دور الأفيون في تأجيل قرار الانسحاب من أول مايو إلى 11 سبتمبر!

بقلم: أ. مصطفى حامد (ابوالوليد المصري)

 

■ حرب بدون ملابس عسكرية أو شارات دول، تخوضها شركات المرتزقة، لصالح دولة كبرى تدير الفوضى العالمية، تأكيداً لنظام دولي تديره البنوك.

■ يجتهدون من أجل إلغاء الدور الإسلامي لأفغانستان، المدعوم بقدرات اقتصادية معدودة عالمياً. وحصارها استراتيجيا بالمعنى الحرفي لكلمة حصار. ثم حصر دورها في مجال المخدرات، وتصدير المواد الخام بأسعار شبه مجانية.

■ نظام كابل لا يعتمد كثيرا على أجهزته، فأحاط نفسه بغابة من الشركات الارتزاقية أبرزها داعش التي تحظى بحصة الأسد في التعاقدات (الإرهابية) مع الحكومة.

■ عقدين من حرب ركز فيهما العدو على بناء تعليم يدمر ركائز الثقافة والاعتقادات الدينية لشعب أفغانستان، ليصبح أكثر تقبلاً للاحتلال، وتساهلاً مع التفريط في أساسيات الدين.

 

يعيش الإعلام الدولي على صدقات الإمبراطورية الإعلامية الصهيونية التي تحتكر المعلومات، ثم توزع بعضها مخلوطة بأطنان الأكاذيب والتوجهات الضارة.

في أفغانستان يحتكر الاحتلال كافة الإحصاءات المتعلقة بالحرب، مباشرة أو غير مباشرة، فلا توجد أرقام موثوقة لشيء، إلا ذلك القليل الذي تذيعه الإمارة الإسلامية.

يعنينا من ذلك الآن عدد القوات المحتلة والمرتزقة، فلا يوجد رقم مؤكد، ولا أحد يعلم يقينا هل ما يحدث هو انسحاب فعلي أم أنه مجرد تغيير للقوات؟ وهل أفغانستان مقبلة على (تحرير) حقيقي، أم على (تحوير) لصيغة الاحتلال؟

فتعلن أمريكا عن سحب قواتها وفي نفس الوقت تعلن عن إرسال قوات جديدة لحماية القوات المنسحبة”!!”. فما هي الحقيقة؟؟ هل نحن أمام انسحاب حقيقي أم مجرد استبدال قوات قديمة بأخرى جديدة؟ قوات تترك مواقعها لتتمركز قوات أخرى في مواقع قتال جديدة.

– إن ما يحدث هو سياسة إرباك أمريكي متعمد، تختفي خلاله ملابس القوات النظامية، لتحل محلها فوضى ملابس شركات المرتزقة الدوليين. إيذاناً بتحول الحرب بالكامل إلى حرب بالمرتزقة، مع حد أدنى لا يكاد يُذكَر لقوات نظامية لدولة عظمى تدير الفوضى في أفغانستان والعالم، لصالح البنوك اليهودية الكبرى؟

– قال “خليل زاد” ـ إن بلاده ستبحث عن مرتزقة آخرين يدعمون نظام كابول، بديلا عن المرتزقة الأمريكيين. كلامه يشير من بعيد وبكثير من الالتواء إلى حقيقة أن أمريكا تجهز قائمة جديدة من القوى التي سوف تحل محلها في أفغانستان. أكثرها قوى قديمة ولكنها آخذة في الالتزام بنهج جديد من التدخل، طبقا لخطط جديدة، بدون أن تستبعد أمريكا أطماعها، بل تدعمها وتعوض ما لحق بها من خسائر.

– لم تنسحب أمريكا من حرب الأفيون ولكنها اقتنعت بتخفيف غنائمها من المخدرات في مقابل تنمية مكاسب أخرى، بإعادة تشكيل السوق العالمي للمخدرات، وإدخال منتجات أمريكية جديدة إليه، وما يستلزمه ذلك من تغيير “المزاج” الدولي للزبائن. ومن علامات ذلك التوسع العالمي إباحة تعاطي الحشيش والمرجوانا، وما يسميه الأمريكان بالمخدرات الخفيفة (!!).

