صارم محمود

أكتب هذه الكلمات ومدامعي تسح مدرارا؛ فيراني أبي ويسألني متعجبًا لماذا هذه المدامع يا فلان، فبما أني أكاتمه أمر الجهاد أحاول أن أجرّ صوب الكلام إلى ناحية أخرى بَيد أن هذه العبرات الساكبة، وهذه الغصة التي خنقتني لاتعرف الكتمان والتخفي، فأقول في نفسي، ومدامعي تترجم لأبي:

يا أبتاه لاتدري على من تسيل هذه المدامع حتى لا أتمالكها ولو أمامك سحّا وتذرافا، ولا تدري يا أبتاه من أجلَسنا على جمر الغضا نتلهب! و لاتدري يا أبتاه من فقدناه ومن افتقد! وإنك لو علمت يا أبتاه لأخالك تتقطع حيازيمك كمدًا له، وتنهمر مدامعك حزنا عليه.

تسيل دموعي على ترجّل فارس، أبيّ، شهم، عاش للجهاد عيشا قلّما رأيت رجلا انقطع للجهاد مثله، ترجل من كان كخالد في جبهتنا، لم يكن يعرف الملل ولايعرف الكسل.

ترجّل القناص الصابر البارحة (٧ من شوال المكرم) ذلك القناص الذي أطار النوم من أجفان المرتزقة فلم يمض ليل إلا وقناصنا كان يقنص رأس مرتزقٍ ، يا ليتك تعرف حال الحرّاس المرتزقين في “خاشرود” الذين أجبرهم الحافظ على أن لايرفعوا رؤوسهم من محرسهم ولو لدقيقة. فكان الليل يمضي كاملا وهم منحني الرأس أذلاء صاغرين،

ويا ليتك كنت تعرف مدى خوفهم وهلعهم من الحافظ حتى وكانوا يربطون الضوء على خشب ويرفعونه من محرسهم خوفا وهلعا، ويا ليتك تسمع صراخاتهم وآهاتهم، يا حافظ! ماذا فعلت بهم حتى بلغ بهم الخوف هذا المبلغ الكبير بحيث لايطبقون أجفانهم ولو لهنيهات يسيرة، ولايخرجون من جحرهم ولا لسويعات قليلة.

ترجل الحافظ وما أدراك ما الحافظ، تعجز الكلمات عن وصفه، وتخونني العبارات، فحسبي أن أقول وأنا مفاجئ في هذه الساعة بهذا الخبر ومأخوذ به:

لم أرَ مجاهدا في ساحة خاشرود، ورودبار، ودك، وشاربرجك إلا وألسنتهم تسيل مدحا له، وتأثرا منه، كيف لا! وهو الذي نسّق في شهر أكثر من ٢٥ عملية وكان يقودها بنفسه هذا ما أثار إعجاب القادة والفائقين في تنسيق العمليات،

ولاعجب في من لايرتبط مع أحدٍ مجاهدا كان أم من سائر الناس إلا قليلا فيما يعني الجهاد؛ تفاديا من ضياع الوقت في ما لايعني الجهاد، وفيمن بنى لنفسه غرفة خاصة في جبهة “عثماني” بحزام خاشرود وهو في دوآمة التخطيط والبرمجة والتنسيق والإغارة، فيوما بزرع لغم، وليلا بقنص مرتزق، وساعة بنصب كمين..

وهذه الكلمات القليلات في هذه الساعة الحرجة بضّ بها قلمي وإلا فلاتكفي مناقبه السجلات.