صارم محمود

 

على جبال أناردره

رغم الصعوبات التي جرّبتُها في هذا الدرب الشائك، إلّا أنّ تجربة تسلّق جبال (أناردره) في تلك الليلة الشتوية الحالكة كان لها مذاقاً آخر ربّما فاق جميع المشقات مرارة، لا سيّما حينما وقع الإخوة في فخّ العدوّ، وسُدّت عليهم جميع الطرق، وكانوا بين فكّي كمّاشة، فكان العدوّ من أمامهم ومن خلفهم، وکان ذات الشمال منهم جبال وعرة شامخة تقع في مرمى العدوّ، يعني أن الإخوة كانوا بين أنياب العدوّ تمامًا، ولم يكن لهم ملجأ سوى أن نتسلّق أعناق هذه الجبال الشامخة، ونفتح النّار على ثكنات العدوّ من أعلى الجبال وقممها، ونشغلهم ريثما يتمكن الإخوة من التفلت.

دعوني أحكي لكم قصّتنا مع (أناردره)، تلك القطعة الفريدة من الروعة والجمال على ثرى أفغانستان التي تداعب بروعتها أهداب الزائرين، وتجذبهم بأشجارها، وثمارها، وأنهارها جذب المغناطيس للقطعَ الحديدية، والتي ظلّت محصورة بين الجبال الوعرة المشرئبّة إلى السماء وجعلتها عصية عن الفتح لمدة سنوات لا لقوةٍ في أهلها، وصمود من قاطنيها؛ ولكن لأجل موقعها الاستراتيجي الحصين.

حينما كان الشيخ السيد (منصور آغا) مسؤولا في مديرية (أناردره) كانت الحرب مستعرة جدّا، وكانت الغارات تُشنّ عليهم بين الآونة والأخرى، وكان الأعداء فيها بين حسك السعدان مسهّدين، حتى أتت تلك الليلة التاريخية الحاسمة التي شنّ المجاهدون فيها حملة كبيرة شاملة على مديرية أناردره وتمكنوا من إسقاط مديرية (أناردره) عدة أيام، وبعدها جنّ جنون الأمريكان، وثارت ثائرتهم، وفقدوا صوابهم، وجاؤوا بقضهم وقضيضهم، واستهدفوا هذه المديرية بطائراتهم من طراز بي ٥٢ فأدى هذا القصف الجبان المكثف إلى استشهاد جمع كثير من الإخوة بما فيهم الشيخ الشهيد (منصور آغا) وكان هذا اليوم من الأيام المشهودة لأبطال “قلعه كاه” بصفة خاصة، ولأبطال فراه بصفة عامة، ولذلك سمّوا هذه المديرية بـ “دره شهداء” (وادي الشهداء).

وقبل أنّ يقع هذا القصف الجبان نشب بين المجاهدين والكوماندوز العملاء بمعية الأجانب المحتلّين اشتباك شديد، استطاع  فيه المجاهدون أن يثخنوا في العدوّ ما شفى صدورهم بمساعدة مناظيرهم الليلية، حيث أزهقوا أرواح أكثر من ١٣ كوماندوا من الأجانب المحتليين ومن العملاء المحليين.

كانت هذه الغارة الجوية في سنة ١٤٤١ الهجري، ولم أكن في تلكم الأيام في محافظة فراه لأشارك في هذه العملية التاريخية، ولكن سمعت من الإخوة قصصها، والصعوبات التي تحّملوها لأجل نقل جثامين الشهداء وجرحى المجاهدين إثر القصف الشديد.

مديرية (أناردره) تحيط بها جبال من أربع جوانب إحاطة السوار بالمعصم، ولا سبيل للتوغل إليها إلّا عبر فوّهة جبلية يبلغ عرضها سبعين مترا فيما أظنّ؛ كأنّ الجبال قد انشقت ليكون للنّاس طريق للذهاب والإياب، وعلى الجانب الأيمن من هذه الفوّهة -وإن شئت فقل الممرّ أو البوّابة- بنوا قاعدة أمنية، ثمّ بعد أمتار من الدخول في (أناردره) هناك قاعدة أخرى، ولا يمكن الدخول إلى (أناردره) إلا بعد اجتياز هذه القاعدة العسكرية الواقعة على الجانب الأيمن من الفوّهة. وكانت هذه الثكنات في تلكم الأيام تفتقد المناظير الليلية؛ ولذلك كان الإخوة يتوغلون في (أناردره) عبر هذه الفوّهة لواذا، مثنى وثلاثى ورباع؛ ولذلك حينما دخل الإخوة في يوم فتح (أناردره) لم يجدوا مخرجا بعد تكدّر الفضاء، وكانت القاعدة الأولى ترمي عليهم بكثافة، وسُدّ الممر بوابل من الرصاص، وهذا ما جعل الضغث على الإبّالة، ووقع الإخوةَ في ورطة شديدة لم تكن تخطر بالحسبان.

