أ. خليل وصيل

 

بموجب إتفاقية إنهاء الاحتلال؛ تم الإفراج عن خمسة آلاف أسير من سجون عملاء المحتلين، وقد تعهد هؤلاء الأسرى بأنهم لن يعودوا إلى جبهات القتال، وبالتزامن مع خروجهم من السجن أمرتهم الإمارة الإسلامية بالبقاء في البيوت وتلقي العلاج من الأمراض التي تعرضوا لها أثناء مرحلة اعتقالهم، حيث مروا بظروف صعبة ولحقتهم عاهات خطيرة.

إن أسرانا البواسل التزموا بهذا الأمر، ولم يشاركوا في الجهاد المسلح، رغم جذوة الجهاد المتقدة في صدورهم وأمواج من الأشواق المتلاطمة بين الأضلع.

ولا يعني هذا أن أبطالنا تخلوا عن الجهاد في سبيل الله أو ملوا من تقديم التضحيات لدين الله. كلا، فلا زالوا أقوياء أشداء تغلي صدورهم كغلي المرجل، ولكنه الوفاء بالعهد وطاعة لأولي الأمر.

إن مجاهدي الإمارة الإسلامية ليسوا مقاتلين جامحين لا يعرفون إلا القتال ولا مهووسين بسفك الدماء، بل إنهم مقاتلون منضبطون ملتزمون بالشريعة الغراء، يجلبون المصالح لشعبهم وأمتهم ويدرؤون المفاسد عنها ويميزون المصلحة الحقيقية من المصلحة الوهمية.

إن لأسرانا البواسل أسوة حسنة في سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله في وفائه وحفظ عهده مع المشركين، حيث يقول رضي الله عنه: (ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حُسيل، فأخذنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمداً، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه الخبر، فقال: (انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم) رواه مسلم، وفي رواية الحاكم قال حذيفة رضي الله عنه: (فذاك الذي منعنا أن نشهد بدراً).

فعلى الرغم من قلّة عدد المسلمين، ورغبة سيدنا حذيفة وأبيه في الجهاد وطمعهما في الشّهادة في سبيل الله، ولكنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ردهما ولم يأخذهما معه للقتال؛ لعهد قد عاهدا به قريشاً.

قال النووي رحمه الله: وأما قضية حذيفة وأبيه فإن الكفار استحلفوهما لا يقاتلان مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء، وهذا ليس للإيجاب، فإنه لا يجب الوفاء بترك الجهاد مع الإمام ونائبه، ولكن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يشيع عن أصحابه نقض العهد”. وقال القاضي عياض: “فيه: وجوب الوفاء بالعهد وإن كان مُكْرَهَاً”.

وهذه هي الأخلاق السامية والسمات البارزة التي اتسم بها المسلمون، وتُعدُّ من مفاخر أخلاقيات الحروب في تاريخ الإنسانية، فلم ير المؤرخون في تاريخ الحروب على مر التاريخ موقفاً يُشابه هذا الموقف النبوي في الوفاء وحفظ العهد مع الأعداء، برغم ما يعلو هذا العهد من شبهة الإكراه والخوف الذي جعل حذيفة رضي الله عنه يوافق عليه.

فأسرانا الأبطال اقتدوا بالصحابي الجليل “حذيفة” رضي الله عنه ولم يرجعوا إلى ساحات الجهاد ولم يشاركوا في الغزوات، بل صاروا يعيشون الحياة العادية.

وأما الأعداء فنقضوا عهدهم بخصوص الأسرى المفرج عنهم، فقاموا باغتيال البعض منهم، وبمداهمة منازلهم وخطفهم والزج بهم مرة أخرى في غياهب السجون، وإضافة إلى ذلك صاروا يروجون لكذبة مفادها بأن الأسرى المجاهدين لم يلتزموا بالعهد وعادوا إلى جبهات القتال، وتولى كبرها العميل “أمر الله صالح”، فدائما ما يظهر في وسائل الإعلام ويبث سمومه وفحيحه ضد الأسرى المستضعفين، وتبدو البغضاء من فيه وما يخفي صدره أكبر.

هذا الرجل دائما يحاول صب الزيت على نار الحرب، ويصرّ على استمرار الحرب في أفغانستان، ويضع العقبات والعراقيل في عملية إطلاق سراح الأسرى، فأحيانا يدعي زورا وبهتانا بأن الأسرى المفرج عنهم عادوا من جديد إلى ساحات القتال، وأحيانا يحرض على الإعدام الجماعي للأسرى المظلومين.

وبسبب مواقفه المعادية للسلام الأفغاني وتاريخه الطويل في معاداة الشعب الأفغاني؛ تقرّب في الآونة الأخيرة إلى العميل “أشرف غاني” وعين نائبا أول له، مع ما كان بينهما من الشقاق والخلاف العميق.

وللأسف الشديد بعض وسائل الإعلام تلوك هذه الشائعات وتروج هذه الأكاذيب بكل وقاحة وسفاهة، ولا تلتزم بالمصداقية في نقل الأخبار.

وعلى أساس اتفاقية الدوحة كان يجب أن يتم إطلاق سراح جميع المعتقلين حتى الآن ولكن هناك خروقات متعمدة من قبل الأمريكيين للإتفاقية، مما يعكس عدم جديتهم في تنفيذ إتفاق الدوحة.

وإن كان هؤلاء يريدون السلام فيجب إطلاق سراح سائر المعتقلين والذين لازالوا يقبعون وراء زنازين سجون الاحتلال وعملائهم، كما يجب كبح جماح أعداء السلام فورا، ليتوقفوا عن بث الدعايات والأكاذيب التي تؤدي إلى إضعاف وفشل عملية السلام، فهذه فرصة نادرة للسلام يجب اغتنامها، والفرص لا تتكرر.