طالبان.. وبيت الطاعة الأمريكي

يخطئ من يعتقد أن الإعلان عن افتتاح مكتب لإمارة أفغانستان الإسلامية “طالبان” في قطر يمثل تراجعًا إستراتيجيًّا في سعي الحركة لإنهاء الاحتلال الأمريكي لبلاد الأفغان أو إعلانًا لفشل محاولات الحركة لإسقاط نظام كرزاي العميل في كابول؛ بل على العكس تمامًا يمثل افتتاح هذا المكتب اعترافًا إقليميًّا دوليًّا بتحول الحركة المجاهدة للرقم الأصعب في الساحة الأفغانية الذي لا يمكن تجاوزه، بل وتأكيدًا على فشل المراهنة على العمل العسكري الأمريكي والناتو لإخضاع الحركة وجعلها تسير في الركب الغربي وتقبل بوجود حكومة عميلة للاحتلال في بلد معروف بسجله الدموي في دحر القوى الاستعمارية بَدءًا من البريطانيين، ومرورًا بالسوفييت، وأخيرًا -وليس آخرًا- بالأمريكان وحلفائهم.

دحر الاحتلال

وليس أدل على ما ذهبنا إليه من التزامن بين إعلان عدد من الدبلوماسيين الأمريكيين دعم بلادهم لإنشاء مكتب للحركة في العاصمة القطرية “الدوحة” وبين الهجوم الصاروخي الذي شنه مقاتلو الحركة على قاعدة “باجرام” الجوية وخلف أكثر من أربعة قتلى، وهو الهجوم الذي قدم رسالة بأن الحركة -وكما أوضح الناطق باسمها محمد نعيم- قررت المزاوجة بين العمل العسكري، والحوار لدحر الاحتلال، وإسقاط الحكومة العميلة، وإنشاء إمارة أفغانستان الإسلامية، وهي ثوابت أكدتها الحركة طويلاً ولم تتراجع عنها قِيدَ أُنْمُلة حتى بعد إعلان قبولها بمبدأ الحوار مع قوات الاحتلال.

ولم تتوقف تداعيات إعلان بيان الحركة عند هذا الحد، بل ذهب لضرورة استخدام جميع الوسائل المشروعة؛ لإنهاء الاحتلال، مشددًا على ضرورة إطلاق معتقلي الحركة في جوانتامو ولدي أجهزة النظام القائم في كابول، فضلاً عن التشديد على عدم المشاركة في حكومة كرزاي بأي شكل من الأشكال، وهي شروط رأى الكثيرون أنها تعكس تشددًا في نهج الحركة قد يستغلها البعض للتأكيد على أن طالبان غير مستعدة البتة للتراجع عن ثوابتها بشكل يعرقل أية فرص لنجاح الحوار مع الأمريكيين، والذي سيتم بوساطة قطرية، وبمباركة البيت الأبيض الراغب في دعم أية جهود تؤمن خروجًا مشرفًا له من بلاد “البشتون”.

غياب الثقة

بل إن الأمر يتجاوز ذلك؛ فقبول واشنطن باستئناف المفاوضات مع طالبان يعكس نوعًا من الإخفاق والارتباك في المستنقع الأفغاني، فضلاً عن فشل حكومة “كرزاي” في توفير الأمن والاستقرار رغم انسحاب معظم القوات الأمريكية ونقل السلطات الأمنية لأجهزتها، وهو ما يكشف انهيار مستويات الثقة بين إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما وحكومة “كرزاي” مما دعا الدبلوماسيين الأمريكان للإعلان عن الانخراط في مفاوضات مباشرة مع حركة طالبان بدون العودة إليها بشكل أزعج “كرزاي” ودفعه لتجميد مفاوضات ذات طابع أمني مع الأمريكيين لتأمين امتيازات لبقايا قواتهم، بل والإعلان عن أن الاحتلال هو المسئول عن تعقد المشهد الأفغاني، مما يؤكد اقتراب الطلاق البائن بين الطرفين.

محاولات عرقلة


وقد دفع هذا الموقف الغاضب من “كرزاي” الجانب الأمريكي للإعلان عن أن المفاوضات مع طالبان ستتم بمشاركة ممثلين لحكومة كابول التي بدأت في تسمية وفدها للمفاوضات، بل وكلفت مجلس السلام الأفغاني بضرورة تقديم رؤى للحوار مع الحركة، ولكن هذا الموقف أثار تكهنات عن سعي “كرزاي” لوضع العراقيل أمام تحقيق المفاوضات اختراقًا مهمًّا في ظل اعتقاده أنها ستشكل خصمًا من رصيده، وبالتالي لابد من إفشالها أو التدخل لعرقلتها، وهو موقف سيصطدم بإعلان طالبان رفضها لمشاركة حكومة “كرزاي” أو أي ممثلين لها في هذه المفاوضات.

