حافظ منصور

 

بطبيعة الحال، يحتاج المجاهدون إلى قادة في مسيرتهم الجهادية، يقودونهم نحو الهدف. وقد عرّف البعضُ القائدَ، فقال: القائد هو الإنسان المبدع الذي يأتي بالطُرق الجديدة؛ ليعمل على تحسين العمل وتغيير مسار النتائج إلى الأفضل. والقائد الناجح هو الذي تظهر مهاراته في وضع وإعداد الخطة، وفي طريقة تنفيذها، وهو مُتميزٌ في بثّ روح الحماسة والمثابرة عند الآخرين.

وللقائد المثالي النّاجح صفات وسمات متميزة نلخّصها فيما يلي:

 

الزهد في أمور الدنيا:

فليس أن تكون الشخص الأول في المجموعة يعني أنك ستكون المستفيد الأول في الجوانب المادية والمعنوية، بل على العكس ينبغي أن من يكون في المقام الأول أن يكون في أمور الدنيا في المقام الأخير، فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ لما زوجه فاطمة، بعث معه بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف ورحيين وسقاء وجرتين، فقال علي لفاطمة -رضي الله عنهما- ذات يوم والله لقد سنوتُ (أي استقيت من البئر وحملت الماء مكان السانية وهي النّاقة) حتى لقد اشتكيت صدري، قال: وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله قد طحنت حتى مجلت (أي: قشور رقيقة يتجمع فيها الماء تحت الجلد) يداي، فأتت النبي ﷺ، فقال: «ما جاء بك أي بنية؟»، قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت، فقال علي: ما فعلت؟ قالت: استحييتُ أن أسأله، فأتيناه جميعًا، فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله، والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة رضي الله عنها: قد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا فقال رسول الله ﷺ: «والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطو بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم فرجعا». {مسند أحمد بن حنبل- مسند علي بن أبي طالب رضي الله عنه}.

وما كاد التابعي الجليل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ينفض يديه من تراب قبر سلفه الخليفة الذي قبله سليمان ابن عبد الملك حتى سمع للأرض ـ من حوله ـ رجة ً

فقال: ما هذه؟ !

فقالوا: هذه مراكب الخلافة ـ يا أمير المؤمنين ـ قد أعدت لك لتركبها.

فنظر إليها عمر بطرف عينه، وقال بصوته المتهدج المرتعش المتقطع الذي نهكه (أضناه) التعب وأذبله السهر: ما لي ولها؟! نحُّوها عني بارك الله عليكم، وقربوا لي بغلتي؛ فإن لي فيها بلاغاً (كفاية) {صور من حياة التابعين، د. عبد الرحمن رأفت باشا، ص: 80}.

 

تقديم مصالح الرعية:

تقتضي أن تكون مصالح الأمة والمسلمين مقدمة على المصالح الفردية.

وكان أبوهريرة رضي الله يقول: آللَّهِ الذي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بكبدي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بطني مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الذي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ ليشبعني، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ ليشبعني، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ – ﷺ – فَتَبَسَّمَ حِينَ رآني وَعَرَفَ، مَا في نفسي وَمَا في وجهي ثُمَّ قَالَ: «أَبَا هِرٍّ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «الْحَقْ». وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنَ لي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا في قَدَحٍ فَقَالَ «مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ». قَالُوا أَهْدَاهُ لَكَ فُلاَنٌ أَوْ فُلاَنَةُ. قَالَ «أَبَا هِرٍّ». قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لي». قَالَ وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلاَمِ، لاَ يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلاَ مَالٍ، وَلاَ عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فساءني ذَلِكَ فَقُلْتُ وَمَا هَذَا اللَّبَنُ في أَهْلِ الصُّفَّةِ كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاءَ أمرني فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ، وَمَا عَسَى أَنْ يبلغني مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ – ﷺ – بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ قَالَ: «يَا أَبَا هِرٍّ». قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «خُذْ فَأَعْطِهِمْ». قَالَ فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِي – ﷺ – وَقَدْ رَوِىَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَىَّ فَتَبَسَّمَ فَقَالَ: «أَبَا هِرٍّ». قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ». قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «اقْعُدْ فَاشْرَبْ». فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ. فَقَالَ «اشْرَبْ». فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ». حَتَّى قُلْتُ لاَ والذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا. قَالَ: «فأرني». فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى، وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ. {صحيح البخاري – كتاب الرقاق- باب: كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه}.