ومن سوء حظّنا زوّدوا مؤخرا شرطة القاعدة الأولى بالمناظير الليلية، وكانت الشرطة قد وضعت أعينها على الممرّ، وكنّا قد انقسمنا إلى فريقين، فريق يهاجم القاعدة الأمنية الثانية التي كانت تبعد عن القاعدة الأولى مئة متر أو أكثر، وفريق يهاجم الثكنة الواقعة في الجانب الأيمن من الفوّهة، والتي كانت تقع على قمة جبل عالٍ جدّا، وكان من المقرر أن يعبر الفريق الأول من الممرّ ويجتاز الثكنة لواذا في جنح من الليل، ونحن (الفريق المهاجم) نجلس منتظرين ريثما يبلغنا الإخوة بأنّهم قد اجتازو القاعدة لنشنّ غاراتنا على القاعدة المستهدفة. فعندما اجتاز الإخوة القاعدة الأولى وكانوا في منتصف الطريق، إذ باغتهم العدوّ بوابل من النيران المكثفة وهكذا وقعوا في فخّ العدوّ، فلم يمكنهم أن يتقدموا إلى الإمام لأن القاعدة الثانية ترميهم من الأمام، ولا يمكنهم الانسحاب إلى الخلف لأن القاعدة الأولى لا تمهلهم، وهكذا من الشمال جبال وعرة وهي في مرمى الرصاص، فأخبرونا بأنّهم قد وقعوا في الشباك ولا مناص لهم إلّا أن ينتظروا المنيّة.

لهذا اضطررنا أن نتسلق تلك الجبال الشامخة في ظلمات بعضها فوق بعض إن أخرجت يدك لم تكد تراها، فعزمنا أن نتسلق تلك الجبال لنبدأ المعركة من هناك. وبما أنّنا قطعنا مساحة تبلغ كيلومترا أو أكثر مشيا على الأقدام، وهكذا وقع اشتباك خفيف قبل وقوع الإخوة في الفخّ؛ كنّا نشعر بشيء من التعب، إلى أن وصلنا إلى قمة الجبل، وكان الجبل قد يبلغ طوله (تخميناً لا يقينا) إلى ثماني مئة متر أو أكثر، فامتطينا الجبل وكما تعلمون أنّ من الصعوبة أن يتسلق الإنسان شيئاً من الجبال في النهار فضلا عن الليل وظلماته؛ لأنّ الجبل ليس طريقا ممهدا مذللا، بل وعر تتساقط الأحجار الصغيرة من تحت الأقدام وتؤدي إلى انزلاقها، ثمّ تَصوَر الفاجعة!

أحيانا كنّا عند التسلّق نتشبث بشيء يبدو للوهلة الأولى أنه حجر، ولكن عند الإمساك به كنّا ننتبه أنّه لم يكن حجرا بل كان قتادة وشوكا أدمى اليدَ وتركها تنزف دما. وأحيانا كنّا نضع القدم على صخرة وكانت تتساقط فتنزلق أقدامنا حتى كدنا أن نسقط من علياء الجبل. وكان سلاح (آر بي جي) معي حيث زادني مشقة، حتى وصلنا بعدما نال منّا الجبل إلى قمته، وفتحنا عليهم النّار، وكان بعض الإخوة يحملون معهم سلاح (إم ١٦) مع المنظار الليلي وقد أثخنوا في العدوّ جيّدا، وباغتوهم أي مباغتة، وهكذا الإخوة الذين يحملون سلاح (آربي جي) ضيقوا على العدو الخناق؛ وتمكنَ الإخوة من الإفلات، بَيد أن  بطلا من الإخوة اسمه (إدريس) أصيب في رأسه بطلقة وسقط شهيدا (سأكتب إن شاء الله عنه في الحلقة الآتية) وقتل من العدوّ إثنان، كما أصيبوا بجراحات عميقة بالإضافة إلى الدمار الكبير الذي أصاب القاعدة.