غلام الله الهلمندي

 

ذات يوم جمع حكيم أولاده جميعًا حتى يعلّمهم درسًا في الحياة، قال لهم ائتوني بحزمة من الحطب، فلما أتوا بالحطب، قسمها عليهم، وأعطى كل واحد منهم عودًا من الحطب، وطلب منهم أن يكسروا هذه الأعواد منفردة، كسروها بسهولة ودون تعب، ثم جمع الحطب، وجعلها فى حزمة واحدة، وطلب من كل واحد منهم أن يقوم بكسر الأعواد مجتمعة، فلم يستطيعوا كسرها رغم أنهم بذلوا كل ما يملكون من الجهد والقوة. قال الأب: “قد رأيتم يا أولادي أن في الاتحاد قوةً، وفي الفرقة ضعف” إنها قصة قصيرة، لكنها تحمل في طياتها درسا عظيما وعبرة قيمة، وهي أن الوحدة قوة وانتصار وأن الفرقة ضعف وفشل.

 

كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى *** خطب ولا تتفرقوا آحاداً

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً *** وإذا افترقن تكسرت أفراداً

 

هذه حکمة عظيمة في الحياة، والإمارة الإسلامية -لحسن الحظ- قد أحسنت الاستفادة منها في مشوارها الطويل المفعم بالتضحيات الجسام والأحداث العظام. إن الإمارة الإسلامية منذ أن أبصرت النور تتمتع -والحمد لله- بوحدة فكرية شاملة داخل صفوفها بفضل ما يملكه جنودها وقادتها وساستها وصحفيوها سواء بسواء من روح البذل والعطاء والصدق والإخلاص نحو مبادئهم وقيمهم وأهدافهم، وبفضل ما يؤمنون به من مبدأ عظيم ثمين، وهو مبدأ السمع والطاعة لقيادتهم في السراء والضراء، والسلم والحرب، والمنشط والمكره، وبفضل ما يعتقدونه في أن من خالف أوامر قيادته فقد ارتكب كبيرة، إنهم يرون في طاعة القيادة امتثالٌ لأوامر الله تعالى وامتثال للهدي النبوي الشريف: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” ( النساء، الآية: 59)

استطاع رجل واحد (هو الملا عمر رحمه الله) توحيد الصفوف بطريقة سحرية، استطاع توحيد الكلمة، توحيد المعسكر، استطاع أن يوحد الصفوف، وكأنها أسرة واحدة، استطاع ذلك رجل لم يدرس في الكليات، ولم يتخرج من الجامعات والمعاهد، مهلا… وهل تستطيع الجامعات والمعاهد إعداد وإنتاج مثل هؤلاء العظماء العمالقة الذين يتباهى بهم التاريخ؟

لقد تخرّج -رحمه الله- من مدرسة الإيمان والضمير والمبادئ، لم يربّه أساتذة الجامعات ودكاترة المعاهد هذه التربيةَ الإيمانية المثالية، بل ربّاه الإيمان، ربّته العقيدة والأخلاق التي تعلَّمها ويتعلَّمها الشباب الأفغان في أحضان الأمهات الصالحات. استطاع تحقيق كلَ ذلك رجل ذكر ربه وذكر اليوم الآخر، وذكر الجنة ومرضاة ربه، ونسي أو تناسى نفسه ومصالحه وحاجاته الشخصية والأسرية والقبلية، استطاع بسط الأمن والسلام، ونشر الحب والإخاء والوئام. وهل يستطيع أحد من الزعماء المعاصرين أن يعيش مثل حياته؟ أن يعيش من غير سيارة فاخرة ومنزل فخم وراتب ضخم؟

كلمة واحدة، راية واحدة، قيادة واحدة، سياسة واحدة، إرادة واحدة، غاية واحدة، ومنهج واحد، جميعهم جنودا وزعماء متفقون على رأي واحد في كل شيء، سواء في شؤون الداخل أم في شؤون الخارج، إذا ضربوا ضربوا بيد واحدة، وإذا رموا رموا عن قوس واحدة، “كأنهم بنيان مرصوص” وهذا أسلوبهم في الحياة، منذ نهوضهم وتأسيس إمارتهم، وهل تهز عاصفة (وإن كانت عاتية) هؤلاء الرجال العمالقة وإن شئت فقل هذه الجبال الشامخات؟