فها هو رئيس القوم وسيد النّاس وإمام الأمة ورسول الله ﷺ وحبيبه وخير ولد آدم، لا يشرب حتى يشرب الفقراء والمساكين من أمته ثم يشرب الفضلة ﷺ.

 

استعداده للتضحية:

التضحية ينبغي أن تُقدّم من قبل الجميع، من الكبير والصغير، من القائد والجندي، من الغني والفقير، لا أن يضحي الصغار والفقراء، وعامة القوم من الأتباع، ويبقى علية القوم وساداتهم يتفرجون بحجة أنهم في القيادة يقدمون الخطط والنّصائح والأموال وما إلى ذلك، فالرد على هؤلاء أنّ كبار الصحابة كأبي بكر الصديق رضي الله عنه وعثمان بن عفان رضي الله عنه كانوا يقدمون الأموال الطائلة ولم يمنعهم ذلك من المشاركة في الغزوات بأنفسهم، بل أن رسول الله ﷺ لم تمنعه مكانته وأهميته من أن يخوض غمار المعارك مع أصحابه، وأن يجرح ويضرب ويصاب، وكان كبار الصحابة يتقدمون الصفوف في التضحية بالغالي والنفيس من أجل دينهم.

ولقد كان الرسول ﷺ نموذجًا حقيقيًا للتضحية في كثير من المواقف، ومنها أنه اهتمّ بأن يغادر كل من معه إلى خارج مكة (يهاجر) ويتابع خروجهم (هجرتهم) بنفسه، وقبل ذلك كان قد أمّن لهم المكان المناسب الذي سيأويهم، حتى إذا اطمأنّ عليهم وشعر ﷺ أنهم بخير وأمان رأى ﷺ أنه بإمكانه أن يهاجر قرر الهجرة.

وفي مقام آخر عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ – ﷺ – فقال: إني مجهودٌ، فأرسل إلى بعضِ نسائِه، فقالت: والذي بعثك بالحقِّ ما عندي إلا ماءٌ، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثلَ ذلك، حتى قُلْنَ كلهن مثلَ ذلك: لا والذي بعثك بالحقِّ ما عندي إلا ماءٌ. فقال النبيُّ – ﷺ -: “من يُضيفُ هذا الليلةَ؟”، فقال رجلٌ من الأنصار: أنا يا رسولَ اللهِ، فانطلقَ به إلى رحلِه، فقال لامرأته: أكرِمِي ضيف رسول الله – ﷺ -. وفي رواية قال لامرأته: هل عندك شيءٌ؟، فقالت: لا، إلا قوتَ صِبيَاني، قال: فعَلِّليهم بشيءٍ، وإذا أرادوا العشاءَ فنوّمِيهم، وإذا دخلَ ضيفُنا فأطفِئي السِّراجَ، وأرِيهِ أنَّا نَأكلُ، فقعدوا وأكلَ الضيفُ، وباتا طاويين، فلمَّا أصبحَ غدا على النبيِّ – ﷺ – فقال: “لقد عَجِبَ اللهُ من صَنِيعِكما بضَيفِكما الليلةَ”. {صحيح مسلم- كتاب الأشربة- باب إكرام الضيف وفضل إيثاره}.

 

تراه إذا ما جئته متهلّلًا *** كأنّك تُعطيه الذي أنتَ سائله

ولو لم يكُن في كفّه غير *** روحه لجادَ بها فليتق اللهَ سائلُه

 

ولقد كان الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- نموذجًا رائعًا للقدوة الحسنة للقيادة وفي التضحية من أجل قضيته وعلى ما يؤمن به والثبات على ذلك، فحين سجن ثم عذب حيث جلد جلدًا رهيبًا، لكنه بقي ثابتًا، وقد بال أحمد بن حنبل في مرضه دمًا، فرآه عبد الرحمن المتطبب، فقال: هذا رجل قد فتّت الغمُّ والحزنُ كبدَه.

وبهذا النّوع من التضحية والهمّ من أجل الآخرين، ومن أجل المبادئ والقضية، ساد الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله النّاس وكان إمامهم بحق.