟

قلت: حافظ رشيد.

قال: ما تهمتك؟

فضحكت وقلت: جريمتي واتهامي؟

قال: نعم.

قلتُ: اعتقلتُ من أجل أبي، ولا أرى ملفا غير ذلك.

قال: من هو أبوك وماذا كان يعمل؟

قلت: كان عدوّ الأمريكان والعملاء.

قال: ما اسم أبيك؟

قلت: جلال الدين.

صدقّوني تغيّر لونه كأنك تقابل ميتا، فدارت عيونه هلعا ونظر إلى الباب. فرجع قهقرى، وتمسك بالباب خوفًا من أن آخذه من الخلف، وبلمح البصر غاب وهرب.

وأضحكني موقفه هذا كثيرًا، وشكرت الله بأنّ الأعداء يرتعدون من اسم أبي هكذا، فيخافون من أنس المسجون في زنزانات السجن.

وعندما أعلن نعي أبي، كنتُ في دورة مياه باغرام الجزائية، وأرسل الأمريكان خالي الحاج مالي خان كي ينعيني بوفاة أبي، وقصته طويلة. وبعدما نعوني بوفاة أبي، قال لي قائد أمريكي: إنّ أباك وإن كان خصمًا لدودًا لنا وقتل منّا، إلا أننا نعترف بأنه كان يعشق أرضه وترابه، وكان بطلا شجاعًا. كان قائدًا ولم يتقهقر أو ينكص عن مواقفه الثابتة.

وقد رأيتُ في حياة أبي المغفور له الأعاجيب، كان يُربينا عمليًا، وكنّا كلما ترددنا عليه يُشجّعنا لتحصيل العلوم فيقول: لو اكتسبتم العلوم، فستعرفون الحق من الباطل وتميزون بين الغث والسمين، والدسم والبرسمين.

ذات يوم قال لي: إنّ الشباب تغلب عليهم العواطف، ويستعجلون الحرب والسياسة، ولكن لو أردتَ أن تكتسب العلوم فأوانها في نعومة الشباب. فاكتسبوا العلوم، ثم جميع الأمور سهلة ميسورة، ولكن جنّبوا أنفسكم الرئاسة؛ لأنّ أعظم الابتلاء يكون على من بيده زمام الأمور.

كان أبي يبغض الأعداء ويكرههم، ولكن يحب النّاس ويكرمهم بمحبته. وكان يقول: إنّ الناس مهما اقترفوا من كبائر الأمور، عليكم أن تسعوا لإصلاحهم وإرشادهم وتوجيههم، وإنْ هم قتلوا أقرباءكم وأحبابكم. ولكن لو رأيتم الصلاح فيهم أمرًا ممكنا فاصفحوا عنهم وانسوا آلامكم واصبروا واجعلوهم منكم.

كان يبغض المحتلّين لحد أننا كنا بضعة نفر لديه في مساء ما، فكان جالسًا في مكان صلاته وحيدًا، وكان في مرضٍ شديد، فبكى بكاءً شديدًا. فواساه أحد الإخوة وسأله عن بكائه وما هي مشكلته؟ فقال أبي: أبكي لأنّي قتلتُ الروس بيدي، ولكن لم أقتل الأمريكان بيدي. إنهم ظلموا مواطنينا، وأهانوا ديننا. وأبكي الآن خوفًا من أن يذهبوا دون أن أوفّق من أن أشفي غلي بمقتلهم.

فتحيّر الجميع، وفي هذه الأثناء قال أحد الأصدقاء لتهدئته: لا تزعج خاطرك شيخنا! إننا بأمرك وقيادتك قتلنا من الأمريكان ما لا يمكن عدّه ولا حصره، وبإمكانكم الآن أن تقتلوا الأمريكان؛ إننا نحملكم على أكتافنا، فارم من هناك نحوهم واقتلهم.

ففرح جدا بهذا الكلام ثم قال: لا أحب الرئاسة ولست أرغب فيها ولا في أي أمور الدنيا. ثم أردف: كان العالم والكفار حين كانت أفغانستان تعيش عهد الحرية يقترحون لي الإمارة والرئاسة، ولكن كنتُ أرجح العيش في هذا البيت المغبر على سلطان الخور والصغار، أتألم على حال الشعب الأفغاني المظلوم المضطهد الذي تكبّد الشدائد، وإنّ أملي كل الأمل أن يعيش الأفغان تحت راية حكومة إسلامية آمنين مطمئنين من براثن الكافرين.

فسأله صديقه الحميم وتلميذه أحمد جان الغزنوي: قلتَ قبل قليل أنهم اقترحوا عليك الرئاسة، فما قصتها؟

فرد أبي: عندما أراد الأمريكان الهجوم على أفغانستان، اتّصلوا بالوجهاء والمعروفين، وأرسلوا لنا الرسائل من مختلف الطرق، وعندما ذهبت مع بعض المسؤولين إلى باكستان، وكانت لنا جلسات مختلفة، زرنا هناك وفدًا أمريكيا كبيرًا، فبدأ الأمريكان المحادثات وكأننا من أصدقائهم، وكنتُ أستمع إليهم، فقال الأمريكيون: إننا نريد لأجل الحفاظ على مصالحنا وأمنها ومطاردة الإرهابيين وحماتهم أن نأتي إلى أفغانستان، والآن مشروعنا واقتراحنا هو أن تنفصل عن طالبان وتترك ولاءهم، وأن تتحالف معنا؛ إنك رجل وطني والأفغان يعتمدون عليك، قاتلت الروس ولك تاريخ مشرق، ولك جهود لإيجاد الوحدة بين المجاهدين، وإننا نريد بأن نفوّض الرئاسة إليك في قادم الأيام وفي الحكومة القادمة، واطلب منا كل ما تحتاج إليه.

