صارم محمود

 

وصلتُ بداية شهر صفر المظفر سنة ١٤٤٢هـ إلى مديرية “قلعه كاه”، وهي من المديريات المترامية الجوانب في ولاية فراه، وإن لم تكن المديرية الأكبر، فهي تعدّ من أكبر مديرياتها.

تتشكل مديرية “قلعه كاه” من مديريتين في نفسها وهما مديرية خلف الجبل (پشت کوه) ومدیرية صفع الجبل (شيب كوه)، أما الأخيرة فهي محرَّرة تماما، وأما مديرية خلف الجبل (پشت کوه) فهي لا يزال مركز مديريتها خاضعاً للعدوّ، رُغم أنّ المجاهدين بذلوا أقصى ما في وسعهم من السعي لتحرير هذه النقطة المحتلّة العصية عن الفتح، وأثمرت جهودهم إلى حدٍ (وأنّ سعيه سوف يرى)؛ فمرّة حفروا مساحة طويلة لتكون خنادق خفية لتلغيم النقطة الأمنية لكن انكشفت خطتهم وبقيت الخنادق مثوبة لهم عندالله وذخرا، ومرّة أخرى ضربوا حصارا على مركز المديرية أو ما نسمّيه بالحزام الدفاعي، وسدّوا بهذا الحصار معظم طرق إيصال الموادّ الغذائية والحاجيات الأخرى إلى العدوّ، إلى أن ضاق عساكر الحكومة ذرعا من المجاعة، وحتى كان بعض العساكر يخرجون من قواعدهم الأمنية فرارا من الجوع، لكنّهم كانوا يفرّون من المطر ويقعون تحت الميزاب، وبعضهم بل معظمهم كانوا مدمنين وما كانوا يطيقون صبرا عن المخدّرات في ثكناتهم؛ لذلك كانت هذه المدّة أياما شدادا غلاظا، وساعات عصيبة عليهم، وكأنهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة.

لكن كان في ضرب الحصار إضرار كبير بأموال النّاس وأمتعتهم ومساكنهم، فبعد ما ضُرب الحصار بقيت متاجر النّاس معركة لاشتعال الحرب، ممّا أدّى إلى ضياع قسط كبير من متاع النّاس، ولذلك قام المجاهدون برفع الحصار حفاظا على أموال النّاس وأمتعتهم، وبقي مركز مديرية خلف الجبال (پشت کوه) محتلّة في يد العدوّ إلى يوم شاءه الله وقدره.

وأما القرية الأخرى المتبقية التي لم تُحرَّر تماما بعد، هي قرية “حسن آباد” التي تقع على الجانب الحدودي من المديرية، والتي يقطنها قوم “بامري” وهم ينتمون إلى قومية البلوش؛ فهولاء لا يعرف صالحهم من طالحهم، ولا عميلهم من صالحهم المحايد، وليس معظم قاطني هذه القرية موظفين للدولة العميلة، لكن فيهم مليشيات وحشية وهم على جانب كبير من الحقد والبغضاء لللمجاهدين، وقد وقعت معهم اشتباكات كثيرة، وسقط في هذه الاشتباكات من الفريقين قتلى وجرحى.

إنّ الإمارة الإسلامية بصفتها المسؤولة عن صيانة الدماء المعصومة أمهلت هؤلاء البامريين منذ سنتين ليستسلموا، ويخضعوا لأمر الشريعة، ويتركوا العمالة والعمل لإدارة كابول الفاسدة أو يسلموا سراة الحرب ومليشات العدوّ، إلى أن جاء مؤخرا وفد من الإمارة الإسلامية كسفراء ليبلغوا لهم رسالتها الأخيرة، وقاموا في مسجدهم الجامع يوم الجمعة خطباء وناصحين؛ لكنّهم بيّتوا لهم شرّا، فبعدما انصرف الناس من صلاة الجمعة، باغتوا المجاهدين بفتح النّار عليهم، وبعد اشتباك غير طويل، أصيب مسؤول الدعوة والإرشاد الشيخ السيد محمد آغا (المشهور بالفاروق آغا) بطلقة في ظهره، فسقط شهيدا تقبله الله. فصارت بعد هذا اليوم وبعد هذا الحادث المؤلم قضية قوم “بامري” أكثر تعقيدا.

