قاري عبد الستار سعيد

 

لا تزال الهجمات والغارات الجوية مستمرة على قطاع “غزة” المحاصرة، من قبل ألد أعداء الإسلام (اليهود الصهاينة)، ففي كل لحظة تردد القنوات أنباء عن تفجيرات ودمار ومجازر إنسانية فظيعة.

هاقد مضت على القضية الفلسطينية أكثر من سبعين سنة، لكن الآن تدهور وضعها وتأزم تأزما غير مسبوق، وصار محرجا جدا بالنسبة لما مضى، والفلسطينيون في هذه الأيام مظلومون ومجردون من السلاح وعاجزون أكثر من أي وقت مضى، حيث لو رفعت إسرائيل السلاح في الماضي على الفلسطينيين العزل، كان المسلمون في المنطقة والعالم يدعمونهم، ويتظاهرون ويناشدون المجتمع الدولي لإنقاذهم، وذلك من أجل الانتماء الديني أو الانتماء القومي العربي، لكن الفلسطينيون الآن لا يجدون أولئك الذين تقودهم فكرة عصبية قومية عربية كأمثال “جمال عبد الناصر” و”حافظ الأسد” و”صدام حسين”، ولا يتواجد في حكام العالم الإسلامي ذاك الشعور القديم للقرابة والأخوة الإسلامية. لذا يشاهد مليار ونصف مليار مسلم الدمار والقتل والدماء، والدموع تسيل من أعينهم.

 

عدد اليهود في العالم قاطبة لا يتجاوز 15 مليوناً، بينما يبلغ عدد المسلمين 1500 مليون، وهذا يعني أن يهودي واحد يقابله 100 مسلم، وهذه النسبة تنخفض أكثر بالنسبة إلى سكان إسرائيل.

هذا السؤال في غاية الأهمية، كيف لا يمكن لأمة إسلامية يصل عدد أفرادها إلى مليار ونصف أن تمنع عدة ملايين يهودي من الظلم والعنف؟

وعند الإجابة على هذا السؤال، يتبادر إلى الذهن بشكل طبيعي عدة أسباب، مثلا: قلة الحماسة الدينية، وضعف رباط الأخوة بين المسلمين، وكثرة الاختلافات والتشتت والتمزق بينهم، وتسلط حكام عملاء على الدول الإسلامية، وصعوبة الظروف، والقواعد المعقدة للنظام العالمي الحاكم.

لكن خطر ببالي سبب آخر لهذه المأساة والبلية، كنت أتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، حيث كان الظلم والعدوان على غزة موضوعًا رئيسيًا في البحث والنقاش، ولم أطيق رؤية صور الأطفال الفلسطينيين الشهداء، وفجأة أغلقت هاتفي، وأخذت مجلة لإمضاء الوقت، فإذا بمقال أمام عيني بعنوان (متى وكيف يتقدم المسلمون في التقنية؟).

 

من البديهيات أن المسلمين تخلفوا عن قافلة التقدم العلمي والتطور في الاختراعات في العالم، ولعل الكثير لا يعرف مدى تخلفنا في مجال التطور والتقدم في التقنية المعاصرة.

هناك مقولة مشهورة تقول: (الدنيا بالوسائل لا بالفضائل)، أي: أن سر التقدم في هذه الدنيا منوط بالوسائل الدنيوية الحديثة، والعامل الأساسي للتقدم المعاصر والتطور العالمي هو علوم التقنية الحديثة والتجارب الجديدة.

يعني أنه لا يتحقق حلم التقدم المعاصر إلا بامتلاك المعرفة التقنية والمهارات الفنية، والتقدم بدونها كالطيران بدون أجنحة. هذه من المسلمات التي لا يتنازع فيها اثنان.

 

تعالوا لنقف على مستويات المسلمين في مجال العلوم التجريبية المعاصرة، ولنعرف نسبتهم مقابل الدول الأخرى، فقد ذكر في مقال لأحد الكُتَّاب في مجال التقنية بأن مقياس التقنية لأي بلد إنما يكون بناء على عدد الماهرين في التقنية في ذلك البلد، ففي العالم الإسلامي تقدمت خمس دول (تركيا، وباكستان، ومصر، وإيران، وماليزيا) عن غيرها، وباكستان تقدمت بخطوة واحدة عن أخواتها بسبب سلاحها النووي، لكن لو قارنا هذه الدولة بدول العالم الأخرى، فإنها تعتبر دولة متخلفة جداً في مجال التقنية.