فقال الحقاني: تأملت في نفسي وقلت: بعد سنوات من الجهاد والجروح والهجرة والمشقات، يريدون توريطك في اختبار شديد يهدد إيمانك. ولكن بحمدالله لم تدخل في قلبي ذرة تطلّع لاقتراحهم.

فقلت لهم: هل تمّ كلامكم؟ قالوا: نعم.

فأمسكوا الأوراق وتهيؤوا للكتابة، فقلت لهم: أوتظنّون بأني أبيع ديني وشعبي لأجل الكرسي والمنصب؟ أو أقبر آمال الشهداء؟ لا يمكن هذا أصلا. أصارحكم فاستمعوا إلي جيّدًا وأوصلوا كلامي هذا إلى أكابركم:

لا تطمعوا بغزو أفغانستان؛ لأنّ هذا سيكون ثقيلًا عليكم؛ بل اسعوا إلى حل مشاكلكم عن طريق الحوار، وإذا اعتديتم على أفغانستان فإنني سأقتلكم بنفس البندقية التي كنتُ أقاتل بها الروس.

تمعّرت وجوههم وتحيّروا، فسكتُّ وتركتُ مكاني فورًا وتحركتُ نحو الباب، ومن الباب قلتُ لهم: هذا قولي الفصل. أرجوكم بأن تكونوا واقعيين.

وبعد شهر استهدفوا مراكزنا في بكتيا بصواريخ كروز. وبعد ذلك في العقد الأخير أرسلوا رسائل مختلفة، وطلبوا مني أن أذهب إليهم ليعطوني أي شيء أريد، ولكني خيّبتُ آمالهم كل مرة.

أفتخر بأنّ أبنائي قتلوا برصاص الأمريكان، لأني سأكون مرفوع الرأس أمام أصدقائي الشهداء من ناحية، ومن ناحية أخرى ستزداد كراهيتي واشمئزازي من الكفار.

كلما تفكرت في حياة أبي أرى بأنه كان شخصية كبيرة، كان لا يترك العبادة في شدّة المرض، وكنّا نقول له: إنك تحتاج إلى الترويح عن نفسك، ولكننا كنا نراه يقوم للتهجّد.

كان رحمه الله لا يترك تلاوة القرآن الكريم إطلاقا. وفي آخر حياته الكريمة شلت يده من المرض، فكان الأصدقاء يشغّلون له تلاوة آلة التسجيل. كان يعبدالله كثيرًا، حتى لو حلفتُ بأني لم أرى شخصًا مثله في العبادة لم أحنث.

وفي يوم من الأيام ذهبت مع بعض الإخوة إليه وكان حزينًا، فسألناه، فبكى وبكينا معه. قال أخي الأكبر ماذا بك يا أبتاه؟

قال: أبكي لأني لا أعرف ماذا تكون خاتمتي!

يا سبحان الله! إنه يخاف من خاتمته مع ما قدّم من التضحيات والعبادات والتكاليف في سبيل الله، فواسيناه، ولكنه قال: عندما أرى رفاقي السابقين في الجهاد كيف باعوا ضمائرهم وغيرتهم، ووقفوا إلى جانب الكفار، أخاف بأن تسوء خاتمة أعمالي. يا ليت رفاقي يفقهون الآن ويتركون موالاة الكفار.

كانت كلماته عجيبة. كنتُ أتفكر في كلماته في السجن. وبعد المطالعات الكثيرة أدركتُ أنّ عباد الله الصالحين يبكون ويخافون من خاتمتهم. وإن كانوا يعرفون أعمالهم الصالحة، إلا أنّ أي أحد لا يعرف ماذا تصير خاتمته وكيف تكون.

وكان يناقشني علميا ويشجعني على العلم. وكلما كنتُ أتردد إليه يوصيني بأن آتي بكتاب له من كتبه التي يحتاج إليها. وكان ذهنه وقّادا يحفظ لون الكتب. وكنتُ إن سألته عن مسألة، يذكر اسم الكتاب على الفور ويقول انظر إلى الجزء الفلاني وفي باب كذا.

وكان يقول لنا في أواخر حياته: أنا أورث لكم الدين، فلو أقبلتم على الدنيا وتوليتم عن الآخرة، أسخطتم الله وأسخطتموني، ولو فعلتم عكس ذلك، اكتسبتم رضى الله ورضاي.

قال لي يومًا رجل عليم: إن بعض النّاس يصنعون الأخبار وبعضهم يصنعون التاريخ، وكان أبوك من صناع التاريخ، رحمه الله.

إنّ معي من ذكريات أبي ما لو كتبته لما وسعته المجلدات، فرحم الله أبي وأغدق عليه شآبيب رحمته، إنّه صنع تاريخًا مجيدًا لنا وللأمة المسلمة، وترك مسؤولية ثقيلة، وفقنا الله وإياكم على حمل هذه المسئولية. آمين يا رب.