– ما زال الوقت مبكرا حتى يلمس العالم تأثير تلك السياسات وتلك المنتجات الأمريكية ـ أو استكشاف سياسات التوزيع وخرائطه الجديدة. لن يكون ذلك سهلا، بل يسلتزم زلازل اقتصادية واجتماعية وحروب وكوارث سياسية لدول وأنظمة حول العالم. الوقت مازال مبكرا لاستشراف ذلك المستقبل المضطرب، وإلى أن تظهر المزيد من الإشارات التي توضح المسيرة الأمريكية المتضامنة مع شريكها الإسرائيلي الحميم، وباقي العملاء من دول الدرجة الخامسة التي تحاول الانتفاش للظهور بصورة أكبر بكثير من حقيقتها.

هؤلاء يتنافسون على دور في أفغانستان، في إطار الرؤية اليهودية الأمريكية لذلك البلد المجاهد، المرشح لأدوار مستقبلية فاعلة. فيجتهدون لإلغاء دوره الإسلامي المدعوم بقدرات اقتصادية معدودة عالمياً. وحصاره استراتيجيًا بالمعنى الحرفي لكلمة حصار. ثم حصر دوره في مجال المخدرات، وتصدير المواد الخام بأسعار شبه مجانية، مقابل رشاوى لفاسدين في نظام عميل.

 

دور الأفيون في تأجيل قرار الانسحاب:

لتأجيل الانسحاب دوافع عديدة، تصيب عدة أهداف في نفس الوقت. أحد تلك الدوافع هو ما يتعلق بالأفيون ـ وبالتالي هو الدافع الأهم اقتصاديا.

فمعلوم أن بداية تجميع محصول الأفيون يبدأ من شهر مايو. فإذا أتمت قوات الاحتلال انسحابها في ذلك التاريخ، فإن ذلك يعني عواقب مالية خطيرة تضر موقع السيادة الأمريكية في سوق تجارة الهيروين والمخدرات الصناعية التي بدأت في إنتاجها بغزارة في بعض قواعدها العسكرية في أفغانستان. وأول مايو كان سيصبح تاريخ إقصاء لأمريكا عن سوق الأفيون (والهيروين) لصالح منافسين دوليين آخرين، ستكون جوائزهم خارج كل تصور.

لهذا فضلت أمريكا فسخ موعد الانسحاب ومواصلة حرب عنيفة للغاية، بواسطة النظام العميل والشركات المرتزقة العاملة مع الاحتلال. فأشعلت النيران في المراكز التقليدية لزراعة الأفيون في جنوب البلاد كما في شرقها وغربها. في عمل أقرب إلى “الخيار شمشون”. فالنيران ستحرق معظم المحصول، وتوقف معظم حركة النقل والتصنيع. بالطبع ستتأثر أمريكا اقتصاديا وبشدة لأنها مازالت صاحبة النصيب الأكبر، رغم خسارتها الكثير في حصتها. ولكنها كانت تراكم لسنوات عديدة احتياطيا استراتيجيا ضخماً من الأفيون الخام وبلورات الهيروين النقي.

– لا يكاد يخلو قرار هام تتخذه أمريكا في أفغانستان من تأثير عنصر الأفيون ـ الذي كان منذ البداية سببا لتلك الحرب الدامية المستمرة من عشرين عاما – حتى كان الأفيون هو الدافع لفسخ قرار الانسحاب في أول مايو ـ وتأجيله إلى 11سبتمبر،الذكرى العشرين لحادثة سبتمبر لعام 2001م.

 

احتلال بدون ملابس عسكرية:

تكرر إعلان الأمريكيين عن السعي إلى الحفاظ على تواجد استخباري دائم وقوي للغاية في أفغانستان، حتى بعد انسحاب القوات الأمريكية والحليفة لها.