وأمّا عن مجاهدي قلعه كاه: فأول من قام مجاهدا في هذه المناطق، وأخذ السلاح هو الشيخ الشهيد السيد جاويد تقبله الله، وكان مشهورا بالشجاعة والمصابرة، بدأ الجهاد يوم كان مجرّد النطق باسم المجاهد جريمة لا تغتفر، فثبت وصابر، وجاهدا سرّا، ثمّ جهرا إلى أن اجتمع تحت لوائه عدد من المجاهدين. وبعدما قضى الشهيد السيد جاويد تقبله الله نحبه في هذه المديرية، أخذ لواءه ابن أخته الشهيد السيد منصور آغا، وكان الشيخ الشهيد آيةً في الزهد وأمثولة في التوكّل على الله، وكان قائدا مثاليا بل جنرالا فذا في ثرى الأفغان، وقد فُتح معظم مديرية قلعه‌کاه بشقيها (خلف الجبل- وصفع الجبل) وصارت تحت إمرته. ويوم كان مسؤولا عن مديرية “أناردره” تهاوت بأركانها في أيدي المجاهدين. وبعدها جاءت مأساة “أناردره” المؤلمة التي  استشهد فيها جمع كثير من المجاهدين إثر قصف كثيف من الطائرات الأمريكية بما فيهم الشيخ الشهيد “منصور آغا” تقبلهم الله جميعا.

 

في الحقيقة كنت مشتاقا من زمنٍ ليكون لي رحلة جهادية إلى هذه المناطق؛ ولمحبّتي لمديرية “قلعه كاه” خلفية تعود إلى استشهاد الأخ المهاجر بنيامين (عبد القدوس) تقبله الله الذي أحببته حبّا قلّما اتفق أن أحبّ شهيدا مثله، والغريب أنّني ما رأيت الشهيد إلّا قبل عشر سنوات، وكان تعرّفي به تعرّفا عابرا، وكلما أثير ركام الماضي، عاصرا مخّي لأنتشل منها ذكرى تذكّرني بالشهيدَ لا أعثر إلا على حادث واحدٍ، ثمّ تجتمع صور مبعثرة من شخصيته في الذاكرة، لكن هذا الحبّ العميق، وهذا الإعحاب الكبير بشخصية الشهيد بالنسبة إلى هذا التعرّف العابر أمر مثير للعجب في نفس الكاتب، ربّما يعود هذا الحبّ العميق إلى المعرفة التي حصلت عليها بعد شهادته من لسان الإخوة وإعجابهم الكبير بشخصية الشهيد، وتأثرهم به، وحبّهم له؛ فكلما قارنت حياة الشهيد قبل أيام جهاده – مع قلة معرفتي به – وحياته بعد جهاده؛ أقف مندهشاً ممّا يصنع الجهاد بالرجل، كيف لا! وقد ترى طالبا عاديا ربّما لا يقام له وزن في المدارس الدينية، ولا يعقد عليه أمل؛ كأنّه كلّ على عاتق المدرسة يثقل عليها، ثمّ تراه بعد التحاقه بميدان الجهاد يتحوّل إلى إنسان صالح، ومجاهد مفكر، وإلى داعي ملتهب يحمل لأمته في قلبه هموما كالجبال، وإلى رجل نشيط ذي حماسة وعزيمة، يترك للجهاد وأهله خدمة تاريخية طويلة المدى والأثر، ويبقى غرّة في جبين التاريخ، ومنارا للمدلجين من أبناء الأمّة في دياجير الظلام، ورمزا للحرّية والشرف، وتاريخا للعزة والكرامة.