الإسلام والسياسة جناحا طائر

أ. خليل وصيل

 

الحمد لله الذي خلق الخليقة، وجعل آدم في الأرض خليفة، والصلاة والسلام على النبي الذي آخى بين المهاجرين والأنصار وكتب بينهم وثيقة، ووضع مبادئ السياسة الشرعية على أساس الشريعة الشريفة، وعلى آله وأصحابه الذين اجتمعوا بعد وفاته في السقيفة، وبايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه إماما وخليفة، وعلى الخلفاء الراشدين الذين حكموا البلاد وساسوا العباد على كتاب الله والسنة الكريمة، وعلى الحكام العادلين وعلى من أطاعهم إلى يوم تبلى فيه السرائر والحقيقة. أما بعد…

لقد احتدم الصراع في الآونة الأخيرة بين المسلمين عن السياسة وعلاقة الإسلام بها، وقبل الخوض في الموضوع أريد أن أعرّف السياسة لغة واصطلاحا.

فالسياسة في اللغة مصدر ساس، يسوس، سياسة. فيقال ساس الدابة أو الفرس، إذا قام على أمرها من العلف والسقي والترويض والتنظيف وغير ذلك.

وهذا المعنى هو الذي أخذ منه سياسة البشر، فكأنّ الإنسان بعد أن تمرّس في سياسة الدواب، ارتقى إلى سياسة الناس وقيادتهم في تدبير أمورهم، ولذا قال صاحب تاج العروس من جواهر القاموس محمد بن محمد الزبيدي: ومن المجاز: سُست الرعية سياسة: أمرتهم ونهيتهم، وساس الأمر سياسة قام به والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه.

وفي الاصطلاح، عرّفها المقريزي تلميذ ابن خلدون رحمهما الله في خططه: بأنها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال.

وقال آخرون بأنها فن إدارة المجتمعات الإنسانية.

والفقهاء يريدون بها التوسعة على ولاة الأمر في أن يعملوا ما تقتضيه المصلحة، مما لا يخالف أصول الدين وإن لم يقم عليه دليل خاص.

قال ابن نجيم رحمه الله صاحب البحر الرائق شرح كنز الدقائق في باب حد الزنا: “وظاهر كلامهم ههنا أن السياسة: هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لن يرد بذلك الفعل دليل جزئي”.

وغير الفقهاء أرادوا بها معنى أعم من هذا، وهو تدبير مصالح العباد على وفق الشرع، كما يتضح من المعنى الاصطلاحي.

 

الإسلام والسياسة:

على الرغم من أن كلمة السياسة لم ترد في القرآن الكريم ولا أي لفظة مشتقة منها وصفا أو فعلا، وقد يتخذ بعضهم من هذا دليلا على أن القرآن -أو الإسلام- لا يُعنى بالسياسة ولا يلتفت إليها. ولا ريب أن هذا القول ضَرْب من المغالطة، فقد لا يوجد لفظ ما في القرآن الكريم، ولكن معناه ومضمونه مبثوث في القرآن.

أضرب مثلا لذلك: كلمة (العقيدة) فهي لا توجد في القرآن، ومع هذا مضمون العقيدة موجود في القرآن كله، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، بل العقيدة هي المحور الأول الذي تدور عليه آيات القرآن الكريم.

فالقرآن وإن لم يجيء بلفظ (السياسة) جاء بما يدل عليها، ويُنبئ عنها، مثل: كلمة (المُلك) قال الله تعالى:{فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً}[النساء:54].

وقال تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ}.

وقال تعالى حكاية عن سيدنا سليمان عليه السلام: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}ص35

ومثل ذلك كلمة التمكين: قال الله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}الحج41

ومثل ذلك: كلمة (الاستخلاف)، وما يشتق منها، مثل قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[النور:55].

ومثل ذلك كلمة (الحُكْم) وما يشتق منها، مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}[النساء:58]،

وقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}[المائدة:50]

فهذا كله حديث عن السياسة والسياسيين تحت كلمة غير (السياسة). باختصار عن “الدين والسياسة ضوء على المفاهيم” للعلامة القرضاوي أدام الله ظله.