– طبقا لنظرية الحروب الحديثة، حروب شركات المرتزقة وليس جيوش الدول، فإن استمرار نمو تلك الشركات هو عامل هام عند اتخاذ قرار سحب القوات المحتلة، التي ترتدي ملابس جيوش نظامية لدول، لصالح مرتزقة شركات دولية يقاتلون بلا شارات خاصة أو أعلام دول دول متحالفة في الحرب.

– تلك الجيوش من المرتزقة أصبحت من القوة والضخامة في أفغانستان بحيث تغني عن وجود قوات الجيش الأمريكي (أقل من ألفي جندي) وقوات الناتو (16 ألف حسب أرقامهم). إذن الانسحاب العسكري لأمريكا والناتو(إن كان انسحابا وليس مجرد إعادة توزيع القوات على المسرح الأفغاني الكبير من بدخشان إلى فراه ـ ومن بلخ إلى جلال آباد). خروج القوات الأمريكية والأطلسية من أفغانستان ليس انسحابا بل استخداما لعصابات المرتزقة كبديل عن قوات الجيوش النظامية. في تطور طبيعي لما أسسته أمريكا من خصخصة الحرب ضمن نظام اقتصادي عالمي تسيطر عليه البنوك اليهودية والشركات العظمي العابرة للقارات. وتحويل النظام العالمي إلى غابة تمرح فيها وحوش الرأسمالية المتوحشة. مع إبادة تدريجية للحكومات العقائدية (الأيدلوجية) والحكومات الوطنية التي تضع مصالح الوطن قبل مصالح الشركات الدولية عابرة القارات. وبدلا منها تجيء حكومات السماسرة الذين يخدمون الشركات الكبرى ويقمعون الشعوب ويضللونها، ويمحون من ذهنها أي دين أو مبدأ غير مبدأ “الربح لأجل الربح” والاستمتاع بمباهج الحياة الدنيا الخالية من القيود أو الإيمان بالله.

– أفغانستان لم تكن التجربة الأولى في حروب المرتزقة، بل كانت هي الأكبر والأكثر تطورًا إذ توفر للمرتزقة أكبر قدر من دعم قوة عظمى وإمكانات تكنولوجية لم تخطر في عقل بشر.

نحاول تفسير حرب المرتزقة في أفغانستان، بالإشارة إلى ثلاث مراحل مرت بها تلك الحرب.

 

المرحلة الأولى: مع بداية الحملة الصليبية لجورج بوش عام2001 كانت البداية خجولة في استخدام المرتزقة الأجانب، فالمرتزقة المحليون هم من حمل عبء احتلال أفغانستان لصالح الحملة الصليبية. في مقدمة هؤلاء كان رجال الأحزاب البائدة ـ وتحالف الشمال الذي تعاقد مع مرتزقة روس ـ واستفادت الحملة من بقايا الميلشيات التي أسسها الجيش الأحمر الروسي خاصة (جلم جم) وميلشيات في أماكن شتى خاصة في قندهار.

 

المرحلة الثانية: في بداية حكم ترامب (2017) أعلن رسميًا عن خصخصة حرب أفغانستان وقفز اسم ” مشيخات من الخليج” كمركز لشركات المرتزقة المتورطة بكثافة في أفغانستان، في القتال وتهريب المخدرات وغسيل الأموال. لهذا خفض ترامب قوات بلاده بشكل كبير ـ لم يفصح عن مقداره الحقيقي ـ وأكد نيته على الانسحاب مع تمويه موقفه الحقيقي بإطلاق إشارات متناقضة مصدرها الرئاسة وأجهزة الحكم الأساسية. ومازال ذلك هو موقف إدارة بايدن التي تدير الغموض والتناقض في أفغانستان وسياستها هناك.

 

المرحلة الثالثة: بدأت مع نهاية حكم ترامب، واستمرت مع بايدن. مع زيادة في الغموض والإشارات المتناقضة ـ وشواهد غير مكتملة عن ملامح لحرب جديدة في أفغانستان، تتولاها قوات المرتزقة بالكامل ـ يدعمهم جيش النظام المحلي – بتأجير المعدات أو بعض الفرق من الجيش، وحتى استئجار طلعات طيران مقاتل.

