حقاني: العالم الفقيه والمجاهد المجدد (27)

أ.مصطفى حامد (أبو الوليد المصري)

 

– من ضمن أسرى تورغار ضابط سِكّير يكرهه الجميع. وجندي فصيح يقول أن الضباط لم يخبروه أن المجاهدين طيبون.

– “علي جول” الضخم الأسطوري لا يخشى في الجبهة سوى من الألغام. أحبه العرب وكرهه ضباط العدو في الخط الأول، وأحدث استشهاده صدمة.

– البدو يتألقون ويستولون على جبل “ورا تورغار” يقودهم البطلان “جولاب” و”أورانج”.

– حقاني يغادر مركز القيادة في منتصف الليل. والغرفة الضيقة فوق الجبل امتلأت بمجاهدين مترامين كيفما اتفق.

 

الأحد 18 فبراير 90:

يوم مُشرِق بدأت فيه غارات الطيران مبكراً فعمل الطيران بعنف بالغ، ولم تكد الطائرات تتوقف عن قصف تورغار بشكل مستمر.

في مركز خليل عقد حقاني اجتماعاً مع قادة الميدان لمناقشة معارك تورغار والتخطيط لمعركة (ورا تورغار) القادمة.

ثم وصلت أفواج الأسرى، وكانت دفعة كبيرة من الجنود وبعض الضباط تم أسرهم فوق الجبل، كان من بينهم ضابط في حوالي الثانية والعشرين، قوي البنية مثل بغل إسترالي، ذو ملامح غليظه بليدة.

وكان موضع ازدراء وكراهية الجنود، والضباط القليلون الذين أسروا معه. كان من منطقة جاجي ومن قبائل منجل، ويظهر أنه كان الحزبي الوحيد في المجموعة. اشتكي الجنود أنه كان يحتسيالخمر كثيراً ويعاملهم بقسوة. واعترف هو بأنه تلقى تدريبيه في الاتحاد السوفيتي، لم تكن الجلسة للمحاكمة،لذا لم يقتل ذلك الضابط رغم الكراهية التي أحاطت به من كل جانب.

لكن جندياً أحمقاً أثار ضحك الجميع فخفف المخاطر عن الضابط الكريه. كان الجندي مشهوراً بين زملائه ببساطته المتناهية لذا كانوا يضحكون كلما بدأ الكلام.وكان يقف أمام حقاني مشدود القامة بأكثر مما ينبغي لدرجة أنه كان مقوساً إلى الخلف بشكل يدعو للسخرية، كانت يداه في خشونة لحاء شجرة معمرة.

ومن وقفته العسكرية المضحكة كان يجيب على أسئلة حقاني الذي سأله متحبباً إليه: أيهما أفضل المجاهدين أم حكومة كابل؟

فأجاب ذلك الفلاح الفصيح بعكس ما كان متوقعاً، أي الإجابة التي يجيب بها الجنود عادة عندما يقعون في الأسر بأن “المجاهدين أفضل بالطبع” وبدلاً عن ذلك أجاب الجندي المقوس: كلاهما جيد يا سيدي العالم.

فأجابه حقاني مندهشاً: كيف أن كلاهما جيد؟

فأجاب الجندي: لأنهم مسلمون ومن الأفغان ياسيدي!.

فضحك الجميع بما فيهم حقاني، الذي لقنه درساً طويلاً بدأه بقوله: كيف تقول ذلك أيها الأحمق ألا تعلم أن حكومة كابل شيوعية.. إلخ.

كان الجندي مرتبكاً والجميع يضحكون من حوله حتى زملائه، وفي الأخير اعتذر عن غلطته وألقى باللائمة على ضباط وحدته الذين كانوا يلقنونه أشياء مخالفة لذلك. لم يمكث هؤلاء الجنود في الأسر طويلاً وأخذ كل منهم مئتي روبية باكستانية لإعانته على العودة إلى قريته، أما الضباط فلم أسمع عنهم بعد ذلك.

كان هناك فارون من الجنود في (ورا تورغار) وكان عددهم حوالي الأربعين، حملوا معهم 3 كلاشنكوف، وعدد 2 قاذف صاروخيRPG وعدد 2 جرينوف.

