مسلميار

 

لقد أثبتنا طيلة سنوات الاحتلال الـ 19 الماضية أنّنا لا نهاب الموت، وأنّنا سلائل الفاتحين. وأثبتنا أنّنا لم نُضِعْ إِرث الجدود، ولم نفقد عزّة الإسلام، وأنّه لايزال يسري في عروقنا دم الأجداد، ولا تزال تنبض في قلوبنا عزائمهم، وأرينا الدنيا كلها أنّ استماتة المحق تغلب قوّة المبطل، حين قاومنا الأمريكان وأذنابهم وأشياعهم لمّا وطأت أقدامهم النّجسة بلادنا، وإن كانوا في الحرب نعامًا تُحسن الفرّ لا أسودًا تجيد الكرّ كبني الأفغان. وكانت هذه المقاومة المقدّسة خلقًا في طبع كل أبيّ شريف، ولا يكون من يفقدها أبيًّا ولا شريفًا، لا يكون إلا كلبًا، بل إنّ الكلب يحارب دون وجاره، وكل حيوان حيّ يدافع عن ذماره، فهل تريدون أنْ نكون أقل من الكلب أو أي حيوان آخر؟

لا أدري لماذا لا تدركون أيها الأمريكان ما هي قوانا، ألأنكم لا تعرفون إلا المادّة؟ أو ربما لأنكم تتجاهلون أخبار فتوحاتنا أمام الإنكليز والسوفييت، أو ربما لأنكم تحسبون قضية الأفغان وجهادهم كقضية سرقة في شيكاغو، تدخلون بالرشاشات فتنهبون المخزن؛ كلا ورب القدس لن تكون للنّصارى واليهود دولة على ثرى وطننا الحبيب، حتى لا يبقى في هذه البلاد كلها حي يمشي، بل سترون أبناء الأفغان يسيرون إليكم جميعًا يقاتلونكم، إن عجزوا عن السلاح فبأيديهم وصدورهم، يستنزلون غضب الله عليكم، فأبيدوهم يومئذ بقنابلكم الذرية، فإنّ قنابلكم الأخرى كالقنابل الهيدروجينية وأم القنابل فشلت في إيقاف المقاومة الشعبية في بلادنا. وإذا مُحيت الإنسانية من الأرض، واستبيح شعبنا المسلم، فإذن ستنبت الأرض التي تسقيها دماؤهم أمّة جديدة تقاتلكم دون أرضها وعرضها وشرفها وبيضتها.

ويلكم إنّ الله معنا وإننا مع الله نستعين به عليكم، والله أكبر منكم، هذا نشيدنا الذي يهوّن علينا كل خطر، ويُصغّر كل عدوّ مهما تكبّر وتجبّر: الله أكبر.

إنّنا نطلب الموت، نطرق بابه، وهذا ما علمنا إياه ديننا أن نستوهب الحياة بطلب الموت، قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].

ذكَّر عز وجل المسلمين في هذه الآية بأن ما عسى أن يلاقوه من آلام الحروب، يلاقي خصومهم مثلها، فكأنَّه يقول لهم: لا ينبغي أن يكون خصومكم، وهم أشياع الباطل، أصبر على الآلام، وأثبت في مواقف الأخطار منكم، وأنتم حماة الحق، والدعاة إلى الخير، ولا سيما حماة ودعاة يرجون من نصر الله، وجزيل مثوبته، ما لا يرجوه أعداؤهم، الغاوون المفسدون.

ربَّى الإسلام بهذه الآية خلق الشجاعة في النفوس، فأخرج أمة لا تهاب الخطوب، وترى الموت في سبيل إعلاء كلمة الحق، أو الاحتفاظ بالكرامة، خيراً من ألف حياة يقضيها صاحبها في هوان، أو في مشاهدة الباطل يمشي في الأرض مرحاً. وكان أولئك الذين ربَّاهم الإسلام، وبثَّ فيهم روح البطولة، يتشوَّقون إلى الإقدام، وينطقون في هذا الشأن بحكمة بالغة.

انظروا إلى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في وصيته لخالد بن الوليد: (احرص على الموت توهب لك الحياة). يريد بهذا حثَّه على اقتحام مواقع القتال، والخوض في غمراتها خوض من ينشد الموت. والحياة العزيزة والفزع من الموت لا يلتقيان بأرض، حتى يلتقي البصر والعمى في عين واحدة. ومما ينظر إلى معنى حكمة الصديق: قول الحصين بن الحمام:

 

تأخَّرتُ أستبقي الحياةَ فلم أجدْ *** لنفسي حياةً مثلَ أنْ أتقدَّما

 

وحبّب إلينا نبيّنا الشهادة، نلحقها إذا هربت منا، ونفتّش عنها إذا ضلّت عنّا، فبماذا تخيفون أمّة تريد الموت؟