ــ النظام نفسه لا يعتمد كثيرا على أجهزته (الوطنية) فأحاط نفسه بغابة من الشركات الارتزاقية المحلية والدولية ـ أبرزها الآن داعش التي تحظى بحصة الأسد في التعاقدات (الإرهابية) مع الحكومة. وهي تضرب في كافة الاتجاهات ضد الأهالي، أو ضد المجاهدين، وتوسع نشاطها ليشمل باكستان المجاورة وربما طال آسيا الوسطى وفي وقت ما حدود الصين.

– الدور الثابت المنوط دوما بالدواعش هو إشعال الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة.

– على التوازي مع داعش تأتي مليشيا “جلم جم” بقيادة عبد الرشيد دوستم/ المتبقى من تركة الاحتلال السوفيتي / والآن هو في الصفوف الأولى للنظام الحاكم، كسياسي وكقائد ميليشي متلائم مع تطورات حروب المرتزقة. أساس واجبات دوستم هو الفتنة العرقية ـ لفصل الأقلية التركية في الشمال وربطها بما يجاورها من جمهوريات آسيا الوسطى ذات الأغلبية العرقية التركية.

الدواعش و”الجلم جم” يتجاورون في العديد من مناطق الشمال. ويكمل بعضهم بعضا، رغم اختلاف الفتنة العرقية عن الفتنة المذهبية، لكنهما في النهاية يخدمان المخطط الأمريكي/الإسرائيلي في أفغانستان.

 

بيانات الإمارة.. إشارات إلى المستقبل:

المخططات الأمريكية/ الإسرائيلية المحاربة للإسلام في أفغانستان تعمل في مواجهة مقاومة عنيدة وجهاد باسل من الشعب بقيادة الإمارة الإسلامية، التي لا تسترسل كثيرا في شرح برامجها المستقبلية، مكتفية بما تحمله بياناتها المُرَكَزَة التي تصدر عن القيادة من استراتيجية المواجهة المستقبلية لمؤامرات التقسيم والفتن الطائفية والعرقية. ونقتبس شيئًا من تلك الملامح في بيان عيد الفطر الصادر عن أمير المؤمنين ـ مولوي هبة الله ـ يقول البيان المذكور:

(إن بلدنا بعد حصولنا على الاستقلال، بأمس الحاجة إلى إعادة البناء والوقوف على الدعائم القوية الثابتة. فلنتشارك جميعا بإخلاص في إعادة إعمار البلد، لنحظى جميعا ببلد عامر ومزدهر في ظل نظام قائم على الشريعة الإسلامية. فلنتجاوز جميعا المصالح والطموحات الشخصية لتحقيق هذا الأمل، وأن نجعل القيم الإسلامية والمصالح الوطنية هي المعيار، وأن نكون شعباً قوياً موحداً من خلال التسامح والتراحم فيما بيننا.

نؤكد لشعبنا كله أنه بعد انتهاء الاحتلال سيقام نظام إسلامي شامل ترى فيه جميع أطياف الشعب نفسها بناء على ما تمتلك من مؤهلات وكفاءات، ولن نهضم فيه حقوق أحد إن شاء الله تعالى).

– وفي فقرة أخرى لا تقل أهمية يؤكد البيان على أهمية التعليم كأساس لإقامة بنيان شامخ وقوي لأفغانستان، بل لأي أمة تريد النهوض. فيقول البيان:

(إن التعليم مطلب مهم لرفاهية الجيل القادم وللبلد. ويمكن لكل الشعب أن يزدهر من خلال التعليم. وتعتبر الإمارة الإسلامية رعاية المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى وتطويرها من أهم أهدفها).

– يستحق التعليم أبحاثا مطولة لأهميته المركزية في إعادة بناء أفغانستان، بعد عقدين من حرب ركز فيهما العدو على بناء تعليم يدمر ركائز الثقافة والاعتقادات الدينية والاجتماعية لشعب أفغانستان، ليصبح أكثر تقبلاً للاحتلال، وتساهلاً مع التفريط في أساسيات الدين. كما حدث في الكثير من الدول الإسلامية التي خضعت طويلا للاحتلال الأجنبي.