إنهم يدركون جيدا أن الانتصار لا يتحقق إلا إذا كانوا على قلب رجل واحد مخلص مؤمن حريص على الخير، الانتصار يقتضي ذلك أبدا، والفئة الغالبة دوما هي الفئة التي تتوحد في كل شيء، فإن يد الله مع الجماعة، وكل هذا الانتصار الذي حققناه خلال معركتنا ضد الولايات المتحدة وحلفائها وعملائها من ثمار هذا الوحدة المثالية. بفضل هذه الوحدة صمدنا هذا الصمودَ ولم نستسلم للرقاد والهزيمة، قد رأى العالَم بأسره بعينيه الإثنتين أننا مرّغنا أنوف الأعداء بعون الله ثم بعون وحدتنا وإيماننا بنصر الله وثقتنا بأنفسنا.

إنهم ينبذون كل ما يؤدي إلى الفرقة التي تؤدي إلى الفشل في كل ميدان، وينبذون كل ما يؤدي إلى الخلاف الذي يصب في الاتجاه المعاكس،  ويَعدّون ذلك عبادة يعبدون الله بها، فإنها طاعة، قد أمرهم الله بها، يضحون بمصالحهم الشخصية لمصالح الشريعة والوطن والشعب. هنا في هذه الإمارة المباركة لا سادة ولا عبيد، كلهم سواسية، كلهم أحرار، ليس لديهم فوارق اجتماعية، فهم قد قضوا على الفوارق الاجتماعية التي يفتعلها الاحتلال كالعادة لصالحه، تجمعهم المحبة ويجمعهم الإخاء، وترفعهم راية الإسلام التي ترفرف فوق رؤوسهم، وسوف ترفرف فوق أبواب كابل بإذن الله.

كم تآمر إعلام العدو المفبرك، وكم حاك المكائد، وكم نفث السموم، وكم ادعى الأكاذيب والأباطيل، وكم اجتهد ليُقنع الرأي العام بأن هناك اختلافا في صفوف الإمارة، ولكنه بفضل الله فشل كل الفشل. كم حاول الأعداء أن يفتتوا هذه الوحدة، ولكن دون جدوى، خابت مساعيهم وتحطمت آمالهم على صخرة “الوحدة الطالبانية” الوحدة التي صارت مضرب الأمثال، يتباهى بها الصديق ويعترف بها العدو في قرارة قلبه وإن أبى أن يعلنها.

لم يستطع الجبناء العملاء شق عصانا ولكنهم لم يجلسوا مكتوفي الأيدي، وإنما يخططون ويبرمجون ولا يتعبون، يستخدمون كل وسيلة باطلة لإحداث الخلاف بيننا، مثلا يستأجرون بين الحين والآخر رجلا مجهول الهوية ويُملون عليه بأن يعلن انفصاله عن الإمارة، كأنه كان من جنود الإمارة وانفصل عنها بسبب تصرفات الإمارة؛ بينما الرجل في الحقيقة لم يقاتل يوما تحت راية الإمارة، ولا يعرفه أحد.

وهل تقدر قوةٌ في العالَم أن تهزم رجالا يؤمنون بوحدة الصف كأصل من أصول دينهم؟ رجالا يلتزمون بالوحدة إيمانا واحتسابا؟ ويعتبرون الخلاف نفاقا وشقاقا؟ رجالا يفدون قيادتهم بالأرواح والأجساد؟ كلا… وهل تقدر إدارة عميلة تعاني من خلافات شخصية وخصومات مستمرة منذ أن أتت على ظهر الدبابات الأميركية هل تقدر هذه الإدارة على الصمودَ في وجه إمارة عملاقة ظهرت من أول يومها كجبهة موحدة أو كتيار جارف سريع اکتسح كل ما في طريقه من الفاسدين، ويكتسح الآن كل ما في طريقه من الخونة العملاء الذين باعوا دينهم ووطنهم؟ وهل ينطفئ نور الله بأفواههم؟