كنز لا يفنى وثروة لا تنفد

غلام الله الهلمندي

في بعض الأحيان أتأمل في واقع الأمة، أتأمل في ما دبّ في الأمة من الخور والضعف والتخلف والانحطاط، هل من مَخرج للأمة من هذه الأزمات، بل من هذه الظلمات؟ ظلماتٌ بعضها فوق بعض، إذا أخرج أحد يده لم يكد يراها، هل ستُعيد هذه الأمة التي لطالما قادت العالَم وسادت الأمم عزَّها ومجدها وسيادتها وزعامتها؟ هل ستتفق يوما على زعامة أحد من أبنائها؟ هل نعود كما كنا أساتذة الدنيا؟ هل ستنهض هذه الأمة من جديد؟ أو هل تفكر في النهضة أصلا؟ أو (على الأقل) هل ستواكب يوما سائر الأمم عسكريا وسياسيا واقتصاديا؟ أتأمل في ضعف المسلمين وهوانهم وقلة حیلتهم، أتأمل في ما يعانونه من الأزمات الاقتصادية والعسکرية والسیاسية، كلما تأملت في مواطن ضعف المسلمین غلبني الیأس والملل والحزن، وغلبني النعاس وأصاب قلبي نوباتٌ من اليأس المرير، وأحسست الألم يحزّ في قلبي وفقدت أملي نهائيا بالنسبة لمستقبل العالَم الإسلامي.

كلما ذكرت ذلك غلبني الحزن، وعلى إثره أعزي نفسي وأذكّرها بما يقدّمه الشباب الاستشهاديون من تضحيات جليلة في مواجهة العدوان الأمريكي الغاشم، الشباب الذین يجسدون أروع صور التضحية والفداء، الذين يحيون الأمل في قلوب كاد اليأس يصرعها، الذين يغرسون روح البذل والعطاء في قلوب يائسة شأن قلبي، الذين يَهَبون أرواحهم جهادا في سبيل الوطن، دفاعا عن الحق وعن الشريعة وعن الكرامة لتكون دماؤهم نبراسا تهتدي به الأجيال القادمة في التمسك بقيمهم وقناعاتهم ومبادئهم، ليخلدوا ذكراهم في صفحات التاريخ بمداد من نور، ليخلدوا أسماءهم في صفحات الشرف والعز والكرامة.

عندما أذكّر نفسي بذلك يسطع شعاع الأمل في النفس، هناك تمتلئ النفس بالبهجة والارتياح والحیاة، بالأمل والسرور، بالنشاط والحیویة، تمتلئ النفس بإحساس لذیذ یدخل قلبي قلیلا (مهما أبحث عنه کثیرا) ثم تتلو هذه الأحاسیسَ الغریبة قطراتٌ من الدمع، عندما أتذکر بطولات الشباب الإستشهادیین، حيث أدخل من حیث لا أشعر في دوحة خیالیة جمیلة خضراء، ویندفع نسیم جمیل إلی أنفي، نسیم من بطولات الشباب الإستشهادیین، ومن دمائهم الطاهرة التي تفوح برائحة المسك، رغم أن اللون لون الدم.

إن ذكرى الاستشهاديين تقرّ العين الدامعة، وتخفف عن القلب المصائبَ، وتثلج الصدر المُتعَب، ذكراهم تزيدنا عزما وإرادة على مواصلة الطريق في الجهاد ضد الغزاة وأعوانهم، تجدد فينا القوة، تجدد فينا العهد القديم على مواصلة دربهم، يجب أن نستذكر مآثر الاستشهدايين وسائر الشهداء وتضحياتهم -ونحن على أبواب النصر- فإن إحياء ذكرى الشهداء يؤدي لصناعة أمة تحب الاستشهاد والبذل والتضحية، فلتكن ذكراهم باقيةً في قلوبنا ما دمنا أحياء بفضل تلبيتهم لنداء المستضعفين المنكوبين،

بفضل استجابتهم لله وللرسول، بفضل تقديمهم دماءهم الزكية فداء للشريعة والوطن، يجب أن نحيي ذكراهم حتى يقتدي بهم شباننا ويقتبسوا منهم معاني التضحية والفداء والأنفة الإيمانية والحماس والنشاط لأجل الإسلام، فإنهم خير القدوات وأشرف النماذج، طبعا وجود القدوات المشرفة في المجتمع من أهم أسباب الصلاح والنجاح والتقدم والازدهار، فإن الشهيد منارة تهتدي بها الأمة في متاهات الزمان إلى طريق النصر والتحرير والاستقلال، وهو قنديل يستضيئ به الشباب في ظلمات الحياة، وهو دائماً نبراس يضيئ للشعب درب الحياة.

لولا تضحية الشهداء بشكل عام والاستشهاديين بشكل خاص لما علت صيحة الحق أبدا، لولا بطولاتهم لما ارتفعت راية الحق، إن هذا النصر الذي حصل قد نبع من تضحيات هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم، وزادهم هدى، قيل للشهيد حسن البنا رحمه الله: متى ينتصر الإسلام؟ قال: متى ما استرخص المسلمون الدم في سبيل الله فسينتصرون.

إن الشهداء هم ثروة هذه الأمة، الثروة التي لا تقدر بثمن، ولا تنفد أبدا، فالأمة التي تملك هذه الثروة منتصرة في كل ساحة. مادمنا نمتلك هذه المقدرات وهذه الكفاءات العظيمة لا نفلس أبدا، ولا نواجه الفقر، ولا نجزع من الضعف والهوان، والفضل يعود إلى الإسلام، إلى هذا الدين الحي الذي يولد دوما هذه الثروات العظيمة، ويصنع رجالا عظماء يقاتلون دونه. يصنع استشهاديين أشاوس يحمونه بدمائهم وجماجمهم. يصنع مجددين يجددونه كلما ذبل. هنيئا لكِ أيتها الأمة وجود شباب كهؤلاء الشباب الاستشهاديين الذين رفعوا ولا زالوا يرفعون عن جبينك عارا امتد لقرن، ومرّغوا ولا زالوا يمرغون جبين أعدائك.