شروط مسبوقة

وتتعدد العراقيل أمام إمكانية نجاح هذه المفاوضات في تحقيق اختراق مهم في مجمل قضايا الوضع الأفغاني الشائكة؛ فمازال الأمريكان يتمسكون بشروطهم السابقة التي منها: ضرورة وقف العمليات العسكرية، وقطع الصلات مع القاعدة، والاعتراف بحكومة “كرزاي” وبالدستور الأفغاني وما يتضمنه من حقوق للمرأة والأقليات، وهي شروط لا يعتقد أن حركة طالبان ستقبلها حاليًّا، لاسيما أنها لم تقبلها في ظل وجود قوات دولية متعددة في البلاد، فما الذي يدفعها إذًا لقبولها في وقت تتهاوى فيه حصون الوجود الأمريكي؛

فالحركة لا تقبل بأي دور للاحتلال في تحديد مستقبل البلاد، وتتمسك بضرورة رحيله من حيث أتى بدون ترتيبات، ولا تعترف بحكومة “كرزاي” ولا بدستور علماني للبلاد لا ينص صراحة على هوية البلاد الإسلامية، وهو ما يشكل عقبة أمام نجاح المفاوضات التي تراها تحديدًا لإجراءات رحيل الاحتلال وحلفائه دون أن يؤسس لأية حقوق أو امتيازات لهم، بل إنها قد تتمسك بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليها قبل نوفمبر عام 2001م، وهو أمر لن تقبله واشنطن؛ فالخروج من بلاد “البشتون” انصياعًا لشروط طالبان يشكل إقرارًا بالهزيمة العسكرية أمام حركة لم تتزحزح قِيد أُنْمُلة عن مواقفها؛ فلم تُبدِ أية إشارة على اعتزامها وقف عملياتها، أو تقليص صلاتها بالقاعدة، ولا اعترافها بالعملية السياسية ولا بالدستور الأفغاني.

فخ الحوار

بل إن طالبان قد طلبت من الوسطاء القطريين التدخل لدى الجانب الأمريكي لإطلاق سراح مئات من أسراها سواء في الأراضي الأفغانية أو معسكر جوانتنامو، وهي شروط قد تستجيب لها واشنطن الراغبة في دمج طالبان في العملية السياسية كمرحلة أولى قبل الشروع في تنفيذ إستراتيجية أوباما الساعية لاستدراج الحركة لفخ الحوار وإغرائها بمميزات القرب من واشنطن والتي قد يكون من بينها: القيام بدور بديل لحكومة “كرزاي” رغبة في حرمان الحركة من رئة التأييد الشعبي وإضعاف شعبيتها بين الأفغان، وهو ما تنبهت له الحركة جيدًا عبر التمسك بالعمل العسكري، وشن هجمات قوية ضد قواعد المحتل بشكل أثَّر على قواعدها داخل الساحة الأفغانية، بل ويسحب من رصيد الأمريكان وحكومة “كرزاي” التي صارت “كارتًا” محروقًا طبقًا لتصورات حلفائها.

تقليم أظافر

ورغم تعقد ووجود شروط وشروط مضادة من جانب طالبان والأمريكان؛ فإن هناك رغبة جادة في الحوار لدي الأمريكيين، خصوصًا بعد فشل الحل العسكري في إخضاع الحركة وتقليم أظافرها، وإخفاق حكومة “كرزاي” في اكتساب أرضية لدى الأفغان بعد استشراء الفساد في صفوفها. لذا فلابد من البحث عن بديل لهذه الحكومة يؤمن خروجًا مشرفًا من الأراضي الأفغانية، عبر حل وسط بين: تصور الإدارة الأمريكية لمستقبل أفغانستان ورؤية الحركة المتمسكة برحيل الاحتلال من حيث أتي، والمدعومة بقوة من باكستان التي سيهيمن الإسلاميون بقيادة رئيس الوزراء “نواز شريف” على مفاصل السلطة بها بعد سنوات من سيطرة “مشرف” و”زرداري” المعروفَينِ بعدائهما لطالبان.

والواقع أن قطار المفاوضات الذي انطلق بين طالبان والأمريكيين لن يحقق نتائج قوية خلال الأشهر القليلة القادمة؛ فتعقد الملفات بين الطرفين سيجعل المفاوضات شاقة وطويلة؛ فطالبان لن تقبل بأي حال من الأحوال دخول بيت “الطاعة الأمريكي” لا سابقًا ولا لاحقًا، وهي تدرك المأزق الشديد الذي تعاني منه واشنطن في ظل رغبتها في خروج آمن ومشرِّف من بلاد الأفغان، والحصول على بعض التسهيلات العسكرية في الأراضي الأفغانية، وهو أمر قد لا توافق عليه طالبان بسهولة، ولن تُلقي بطوق النجاة لواشنطن، ولن تقبل بشروطها للسلام.

حلول وسط

ومن المهم القول بأن المفاوضات التي ستبدأ برعاية وسيط قطري لن تستمر على هذا الحال؛ فمن المؤكد أن أطرافًا إقليمية ستدخل على خط الأزمة وفي مقدمتهم: باكستان والمملكة العربية السعودية؛ لما للطرفين من نفوذ رُوحي وسياسي على حركة طالبان، وهو تدخل سيسعى لإيجاد مساحة مشتركة بين طالبان والأمريكان تدور وَفق مبادئَ مُفادها: أن الحرب على طالبان قد فشلت فشلاً ذريعًا، وأن من الأولى التفاهم مع الحركة، وإقناع طالبان أن الحوار مع المحتل وَفق ترتيبات معينة لا يقدح في صورة الحركة، بل إنه يعد تقليدًا جرى بين قوى الاحتلال والمقاومة لها على مدار عقود طويلة، وإلى أن يُقنع الوسطاءُ الطرفَينِ بالوصول لحلول وسط؛ فإن الساحة الأفغانية تبدو مفتوحة على كل الخيارات.
المصدر: الاسلام الیوم