أبو يحيى البلوشي

 

إن الله تعالى إذا أراد أن يهدي عبدا ويوفِّقه لخدمات جليلة، لا ينظر إلى جسمه ولا يلتفت إلى صورته، بل ينظر إلى قلبه هل توجد فيه نفحات من الإيمان والعاطفة الدينية، وهل يصلح لأن يكون منبعا للهداية ومَحطّا لأنوار الله تعالى، ليُقلِّبه من الشرّ إلى الخير، ومن الضلالة إلى الهداية، ويصقل قلبه من ظلمات المعاصي ليملأه بالنور ويشرح صدره للإسلام ويصرفه عن حبّ الدنيا وعن حبّ المادية والمال، ويوجِّه قلبه إليه وإلى فعل الخيرات والتجافي عن الشهوات.

فإن القلوب بين إصبعي الرحمن؛ يقلِّب قلب من شاء ومتى شاء، يقلِّبه من الخير إلى الشر، أو بالعكس؛ من الشر إلى الخير. وفي حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في حديث طويل في آخره: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ».. إلى آخر الحديث.

فمدار تقليب القلوب من الشر إلى الخير صفاءها ونقاءها من الدنس المعنوي، وميلها إلى الهداية،‌ وإنابتها نحو الحق، وبحثها عن الخير، يقول الله تعالى فيما يتعلّق بهذا: {ويهدي إليه من ينيب} الآية.

يقول الشاعر الفارسي:

دل اگر پاک بود جلوه گهِ نور خداست

سینهٔ پاک‌دلان آینهٔ دوست نماست

ومعناه: لو خلا القلب (من الدنس المعنوي) فيكون مظهر أنوار الله تعالى، وإن صدور أصحاب القلوب النقية مرآة ترِي المحبوب فيها.

 

الشهيد الأبي الذي أريد أن أذكر نفحات من حياته الإيمانية؛ النابضة بالغيرة للشريعة، شابٌّ نشأ كأترابه من بني جلدته على اللامبالاة والانحراف الفكري والبُعد عن الدين إلى حدٍّ ما، ولكن الرحمن هداه إلى سبيله وحوّل قلبه وغيّر حياته ظهرا للبطن، فملأ فؤاده إيمانا وشجاعة وزوّده غيرة على الشريعة وجعله من المنافحين للإسلام بلسانه ودعوته وبماله ونفسه.

أريد أن أكتب كلمات منكسرة من صفحة القلب على صفحة الورق عن بطل غيور، دافع عن الشريعة الغراء وهو بين أهله وعشيرته، ثم بذل في الذود عنها؛ النفس والنفيس والغالي والرخيص‌ و أبدى ضُروباً من البسالة والشجاعة النادرة.

الشهيد الغيور؛ (خير الدين) وُلد بدار الهجرة سنة 1371ھ‌ش في أحضان أسرة قائمة على حدود الله، عاملة بالفرائض والواجبات، متّقية المعاصي، ولكن الشهيد نشأ كأحد أقرانه، يعيش عيشة بلا هدف ويتخبط هنا وهناك خبط عشواء، لقد درس سنوات قليلة وهو يجهل هدفه من العيش، ولأيّ غرض ومهمّة تمّ خلقه في هذه المعمورة. ولكنه مع ذلك، كان يراعي حدود الله ويراقب الفرائض ولا يترك الصلوات والصيام خلاف كثير من أترابه.

 

هاجرت أسرة الشهيد إلى دار الهجرة، وقرّرت المقام هناك، فبعُد الشهيد عن أصدقائه وأحبابه، ولكن قضى الله أن ينشأ الشهيد منذ صغره على البطولة والشدة، وأن يتربى على الفروسية وركوب الأهوال ومعاملة أنواع الناس. فعندما كان عمر الشهيد 16 عامًا، اعتقل أبوه، فخلّف من بعده أسرته الكبيرة وكان الشهيد -رحمه الله- يعدّ كبير الأسرة، فشمّر عن ساعد الجد والجهد ليملأ فراغ الوالد، فهاجر إلى البلدان الكبيرة الصناعية، وبدأ يعمل في معامل مختلفة ليسدّ رمق الأسرة ويكف بأس الفقر عنهم، ويخطو خطو أبيه في رعاية الأسرة، فكان الشهيد يقضي عشرة أشهر من السنة في العمل، ويرجع شهرًا أو شهرين إلى أهله. وهكذا صار الشهيد شابّا جلدا يكافح الشدائد ويجالد مصاعب الحياة.