أجريت أحاديث مطولة مع الفارين والأسرى، وكان أفضل من أفادني هو الضابط “ضياء محمد”، 25 عاما، من هيرات. وقد فرّ من موقع (ورا تورغار) وقت هجوم المجاهدين على تورغار الكبير.

وقد درس ضياء حتى الصف الثاني عشر، تدرب في كابل سته أشهر وتخرج ضابطاً. قال: إنه يعلم بوصول تعزيزات إلى خوست، وهي جزء من الكتيبة 33 التابعة للفرقة 17 في هيرات، وجزء من لواء (جاردخاص) من كابل، وهو من قوات الصفوة وأعضاؤه حزبيون، وجزء من فرقة 18 المتواجدة في مزار شريف، هذا بالإضافه إلى فرقه 25 المتواجدة أصلا في خوست، وقوات (داو طلب) أي المتطوعين.

وعن قطع المدفعية التي استطاع أن يحصيها من موقعه أثناء الخدمة، قال: إنه أحصى 4 راجمات صواريخ BM-41 وأربع مدافع DC عيار 122 مليمتر، وأربع مدافع جبلية عيار 76 مليمتر، وقال بأنه في المدينة طائرتي هيلوكبتر طراز (مي ـ 24) انفجرت إحداها وبقيت واحده فقط.

وأكد أن الحاله الغذائية في المدينة متردية وكذلك الخدمة الطبية التي لا يلقي الجنود شيئا منها، وأن قائد المخابرات (خاد) في المدينه ويدعى (رحمت شاه) هو المسؤول عن عمليات التهريب من باكستان وأهم ما يركز عليه هو البترول والطعام.

وقال بأن القيادة العسكرية في المدينة منقسمة على نفسها بين (خلق) و(البارشام) وكل فريق يحاول دعم موقفه وتقوية نفسه في مقابل الفريق الآخر، ولكنه أكد أن كلا الفريقين مصمم على القتال حتى النهاية، رغم كلامهم الكثير عن الوفاق والصلح.

 

الاثنين 19 فبراير 90:

في وقت الضحى كان مركز خليل يضج بالنشاط، وعسكر من الفارين يقومون بكل همة بتنظيف صواريخ كاتيوشا من التراب والشحم تمهيداً لتوزيعها على الخطوط الأولى.

وسيارات البيك آب تأتي لتحميل الذخائر من المغارات المحيطة بالمركز ثم تذهب مسرعة. وعلى بعد أمتار من المركز هناك دبابة وصلت بالأمس وهي مغطاة بغطاء من قماش عسكريسميك، بينما دبابة أخرى يعمل بها طاقم الإصلاح الذين غطاهم الزيت الأسود والأتربة حتى صاروا كأشباح مخيفة ولايحاول أحد مصافحتهم. ومخبز المعسكر قد ازداد نشاطه وتعزز عدد العاملين فيه، فالجبهة كلها تأخذ خبزها من هنا ثلاث مرات يومياً. فهو إذن لايكاد يتوقف غير ساعة أو إثنين أثناء النهار، والعديد من المراكز يعتمد على مطبخ مركز خليل في كامل الوجبات، مثل مركز الترصد مثلاً.

ورغم الأمطار والطين والبرد في أيام الشتاء إلا أن الأعمال الإدارية كانت تسير بشكل جيد، على الأقل كانت الشكاوي نادرة. وجزء من الفضل في ذلك يعود إلى التوفيق في العمليات الذي ينسى الناس الجوع والتعب، وحتى عدم توافر الأغطية في ليل خوست القارس.

لكن اليوم مشرق وجميع الدلائل تشير إلى أن عملية ما على الأبواب. ولم يكن هناك أكثرأهمية من الجبل المتبقي أي (وراتورغار) الذي جعل الانتصار الضخم يوم الجمعة الماضي معلقاً بين السماء والأرض.

