مسلميار

هناك في غزة دمارٌ وخرابٌ، وقصفٌ وحشيٌ همجيٌ بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، عندما تشتم رائحة الموت في كل مكان من قرى ومدن ومخيمات القطاع الصامد، وعندما ترى الأشلاء الممزقة تتناثر بفعل الإجرام الصهيوني في غاراته الجوّية التي لا تفرّق بين كبير ورضيع، وذكر وأنثى، وعندما تشاهد عصافير الجنة تدفن في بطون أمهاتهم تحت الأنقاض،

عندما تسقط أسرة بكل أفرادها في أتون الموت، عندما تصاب بحالة سيئة نتيجة فقدان الأب والابن والزوجة والأخ وابن العم، وعندما تشاهد شلال الدماء يسيل وأنين الأم على فقدان أبنائها ورب أسرتها، عندما ترى على الشاشات سيارات الإسعافات لا تتوقف وتنقل الجرحى والجثامين إلى المشفى،

عندما تشاهد استهداف الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء وهي تطحنهم الطائرات والصواريخ وتحولهم الى أشلاء على مرأى ومسمع من العالم، وفي بحبوحة هذه الآلام والأوجاع ترى شيئًا آخر، ترى رجالا يفسّرون معنى الكرامة والصمود والإباء تحت زخات القنابل الفتّاكة بأعمالهم البطولية، وبسفك دمائهم الزكّية في الساحات والميادين.

هؤلاء الرجال الأبطال فضحوا اليهود، وهتكوا ستار جبنهم وخورهم وضعفهم، وفضحوهم عندما أظهروا للعالم أنّ اليهود لا يقاتلون المسلمين وجهًا لوجهٍ، إلا من وراء جدرٍ أو من وراء الدبابات والطائرات الحربية.

وما أحسن ما قاله الشيخ الطنطاوي رحمه الله: خسأتم يا حلفاء الشيطان.. والله ما فلسطين بالشاة ولكنها القنفذ، على ظهرها الشوك، إنها السكين المشحوذة ذات الأربع شُعب، إنها زجاجة السمّ الناقع، فليتقدم لابتلاعها من شاء أن ينتحر.

إن قضية فلسطين لن تموت لأنها عقيدة في قلب كل مسلم، هل سمعتم أو قرأتم أن عقيدة يحملها في قلبه ألف مليون يمكن أن تموت؟
كتب الله لهذه الانتفاضة الاستمرار والقوة، كما كتب مثل ذلك للحرب الجهادية في الأفغان لأنهما قامتا لله لا للدنيا، وما كان لله فهو المتصل.

كان النّاس يظنّون أنّ استخبارات إسرائيل أقوى استخبارات على وجه الأرض، وإنها تعرف حركاتنا وسكناتنا، حتى لقد ظنّ ناس منا (واستغفر الله الذي لا إله إلا هو) أنها تعلم ما تخفي صدورنا، وظنّوا أنّ القبّة الحديدية لا تعمل فيها الصواريخ، فانهار كبرياء إسرائيل أمام ضربات المجاهدين الأبطال، فصغرت إسرائيل أكثر عندما استهدف المجاهدين تل أبيب بضربات قاصمة، بفضل الجهاد المبارك،

جهاد بالمعنى الذي عرفه الإسلام، بذل الروح لله وحده، وابتغاء الجزاء منه تعالى فحسب، جهادٌ من يظفر فيه يظفر بنيل الأماني وبلوغ الغايات، ومن يمُتْ ينلْ ما هو أكبر من متع الدنيا كلها رضا الله والجنة.

لقد أدارَ العالم بأجمعه ظهره لغزة وأهلها، لقد اتفقوا وتكاثروا عليها، ولا يعلمون أن غزَّة أبسط من هذا كله، فمن أجلِ أطفالِ غزة أغيثوها، من أجلِ نساءِ غزة ورجالِ غزة لا تُذِلوها، لا تغلقوا معابركم في وجوهها ولا توصدوا أبوابكم عند حاجتها، لا تحاصروا غزة ولا تتربصوا بها ولا تنتظروا سقوطها، ثم تقولوا بعد كل هذا إنها إرهابية، فغزّة ليست إرهاباً وهي أقوى من أن تُكسر، غزّة أقوى من السياسة والتحالفات، أقوى من رائحةِ الحروب ومن كل الاستفزازات والتكالبات.

لقد علمتنا غزة في آخر حصة من دروس الكرامة والعزة .. بأن حقوقنا ننتزعها انتزاعاً عندما نصبح أقوياء .. وبقوتنا وبجهوزيتنا وبحضورنا .. سيحترمنا العالم ويعمل لنا ألف حساب .. ونستطيع أن نجبر الإحتلال على دفع فواتير احتلاله لأرضنا والتنكيل بشعبنا .. فالدفاع عن الحقوق ونيلها والمحافظة عليها تحتاج لمن يمتلك القوة ويحميها ويدافع عنها .. وذلك بتوفير وامتلاك عناصر القوة وتطويرها .. والضعفاء العجزة لا يستطيعون فعل ذلك .. ولا يعتبرهم العالم ولا يراهم ولا يقيم لهم وزناً .. حتى ولو من باب الإشفاق على حالتهم .. وهم يذهبون لتقديس التنسيق الأمني مع المحتل ..!!