ووفقًا لكاتب المقال، فإن باكستان تمتلك حاليًا حوالي 2000 ماهرا في التقنية، والدولة المجاورة المنافسة غير المسلمة (الهند) لديها حوالي 200000 ماهر في هذا المجال.

 

وهذا ليس لكثرة عدد سكان الهند، فإن عدد سكان إسرائيل لا يتجاوز 8 ملايين في حين يبلغ عدد ماهريها 44000 شخصاً، بينما عدد سكان باكستان يبلغ 210 مليونا! وإن خضنا هذا الميدان فأمريكا على رأس القائمة لوجود أربعة ملايين ماهر، والصين تحتل المرتبة الثانية لوجود مليوني ماهر، وألمانيا تأتي في المرتبة الثالثة بوجود مليون ماهر.

فالولايات المتحدة تدعي السيادة على العالم كله، والصين تنافسها، وألمانيا أقوى قوة اقتصادية في أوروبا، ومن بين الأسباب الرئيسية في هذا التقدم الثروة العلمية في هذا المجال.

ويضيف كاتب المقال: بأنه من المؤسف أن الدول الإسلامية بدلاً من أن تعتبر وتتعظ من الذل والهوان التي تعيشه منذ قرنين، وتنفض عن نفسها تراب الكسل والخمول، أصبحت أكثر غفلة، ونأت عن قافلة التقدم. ويضيف الكاتب: بأن باكستان قبل 50 عامًا كان لديها 20 ألف ماهر في التقنية؛ لكن الآن قل هذا العدد أكثر من النصف.

لقد بلغت اللامبالاة من حكام المسلمين في هذا الصدد إلى حد أنه خلال المؤتمر الإسلامي الذي انعقد عام 1999، اقترح الدكتور (عطاء الرحمن) مسؤول المؤتمر الإسلامي إنشاء مؤسسة مشتركة في التقنية وطلب التمويل من الدول الأعضاء، فأعرضت أغنى دول العالم الإسلامي عن تلبية هذا الطلب المهم، مثل الكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين وبروناي، وتصدى لدعمه إيران والسودان فقط!

 

فالخلفية التاريخية تثبت أن انحطاط المسلمين بدأ منذ زمن إهمال المسلمين للتقنية والصناعة، فقد كان المسلمون في عهد الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية في الألفية الأولى الهجرية، متقدمين على الكفار في الصناعة وعلوم التجربة، ووقتئذ كان العالم الإسلامي يعتبر مركز العلوم الحديثة مثل الرياضيات والفيزياء وعلم الفلك والطب والكيمياء إلخ، وكانت المصنوعات اليدوية للمسلمين تصدر إلى الغرب وتباع فيه، ولما جاء الانقلاب الصناعي في أروبا في القرون الأخيرة، واكتشفت علوم جديدة، لم يتمكن المسلمون من أن يواصلوا هذه الرحلة العلمية.

أمر الله سبحانه المسلمين في القرآن بقوله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) أي: واستعدوا مهما تطيقون! وفسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة بقوله: (ألا إن القوة الرمي)، وذلك يعني أن قوة المسلمين في توفير وسائل لرمي الكفار وقتلهم وتدميرهم، فالقوة هي ما يرمى به الكافر من بعيد، وكانت هذه الأدوات في الماضي عبارة عن سهام ورماح ومناجيق، أما اليوم فكل الأسلحة الخفيفة والثقيلة المختلفة، والصواريخ، والطائرات المقاتلة، والطائرات المسيرة، وغيرها كلها تعتبر من (القوة) وتعلمها فريضة علينا.

 

فالماهرون في التقنية لدى إسرائيل يبلغ عددهم عدد الماهرين في العالم الإسلامي بأسره، وانعدام دولة إسلامية منافسة لإسرائيل في التقنية يبدو منه أننا أهملنا الأمر الإلهي ولم نعمل به.

 

فمأساة غزة والمحنة الحالية للمسلمين ليست إلا مغبة هذه المعصية الاجتماعية فحسب.