كانت إحدى سيارات البيك آب في طريقها لنقل طعام وذخائر إلى موقع دبابة خليل الشهيرة، فوجدت من المناسب زيارة تلك الدبابة الرائعة وموقعها العجيب. ورأى الصحفي البريطاني (تيم) أنها فرصة مناسبه أيضاً أن يقوم بزيارة إلى موقع في الخطوط الأولى قبل مغادرته إلى ميرانشاه اليوم.

تحركت بنا السيارة المكدسة بالمجاهدين والصناديق والخبز وأوعية الطعام. بعد حوالي ساعة كنا في”بوري خيل” حيث مركز”نصرت الله” قائد كتيبة سلمان الفارسي. وهو مركز ضخم مليء بالمغارات وأمامه ساحة متسعة بين الجبال، وتفصله عن وادي خوست القريب عدد من التلال المنخفضة، وعلى مسافات غير بعيدة عدة مراكز مدفعية وراجمات صواريخ للمجاهدين، لكل منها مغارة أو أكثر تستخدم للمبيت وتخزين المهمات، أو للاحتماء من الطيران وبالفعل فإن مجموعات المدفعية التي تكاسلت عن حفر المغارات واستعاضت عنها ببيوت طينية،كما فعلت إحدى المجموعات، أو تلك التي بنت مغارة غير مناسبة، جميعها أصيبت بخسائر في الأرواح غير الجرحى.

ــ بعد دقائق أصبحنا في الوادي الفسيح بلا أي عائق جغرافي عن المدينة، هناك القلعه العتيدة على هضبة متون التي أصبحت لدينا رمزا لمدينة خوست، مثلماهو برج إيفل بالنسبه لباريس.

انحرف السائق صوب الشرق ومضى بأقصى سرعة ممكنة، وقال بأن سيارة قد تحطمت هنا منذ أيام بقذيفة دبابة. لم يكن ذلك مطمئناً بطبيعة الحال. كانت سحابة الأتربة خلفنا تمتد لأكثر من كيلومتر وترتفع لعدة أمتار.

كان طبيعياً أن يرسل لنا العدو قذائف الترحيب، وهو ما حدث فعلاً ولكنه أرسلها إلى المركز الذي نقصده. كنت أحمل عدة قتال كاملة فسألني تيم عن السبب فقلت له: “لأنني إذا وقعت في الأسر فسوف يقتلونني فوراً، أما أنت فسوف يُطلق سراحك خلال إسبوع لأنك أوروبي”.

ذهبت إلى دبابة خليل أتفحص موقعها، كانت تحت جرف يحجبها عن أعين العدو في الوادي، ولكنها ظاهرة تماماً للعدو في تورغار وما خلفه. لم يكن يحيط بها أي تحصينات تذكر، كانت ببساطة.. واقفة تحت الجرف!!.

في ظني أنه كان يمكن عمل الكثير بالنسبة لدبابة مستهدفة من الجو ومن الهاون، كأكثر من أي هدف آخر في كل الجبهة. ولو أن ذلك قد حدث فلربما وفرنا في عدد القتلى الذين تساقطوا حولها، سواء من الأطقم أو المساعدين.

وعلى أية حال فإنه دبابة في مثل ذلك الموقع لا يمكن أن يصمد فيها بشر عاديون، يكفي فقط عشرات الغارات الجوية التي هاجمتهم ومحاولات الهجوم الأرضية التي قام بها أفراد الميليشيات القبلية. أما الموقع نفسه وهو في هضبة مقابلة فكان أكثر من رائع في تجهيزه الهندسي. شبكة كاملة من المغارات المتصلة الطويلة مع شبكة كبيرة من الخنادق شبه الدائرية حول الهضبة، وهي تكفي لمسير الأفراد بدون انحناء، ولما كانت الهضبة غير مرتفعة فإن حفر المغارات كان متجها الى أسفل لتوفير ارتفاع كاف فوق المغارات. تذكرت السيول ولو أن أحدها تدفق إلى تلك المغارات لتحولت إلى نهر عميق. ولكنهم كانو قد احتاطوا للأمر بشكل جيد،ولم يحدث لهم أن تعرضوا لتلك المحنة.