 

السياسة في الأحاديث النبوية:

لقد وردت كلمة السياسة صراحة عن النبي صلى الله عليه في الحديث رواه أئمة الحديث في كتبهم عن أبي حَازِمٍ قَالَ: قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِىٌّ خَلَفَهُ نَبِىٌّ وَإِنَّهُ لاَ نَبِىَّ بَعْدِى وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ». قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ». متفق عليه واللفظ لمسلم.

قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله في كتابه عمدة القاري شرح صحيح البخاري: قوله صلى الله عليه وسلم: تسوسهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أي تتولى أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية. والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه، وذلك لأنهم كانوا إذا أظهروا الفساد بعث الله نبيا يزيل الفساد عنهم ويقيم لهم أمرهم ويزيل ما غيروا من حكم التوراة.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري: وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا بد للرعية منقائم بأمورها يحملها على الطريق الحسنة وينصف المظلوم من الظالم.

 

وقال السيوطي رحمه الله في شرحه على ابن ماجة: تسوسهم الأنبياء من السياسة وهي الرياسة والتأديب على الرعية ولا يناقض هذا بقصة طالوت فإنه كان ملكا لا نبيا، ونبيهم كان الشموئيل عليه السلام، لأن الملوك كانوا تباعا لأنبيائهم، فلما امروا به أطاعوهم، فكانت السياسة حقيقة للنبي والملك كان نائبا منه.

كما أن المسلمين بحاجة إلى بسط العدل ورفع الظلم، وجمع الكلمة وعدم الفرقة، وجلب المصالح ودفع المفاسد، وتجهيز الجيوش وتنفيذ الحدود، والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة والجمع والأعياد، والحج والجهاد والقيام بعمارة الأرض واستخراج خيراتها، وهذه الأمور كلها لا يمكن بدون أمير يسوس العباد.

لقد اعتنى علماء الإسلام قديما وحديثا اعتناء بالغا واهتماما كبيرا بالسياسة الشرعية، فذكروا نبذة وافية من الأحكام المتعلقة بالسياسة الشرعية في كتب العقيدة والفقه وصرّحوا بأن نصب الإمام واجب على المسلمين.

كما أفرد بعض منهم هذا الموضوع بالتصنيف والتأليف، نذكر أسماء بعض من هذه الكتب على سبيل المثال لا الحصر:

■ أقدم المؤلّفات التي صنّفت في السياسة الشرعية كتاب “الخراج”؛ للإمام أبي يوسفَ رحمه الله، الذي كتَبه أبو يوسف إلى الخليفة هارونَ الرشيد بطلبٍ منه؛ لذلك بدأه المؤلِّف بنصيحة شاملةٍ للخليفة في شؤون السياسة وغيرها.

■ الإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله هو أول من أفرد للسياسة والعلاقات الدولية في الإسلام مؤلفات خاصة يتناول فيها أحكام الجهاد والحرب، وأحكام الصلح والمعاهدات، وأحكام الأمان، وإرسال السفراء والمبعوثين، وآثار قيام الحرب، وسياسة المسلمين في تنظيم الحرب، وما يجوز وما لا يجوز في ذلك كله. وله في هذا كتابان: أحدهما (السير الصغير) والثاني (السير الكبير).

■ غياث الأمم لإمام الحرمين الجويني رحمه الله.

■ الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى رحمه الله.

■ الأحكام السلطانية للماوردي رحمه الله.

■ معين الحكام للفقيه الحنفي علاء الدين الطرابلسي رحمه الله.

■ تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام للإمام بدر الدين ابن جماعة رحمه الله.

■ السياسة الشرعية المنسوبة إلى كل من ابن كمال باشا، وابن نجيم صاحب البحر، ودده أفندي رحمهم الله وهؤلاء الثلاثة كلهم من علماء الأحناف رحمهم الله.

■ السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية للعلامة أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رحمه الله.

■ والطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم الجوزية رحمه الله.