رجع الشهيد بعد وفاة أبيه بصحبة أهله إلى مسقط رأسه، ومع الأسف رجع إلى أصدقائه وصحبتهم مرة أخرى وعاد إلى حياته الأولى من جديد، إلى حياة تتسّم باللامبالاة لحدود الدين ومملوءة بالبذخ والترف، فكان يعيش بلا هدف ويتسكّع في الشوارع والسكك هو وأصدقاؤه وقضى أربع سنوات من عمره إلى سنة ۹۵ في ظلام حالك.

أما نقطة الانعطاف في حياة شهيدنا البطل إلى طريق الهداية؛ أنه وقعت له ولأصدقائه حادثة أجبرتهم على الفرار من المنطقة إلى منطقة أبعد، فأراد الله أن يعيش حقبة من الزمن وحيدا بعيدا عن الأهل، طريدا من جانب العشيرة ليفكر في حياته وأحواله، فما لبث أن حلّ الله المشكلة وأنعم بالفرج فرجع الشهيد وأعلن توبته بين أصدقائه وقال: إني تبت إلى الله وسأقوم برحلة دعوية مع “جماعة التبليغ” لمدة أربعة شهور.

هذه الحادثة كانت نقطة تحوُّل لحياة الشهيد ونفسيته وأهدافه، وهكذا يأتي الله بمشكلة في حياة الإنسان ليغفر ذنوبه أو يجزل أجره، أو يُذكِّره للرجوع إلى حق.

ففي أول رحلة للشهيد مع جماعة التبليغ، بدأ يناجي ربه ويعبده ويتضرع إليه، ويذرف دموعا غزيرة لذنوبه التي ارتكبها، فبعد مدة قضاه في هذا الطريق، صار قلبه مترعا بالحبّ الإلهي والخوف الذي يقربه لحضرته تعالى، وأصبح لسانه يلهج بالذكر والثناء دائما، وكان في حِلٍّ وترحال إلى التبليغ ويدعو أصدقاءه لمرافقته في طريق الدعوة، حتى هدى الله بسببه اثني عشر شخصاً من أصدقائه.

فحباه الله بعد الالتحاق بجماعة الدعوة والتبليغ، صفات جميلة وعادات طيبة، وأنزل عليه رحماته وعلى حياته بركاتَه، حيث تجدّد إيمانه وصار من المنافحين عن الشريعة قولا وعملا، ومن العاملين لها، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

أما النعمة الكبيرة التي وهبه الرحمن إياها، فأكمل بها إيمانه؛ هي الزوجة المؤمنة، الغيورة على الإسلام والغزيرة بالحمية للشريعة كالشهيد نفسه، والزوجة الصالحة (كما يشير النبي صلى الله عليه وسلم) نعمة عظيمة يهبها الرحمن لكل مؤمن وقّافٍ عند الشريعة وعند حدود الرحمن، ومن نموذج حمية هذه المرأة المؤمنة، أنها في الزمن الذي كان فيه الشهيد يتألم من ضنك العيش وقلة المال، هيّئت للشهيد مالاً ينفقه في سبيل الجهاد، وصارت بعد استشهاده أمّاً حنونا و مربّية لبنت الشهيد.

 

الشهيد يدخل ساحة الجهاد

بدأت حياة الشهيد الجهادية إثر مجزرة وقعت في ميانمار، حيث أشعلت أنباءها عاطفة الشهيد وأصدقاءه، وأثارت حفيظتهم وأجبرتهم أن يقلّبوا حياتهم من «الدعوة» إلى «الجهاد»، وأن يرحلوا من الزمن المكي إلى المدني (إن صحّ التعبير)، فلنسمع القصة من رفيق الدرب للشهيد:

ظهيرة يوم من الأيام اتصل بي أحد أصدقائي الذين هداهم الله بفضل دعوة الشهيد خيرالدين وسعيه الحثيث، فطلب منّي أن ألاقيهم في أسرع وقت ممكن‌. خرجتُ من البيت مسرعا صوب مكان الالتقاء، فرأيت بعض الأصدقاء يظهر في وجوههم الحزن، وتبدو منها الكآبة، فما لبثت قليلاً إلا وبدأ أحدهم يتكلّم عن “ميانمار” بحماسة ويقول: هناك في “روهينغيا” تُقتل نساء المسلمين وأطفالهم، ويشرَّد المسلمون ويذبَّحون على مرأى من أهلهم، فمالنا قعدنا عن نصرتهم وجلسنا ننتظر النصر ينزل من السماء؟! ومالنا لا نقوم إلى الجهاد في سبيل مبادئنا وقيَمنا، فأيّدتُ كلامه وبدأنا نتكلم عن الطريق الذي يوصلنا إلى “ميانمار”، فأشرت إلى الإخوة بأنّ خيرالدين (شعيب) ربما يحلّ المشكلة ويساعدنا في الأمر، وربما يلتحق بنا في هذا الأمر العظيم.

اتصلتُ بشعيب وطلبته، فجاء شعيب، وتكلم صديقنا معه عن مجازر تقع للمسلمين في روهينغيا، فاضطرمت جذوة الإيمان في قلب صديقي الشهيد، وقال: سأتكلم مع أحد أصدقائي ليمهّد لنا الطريق للذهاب إلى ميانمار، فقرّرنا أن نلتقي معا بعد أيام لنتشاور في الأمر أكثر.

بدأ الشهيد يشاور أحد أصدقائه الذين لهم صلة بالمجاهدين في أفغانستان، فبعد مشورة طويلة وبحث عميق، آل أمرهم إلى قرار آخر، وأجمعوا بأن الطريق إلى ميانمار شاقّ بعيد، ولا يتمكّنون من السير إليها، لكن أفغانستان أقرب ميدان لأداء هذه الفريضة المباركة، فريضة الجهاد، والطريق إليها سهل جدا.

فاجتمع الإخوة يوم قرارهم، وعرض الشهيد النتيجة، فتشاوروا وقرّروا الذهاب إلى أفغانستان، وأن يجتمعوا صباح يوم معين في مكان خاص.

يواصل صديق الشهيد ويقول: جئت إلى المكان المعين، فما رأيت أحدا من أصدقائي، فاتصلت بشعيب، وهو كان أحب الأصدقاء عندي، فقلت له: لم يأت أحد، لكن تعال لنذهب نحن، ولكن الشهيد أبى أن يذهب فيئستُ أنا ورجعت إلى البيت.

بعد هذه القصة بأيام، فقدتُ الشهيد وصرت أبحث عنه،  راجعت إخوانه فأجابوني بأن الشهيد كعادته ذهب إلى بلد من البلدان للعمل، فكنت أتصل به بين آونة وأخرى لكن جواله كان مغلقا، حينها تيقّنت بأنه رحل إلى الجهاد في سبيل الله.

مضت على هذه الواقعة أربعة شهور، إذ رأيته ليلة في مسجد من المساجد فشعرت بالهيبة، ورأيت في وجهه هيبة المجاهد فقلت له: شعيب! أين كنت يا أخي، قال ذهبت للعمل، فأجبته وقلت: أخي! والله هذه الهيبة هيبة مجاهد في سبيل الله، فأشار إلي بأن “اصمت”.

ثم تنحّيت معه جانباً، فحكى لي قصة التحاقه بركب المجاهدين، وأضاف قائلا: إنّ الجهاد فرض عين وللمجاهد كذا من الأجر، ولو قتل له الجنة وكذا من النعم والثواب.

فما لبثت أيام قليلة إلا وأرسلني إلى ميدان الجهاد، وبقيت هناك أربعة شهور حتى جاء الشهيد البطل أيضا في حين قد حان فيه موعد إيابي إلى البيت.

 

سيرة الشهيد الذاتية ونفسيته السامية

كان شهيدنا البطل دوماً باسم الثغر، صامتا لا يتكلم إلا للضرورة، وينصر المظلوم ويعين على نوائب الحق، ويعامل الناس معاملة حسنة، وإنه مع دماثة الخلق ولين الجانب كان شجاعا غيورا على الشريعة الإلهية.

إن الحماسة والغيرة الإيمانية موجودة في القلوب الصافية والصدور المهذّبة، هذه الغيرة تأتي بعجائب من التضحيات القيمة والمجازفة لدين الله عزوجل ولشريعته المثالية‌ وإن الله غيور يحب المسلم الغيور على دينه وحرماته.