تجولت مع تيم في شبكة الخنادق الخارجية، ولم يكن قد سبق ليأن رأيت تورغار من جانبه الخلفي ومن تلك المسافة القريبة. التقطنا عدداً من الصور، حتىانهالت علينا فجأة سيول من قذائف المدفعية، جعلتنا نجري بسرعة إلى داخل المغارات خاصة وأن بعض القذائف سقطت إلى جانبنا على حافة الخندق.

رحلة العودة كانت أكثر إثارة، والسبب هو”علي جول” ذلك الشخص الأسطوري، وكان أبو الحارث قد حدثني عنه كثيراً لكنني أراه الآن لأول مرة. ولسوء الحظ أنه جلس معنا في المقعد الأمامي للسيارة، بيني وبين “تيم” الإنجليزي، وكان رابعنا هو السائق، أما أنا فقد سحقني”علي جول” بجسده الضخم ولصقني تماماً في باب السيار، أما تيم المسكين الذي لم يجد مكان للجلوس سوى ما بين كتف”علي جول” وكتف سائق السيارة، والتصق باقي جسده النحيل في سقفها.

“علي جول” طيب القلب الشجاع أمام أي شيء في الكون سوى الألغام، وهذا سبب شهرته بين العرب. جلس يكلمني بلغته المهجنة التي تعلمها، أو اخترعها، أثناء عمله بالسعودية لعدة سنوات، عن مغامراته الأخيرة في الاقتراب من الخط الأول للعدو، والكلام مع الجنود عبر مكبر الصوت. وفي الحقيقه أنه لم يكن في حاجه إلى ذلك الجهاز، لأن صوته “السوبر جهوري” كاد أن يصيبني بالصمم خاصة وأن أذني اليمنى،التي كمن علي جول، على بعد مليمترات منها، طبلتها مرهقه أصلاً.

ــ قال “علي” إنه اكتسب ود وصداقه الجنود الذين يسمعون له باحترام وتأثير ولكن الضباط “الملاعين” يسبونه بأقبح السباب الذي يندى له الجبين، ويرغمون الجنود على إطلاق النار عليه، وضربه بالهاونات.

ولكن مجهوده أثمر، وهرب على يديه عدد لابأس به من الجنود الذين استمعوا إليه في النهار وهربوا في الليل. كان كل ما قاله صحيحاً، إلا جزء واحد بسيط، عندما قال إنه كي يتقرب من خطوط العدو فإنه يرفع الالغام (بحرص شديد) فلما رآني أنظر إلى وجهه، ولم أكن قد فعلت منذ بدأ يقصفني بحديثه داخل طبله أذني اليمنى، فشعر بذكائه الحاد أن شيئاً من الإشاعات قد وصلني. أقصد الإشاعات المغرضة التي تقول أنه يخاف (جداً) من الألغام، فأضاف قائلاً:

ــ وأحياناً آخذ معي أحد الإخوة العرب ليساعدني في نزع الألغام. وفي الحقيقة فقد أحبه العرب في مركز أبو الحارث كثيراً وأعجبوا بشجاعته وقوته وطيبة قلبه وكرمه.

كان دائماً يدعوهم إلى بيته كي يذبح لهم حروف (بدون نقطة على حرف الخاء). ولكن لم يذكر لي أحد أنه لبى الدعوة لأكل لحم ذلك”الحروف”. ولكن العرب كانوا يمازحونه كثيراً بالنسبه لموضوع الألغام، وكان هو نفسه يضحك كثيراً من ذلك ويعترف في النهاية بروح رياضية بأنه يخاف منها كثيراً.

كل من تعامل مع علي جول كان يحبه لدرجة غير عادية، لذا عندما استشهد بعد ذلك بعدة أشهر بكى عليه الجميع، حتى خليل أخو جلال الدين حقاني الذي يبدو بطبعه لا مبالياً، بكى كطفل فقد أبواه، حتى أن أبا الحارث كان يتعجب من ذلك، وكان واقفاً وقت دفن ذلك “البطل الضخم”. وقال بأن خليل ارتمى على القبر وبكى بحرقه لم يرى مثلها قبلاً. لم أكن لأصدق أن خليل فعل ذلك لو أن غير أبي الحارث هو الشاهد والراوي لما حدث.