■ وبدائع السلك في طبائع الملك لابن الأزرق رحمه الله.

 

ويتبيّن من هذا أن العلاقة بين الإسلام والسياسة وطيدة ومحكمة، لا يجحدها إلا جاهل أو مكابر أو معاند.

وقد ظهرت في زماننا فتنة جديدة وشرذمة قليلة من الناس يتبعون الغرب في كل صغيرة وكبيرة ويجاهرون بإنكارهم لهذه الحقيقة، ويعتقدون أن الإسلام ليس إلا مجرد صلة روحية بين الفرد وربه، وينادون بفصل الدين عن السياسة، ومن أقوالهم الباطلة: “إن الدين شيء والسياسة شيء آخر”. وهذه الفتنة هي المسماة بالعلمانية.

ويكفي في الرد على هؤلاء أن الإسلام لا يدعو إلى الرهبانية التي ابتدعها النصارى بل هو منهج حياة، يشمل العقائد والعبادات والمعاملات، ويسمو بالسلوك والأخلاق، ويتسم بالشمول وسعة الآفاق، ويجمع بين شؤون الناحيتين الروحية والمادية، ويتناول أعمال الإنسان في حياته الدنيوية والأخروية، وهذه كانت عقيدة المسلمين في كل العصور السالفة.

يقول العلامة علاء الدين الطرابلسي في كتابه معين الحكام: والسياسة باب واسع تضل فيه الأفهام وتزل فيه الأقدام، وإهماله يضيع الحقوق ويعطل الحدود، ويجرئ أهل الفساد ويعين أهل العناد.

ولهذا سلك فيه طائفة مسلك التفريط المذموم فقطعوا النظر عن هذا الباب، فسدّوا من طرق الحق سبلا واضحة وعدلوا إلى طرق في العناد فاضحة، لأن في إنكار السياسة الشرعية ردا للنصوص الشرعية وتغليطا للخلفاء الراشدين.

وطائفة سلكت في هذا الباب مسلك الإفراط؛ فتعدّوا حدود الله وخرجوا عن قانون الشرع إلى أنواع من الظلم والبدع في السياسة، وتوهّموا أن السياسة الشرعية قاصرة عن سياسة الخلق ومصلحة الأمة وهو جهل وغلط فاحش.

فقد قال عز من قائل: (اليوم أكملت لكم دينكم). فدخل في هذا جميع مصالح العباد الدينية والدنيوية على وجه الكمال.

وقال صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم أمرين ما إن تمسكتم بها لن تضلوا كتاب الله وسنتي).

وطائفة توسطت وسلكت فيه مسلك الحق وجمعوا بين السياسة والشرع، فقمعوا الباطل ودحضوه، ونصبوا الشرع ونصروه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى كلامه رحمه الله.

وفي الختام، السياسة ليست عبارة عن النفاق والخداع والكذب والانبطاح والاسترسال في اتباع الهوى والشهوات والمساومة على الأهداف والاستسلام للأعداء، بل هي عبارة عن جلب المصالح ودفع المضار مع الثبات على المواقف والمبادئ واتباع الشريعة الغراء، كما لا يخفى أن السياسة الشرعية بحاجة إلى حنكة ورجاحة عقل ودهاء وذكاء.

إن جهود الإمارة الإسلامية الجهادية والسياسية تنصبّ في بوتقة واحدة، ألا وهي طرد الاحتلال وإقامة نظام إسلامي راشد.

ولقد لقّنت الإمارة الإسلامية العالم درسا في السياسة الشرعية، وأثبتت بأن المقاومة الجهادية المسلحة والجهود السياسية والدبلوماسية ليستا متنافيتين، بل هما للحركات الإسلامية بمثابة جناحي طائر، مرهون بهما نجاح أية حركة جهادية وإسلامية.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في جهود أعضاء المكتب السياسي للإمارة الإسلامية، ويوفقهم لخدمة الإسلام والمسلمين وخاصة الشعب الأفغاني المجاهد، ويثبتهم على الحق، ويهيء لهم من أمرهم رشدا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.