وفي حياة الشهيد أمثلة ونماذج تدلّ على قوة إيمانه وغيرته الدينية المتدفقة وعاطفته الجيّاشة تجاه دين الإسلام ومبادئه القويمة وإرشاداته الحكيمة، أشير إلى موقفين منها:

الموقف الأول: حميته تجاه الصحابة؛ حيث ‏نُقل عن الشهيد أنه في رحلة من رحلاته، سمع طاعنا يطعن في الصحابة ويلوّي لسانه تجاه حضراتهم، فلم يتحمّل هذه التهم والطعن، فهبّ ردعاً لهذا الشخص ودافع عن الصحابة وبرّر ساحتهم مع أنه شاب كان لا يهتم آنذاك بالدين، لكنّ خاطره لم يطمئنّ ليستمع عما يقال  طعنا في الصحابة وهو ساكت صامت لا يردّ‌‌.

والموقف الثاني: إن من عادات الناس ورسومهم في حفلات العرس أنهم يستعملون الأغاني والموسيقى والآلات التي لا تباح في الشريعة الإسلامية، وفي ليلة عُرس الشهيد بدأ أقربائه بإظهار سرورهم وأرادوا تشغيل الأغاني، فمنعهم الشهيد عن هذا العمل منعا باتا، ونهاهم نهيا قويا، وقال: إن ما حرّمه الشرع، لن أتجاسر عليه ولن أقترب منه قيد شبرٍ.

فانتهى مجلس العرس ولم يُرتكب فيه عمل يخالف الشريعة الغراء لقيامه تجاه هذه الأفعال.

 

ذات ليلة رأى الشهيد البطل (خيرالدين) أمَّه في المنام وهي تطلبه وتقول له: بنيّ! تعال لألاقيك قبل استشهادك.

فرجع الشهيد إلى بيته ولاقي أمه وأسرته وأصدقاءه، فاغتنم الفرصة ودعى بعض أصدقائه إلى الجهاد، وذكرهم بأن الجهاد فرض عين، وله كذا وكذا من الأجر والثواب، وإن من جاهد في سبيل الله وقُتل؛ أثابه الله بالفوز في الدار الآخرة وأكرمه بالجنان.

فما لبث أن أعدّ هذا الداعي المحنّك بعضَ أصدقاءه وأرسلهم إلى ميدان الجهاد، فيبقي هو عند أهله يذكر لهم من أجر الجهاد ويدعو أصدقاءه وأحبابه إلى الالتحاق بهذا الدرب القويم.

قضى الشهيد عدة شهور بين أهله، ورجع مرة ثانية إلى ساحات الوغى، ناويا الوقوف بها حتى الاستشهاد، وبدأ يناجي ربه ويتضرع إليه ويطلب منه قبوله للشهادة.

قضى شهرا واحدا من دخوله الثاني لميدان الجهاد، فجعلت أحواله تتغيّر كلّ يوم أكثر من ذي قبل، وإنه رغم عادته قام يؤمّ الناس يوما، وكأنه ألهم إليه أنه سيلقى ربه وأن هذه الصلاة، صلاة مودع، فصلى بالمجاهدين وبقي يومه ساكتا لا يتكلم كثيرا حتى قبله الله للقائه.

يحكي أحد رفاق دربه قصة استشهاد هذا البطل، فيقول: كنت مسؤولا عن تقسيم الخبز إلى غرف المجاهدين بمنطقة خاشرود، فجئت إلى غرفة الشهيد، فقال لي دعني أذهب مع سائق الدراجة إلى الغرفة الأخرى، وكانت الليلة شديدة الظلمة حالكة، تهبّ فيها عواصف شديدة على المنطقة، حيث ازداد الظلام بسببها فصارت ظلمات بعضها فوق بعض. ركب “خيرالدين” الدراجة النارية مع السائق وذهبا إلى الغرفة، لكنهما ضلّا الطريق. ومن قضاء الله وقدره، واجها لغماً كان مزروعاُ، فانفجر اللغم عليهما في تاريخ 22/6/1397 هـ.ش لتطير أرواحهما إلى جنان الرحمن للأبد، وضمّخوا ثرى منطقة خاشرود بدمائهما.

فما انتبه المجاهدون لفقدانهما إلا يوم الغد، حيث عثروا عليهما وقد تمزقت أشلاؤهما لشدة اللغم الذي وطئاه ‌.

رحمهما الله وجعل الجنة مثواهما، وألحقنا بهما وبجميع الشهداء الذين بذلوا مهجهم في سبيل الله، ويغفرلنا ولهم أجمعين، آمين