ــ لاحظ علي جول أنني أحمل “كاميراتين” للتصوير واحدة كبيرة بعدسة مقربة، وأخرى صغيرة توضع في الجيب. فطلب مني أعطيه الكاميرا الصغيرة، فاعتذرت بأنني أستخدمها للتصوير لمجله حقاني. ظننت أني أغلقت عليه الطريق، فقد كانت كاميرتي الخاصة. ولكنه فاجأني بالقول: “إن حقاني قريبي، أنا وهو من نفس القبيلة، ثم إنني سأصور بها في الجبهة وأعطيك الصور لتنشرها في المجلة، وأكون بذلك أحد العاملين معكم”.

اعتذرت مرة أخرى، لكنه أصر وتشبث مثل طفل صغير تعلق بأحد الألعاب لدى طفل آخر.

وصلنا إلى المركز ونحن مختلفان،فعرضت الأمر على حقاني فجعلته حكماً بيننا، فضحك حقاني ووافق بأن أعطيه الكاميرا وأن يعمل علي جول معنا مصوراً ميدانيا. اضطررت للإذعان، وكاد “علي جول” أن يطير فرحاً.

– بعد أسبوعين تقريباً قابلته في نفس المركز وكان أبو الحارث قد أخبرني بأن”علي جول” يبحث عني منذ أيام لأن معه صوراً لي.

سرني ذلك، ومنيت نفسي بصور نادرة من الخط الأول. جاء “علي جول” ومعه ثلاث صور كلها لأفراد داخل غرفة وفوقهم نافذة مفتوحة، فسألته أين الصور؟ قال:هذه هي تجربتي الأولى في التصوير وأردت أن أعرضها عليك حتى تعطيني رأيك.

كانت خيبة أمل بالنسبة لي فسألته عن باقي صور الفيلم. فأجاب بأنها احترقت جميعاً وهذه فقط التي نجحت. فشرحت له بأنها لم تنجح لأن النافذة يدخل منها ضوء شديد، وبالتالي فإن وجوه الأشخاص تحتها جاءت معتمه جداً حتى أنه يصعب تحديد هوية أصحابها. قال”علي جول”: إذن أنت لم تعرفني؟ هذا هو أنا أجلس في المنتصف وعلى يميني ابن عمي وعلى يساري ابن خالي.

فسألته بدهشة: وكيف أخذت الصورة إذن؟

فرد علي مصححاً خطئي:لا يابوي، أنا ما خذت هادي الصورة. هادي الصورة أخذها لي واحد صديقي.

فسألته: لكنك قلت إنك التقطت الصور.

فرد بأن الصور التي التقطها لم تظهر في التحميض هو يجهل السبب، ويريد فيلماً جديداً حتى يحاول ويجرب حظه مرة أخرى.

وبهدوء وبدون جدال، وبكل مشاعر اليأس والإحباط مددت يدي إلى جيب حقيبتي العسكرية وأعطيته فيلماً. فأخذه وهو يشكرني متهلل الوجه. لم أشاركه السرور بل ذهبت بي الأفكار بعيداً، بحثاً عن السبب الحقيقي الذي لأجله يأمر ضباط العدو جنودهم بضرب “علي جول” بالهاونات!!.

طلب مني حقاني أن أرافق الصحفي الضيف في سيارة المركز حتى ميرانشاه لأنه ربما احتاج وساطتي لدى الأطباء العرب للسماح له بالركوب فيإحدى سيارات الإسعاف التابعة لهم.

ـ كانت علاقة حقاني وجماعته متدهورة مع الأطباء العرب العاملين في الهلال الأحمر الكويتي، بل مع الهيئة الكويتية نفسها. في هذه المرة لم يكن هناك وقت لبروتوكولات التكريم، فالسيارة مزدحمة والطائرات تقصف المنطقه، فقفزت مع الضيف في الصندوق الخلفي لسيارة إسعاف كان بها جريحان.

السائق يحاول الطيران لينجو بنفسه وبمن معه من القنابل المتساقطة، واضطر للتوقف مرة أو مرتين حينما حاصرته الرمايات من الأمام ومن الخلف. تنهدت مستريحاً عندما عبرنا نقطة الحدود في غلام خان، لقد انتهت مطاردة الطائرات كما انتهت مطبات الطريق الصخري.

في مكتب حقاني الرئيسي كانت ثلاث سيارات إسعاف مهيئة للتحرك صوب بشاور، وقبلوا أن يصحبوا “تيم” بدون صعوبة، ولكنه اعتبر أنني ساعدته كثيراً وكنت مجاملاً معه عندما حضرت واصطحبته إلى ميرانشاه. أفهمت الأفغان الذين في القافلة أن هذا الصحفي هو ضيف حقاني، فأسرعوا بتقديم كل مساعدة ممكنه له.

وهذا التقليد باحترام الضيف، وكذلك احترام ضيوف الآخرين هو واحد من أعرق وأنبل الأخلاق الأفغانية. عدت مسرعاً إلى “مركز خليل” في أول سيارة صادفتها. ثم انتقلت إلى جبل الترصد والقيادة في سيارة مركز خليل التي كانت تنقل الماء والخبز إلى هناك. وصلت إلى القمة في حوالي الرابعة وكان حقاني هناك. وفوراً بدأت مدفعية المجاهدين في العمل ضد “تورغار الصغير” وأخبرني عبد العزيز أن القصف الجوي على تورغار لم يتوقف منذ الثانية ظهراً وحتى الآن ولكن لم يبلغ أحد عن وقوع إصابات.

مدفعية المجاهدين أصابت مخزن مواد غذائية وذخائر فوق تورغار الصغير وقتل هناك عدد من الجنود، أبلغني عبد العزيز بذلك بعد أن استمع إلى مكالمات العدو اللاسلكية، وكانت سحب دخان تتصاعد من فوق تورغار الصغير.

 

الساعة 5.24: غارة أخرى على نفس الهدف، ولكنها أصابت خطوط العدو نفسه في جبل “تورغار الصغير” وأحدثت خسائر، وقد هلل المجاهدون لذلك.

 

الساعة 5.37: دبابة خليل تضرب بعنف مراكز العدو في الجبل الصغير. الدبابة التي من المفروض أن تعمل من شرق الجبل لم تصل حتى الآن.

 

الساعة 5.55: جماعة الكوتشي المهاجمين يتصلون مع حقاني، ويقولون بأن العسكر يهربون من الجبل، وأنهم سيطاردونهم. حقاني يضحك ويصيح فيهم مشجعاً. وكانوا يتقدمون من شرق الجبل.

 

الساعة 6.00: مكالمة لحقاني من المهاجمين:” نحن نحاول الاقتراب بسرعة من دفاعات الخط الأول حتى نستفيد من الضوء الباقي لنتفادي الألغام”.

 

الساعة 6.06: جماعة من الكوتشي بقيادة “أورانج” يصلون إلى الخط الأول للعدو فوق الجبل. حقاني يصدر أخطر قرارات اليوم. لقد أمر المدافعين عن تورغار الكبير بالنزول إلى تورغارالصغير ومساعدة زملائهم في تطهيره والدفاع عنه ضد أي هجوم معاكس.

لقد صار “تورغار العظيم” مجرد خط خلفي لإسناد خط الدفاع الأول الذي انتقل إلى شقيقه الأصغر”ورا تورغار”. لقد كان حقاني متألقاً هذا اليوم. وكذلك فرق المهاجمين خاصه الكوتشي، جماعة الشهيد عبد المنان، والذين يقودهم أخوه “جولاب” وقد انضم إليه اليوم القائد الشهير أورانج، وهو من نفس الفريق.

لقد أثارت شجاعة ذلك الفريق الحماس والبهجة كما أثارت الابتسامات والضحكات. ومن أشهر نكاتهم هو استخدامهم موجة لاسلكية واحدة، منذ استلامهم لتلك الأجهزة وحتى نهاية الحرب.

 

وهذا الرقم هو 4444، وكانت الحكومة تضعه باستمرار تحت التصنت وكانت تعرف نواياهم ونوايا المجاهدين من خلال هذا الرقم. وجماعة الكوتشي لا يكذبون أبداً، لذا فهم مصدر موثوق لدى الحكومة. أما عندما يلجأون إلى السرية، وهذا لا يحدث إلا بعد نجاح الاقتحام وبداية جمع الأسرى والغنائم فإنهم يستخدمون شيفرة ليست كثيرة التعقيد. كما حدث هذه الليلة مثلاً، فعندما يأسرون جندياً فإنهم يقولون على المخابر: (لقد أمسكنا بقرة) أما إذا أسروا ضابطاً فالرسالة تكون: (لقد أمسكنا خنزيراً).

 

الساعة 6.09: وصلت الطائرات النفاثة فقصفت تورغار الكبير وما حوله، بعد الغارة قال المجاهدون أنه لم يُصَب أحد منهم.

 

الساعة 6.12: قائد العدو على الجبل الصغير يطلب من قيادته في المدينة إرسال مصفحة لنقله فاتصل حقاني بالمهاجمين وطالبهم بالبحث عن ذلك الضابط وإمساكه حياً.

 

الساعة 6.18: راجمات الصواريخ لدى العدو تطلق قذائفها ضد تورغار. وعبد العزيز وجماعته يشوشون على موجه اللاسلكي الخاصة بمدفعية العدو.

 

الساعة 6.20: عبد العزيز يخبر حقاني أن طائرات نفاثة قادمة للقصف، وحقاني يأمر المجاهدين بوقف الرمايات حتى تنتهي الغارة الجوية. وكان الوقت ليلاً ومن السهل على الطيار تحديد موقع رمايات المدفعية ومن ثم إصابة المدافع.

أقبلت الطائرات وأفرغت حمولات كبيرة من القذائف العنقودية فوق تورغار، ومخابرة من المجاهدين هناك تقول: لقد أصابوا جنودهم في تلك الغارة، ويبدو أن بعض الأسرى قد أصيب بالقنابل العنقودية.

 

الساعة 6.27: غارة جوية على تورغار استخدمت فيها قنابل عنقودية ثم قنابل ثقيلة الوزن، ثم غارة جوية على قاعدة المجاهدين في “بوري خيل” حيث كتيبة سلمان الفارسي.

 

الساعة 6.29: السيارات الحكومية وصلت لنقل الهاربين من الجبل إلى المدينة.

 

الساعة 6.36: ثلاثة من المجاهدين الكوتشي عثروا على ستة من الجنود وأخذوهم أسرى، حقاني يضحك ويصيح بهم مشجعاً على جهاز اللاسلكي “زنده باد”.

 

الساعة 6.40: ضحكات النصر وممازحات مع الكوتشي من حقاني وباقي المجاهدين، فقد كانوا هم نجوم هذا اليوم.

هبط الظلام على المنطقه إلا ما تبقى من شفق ضعيف.

طائرات الأنتينوف القاذفة تشن عده غارات متوالية، ولكن بدون أن تحقق إصابات.

 

الساعة 9.25 : كنا داخل الغرفة نلتمس شيئاً من الدفء، سمعنا صوت انفجار صاروخ سكود، وتبعه صاروخ آخر بعد ثوان، كانت رسائل تهنئة للمجاهدين قادمة من كابول.

 

الساعة 11.30: كنت مستغرقاً في النوم داخل الغرفة التي امتلأت بالمجاهدين وكل فرد نام بطريقة عشوائية. أيقظني حارس حقاني وقال بأن الشيخ سوف يغادر إلى معسكر خليل ويسألني إن كنت سأرجع معه أم أبقي حيث أنا، فأجبت بأنني سأبقى هنا.

سمعت صوت السيارات تغادر المركز، ومن وقت لآخر أستيقظ على صوت انفجارات كبيرة وأصوات الطائرات بأنواعها تروح وتجيء، ولكي لم أشعر بالقلق أو الانزعاج، ولا أحد ممن حولي تزحزح من نومته، فالكل يعلم أن الطائرات، كل الطائرات، لن تعيد “عائلة تورغار” إلى قوات الحكومة مادامت تلك القوات قد فرت ولا تنوي العودة مرة أخرى.